سياسة صحف وآراء

حرب مفتوحة… أسئلة أهل غزة

*هشام دبسي

في حِوار عن بُعد مع ناشط شارك في الانتخابات المحليّة والبلديّة لمدينة دير البلح، أفصَحَ عن دافعه الذاتي للاقتراع لأول مرة، بأنه يريد اختبار الشعور بالمساواة مع الناخب اليهودي المستهدَف دائماً باستطلاع رأيه أسبوعياً، في شتى مناحي الحياة الإسرائيلية. كما أفصح هذا الناشط أيضاً، عن رغبته في الشعور بالتوازن الإنساني قليلاً، باعتباره من سكان البلد الأصليين من أجل ردم الفجوة الناتجة عن التفوق الإسرائيلي الكبير، بواسطة جيشه الحديث والقبة الحديدية التي تحميه. بينما لا يملك أبناء هذه البلاد إلّا القدرة على البقاء أحياء، مهما بلغ حجم التنكيل والقسوة والإذلال.

هذه الحالة في الواقع الغزّي، لها ما يماثلها في الضفة الغربية، و زِدْ عليها ضمّ الأراضي وتهويدها فضلاً عن بناء المستوطنات.

لكن السؤال الصعب الثاني يتعلّق بالاقتراب من الخط الأصفر الفاصل بين شرق القطاع وغربه، اقتراب يؤدي إلى الموت “بالذكاء الاصطناعي”، وهذه المخاطرة ناتجة عن تحرُّك معالم الخط الاصفر بما يُناسب الاحتياجات اليومية لِجيش الاحتلال وهي دائماً احتياجات وجودية تسقط أمامها قداسة الحياة.

أما السؤال الثالث فقد ارتبط بدخول المساعدات الغذائية والدوائية، حيث تحسبها الرقابة الإسرائيلية بعدد الوحدات الحرارية الداخلة للقطاع وهذا ليس تضخيماً، بل حقيقة تُعْلَن رسميّاً كي لا تُتّهم حكومة إسرائيل بأي مجاعة تسبّبها للناس هناك في ظل العَوَز الشديد.

تَضامُنَ

كان المشهد الفاضح لسياسة التجويع الممنهَج دافعاً قوياً لانطلاق “أسطول الصمود العالمي” في شهر نيسان/ أبريل الماضي حاملاً معه كوكبة من الناشطين الدوليين، و قليلاً من الغذاء، وكثيراً من العطف الإنساني. عندما غادرت سفنه مَراسي إسبانيا وفرنسا، مع صرخة بصوتٍ عالٍ من أجل كسر الحصار المحْكَم على غزة.

لكن المتحدِّث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيغوت اعتبر ما يجري تجاوزاً لا ينبغي السكوت عنه، قائلاً ] تماشياً مع القانون، تُعَد الموانئ مياهاً داخلية تمارس الدول سيادتها عليها[ ، صحف 5 أيار” . في انتقادٍ لسلوك حكومات فرنسا وإسبانيا وتساهلهما في مسألة “سيادية”، متجاهلاً أن ميناء غزة ليس إسرائيلياً، كما لم ينتبه المتحدث باسم الخارجية أنّ الناشطين الـ (١٧٥) يحق لهم التعبير عن آرائهم وليس بينهم “إرهابي” واحد مطلوب للعدالة.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، لم يتردّد لحظة في تنفيذ إنزال بحري و جوّي على 20 سفينة مسالمة في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت. بل قام باستعراضٍ مُتباهياً أنه  ]نجح في منع الأسطول من الوصول[  وأنّ عليهم  ]مشاهدة غزة على  اليوتيوب[، “حسب تصريحه في 20 نيسان /أبريل.”

أما في وصف  ما جرى، سجّل الناشطون في حملة التضامن شهاداتهم لأساليب الاعتقال على يد الكوماندوز الإسرائيلي تخلّلها استعمال “عصا الصّعق الكهربائي”، لشلّ أي مقاومة جسديّة للاعتقال. إلّا أنّ أحدهم أطلق صرخة مطالِباً حكومة إسرائيل ببناء “قبة أخلاقية” تحميهم بدل “القبة الحديدية”.

مصير

انتهت العمليّات العسكرية الكبرى في قطاع غزة في 10 أكتوبر من العام الماضي بإعلان خطة الرئيس ترامب المكوّنة من 20 بنداً. بينما مضى سبعة أشهر ونحن لا نزال في تنفيذ البند الأول. لقد قُتِلَ خلال هذه الفترة أكثر من 7000 ضحية وما زال نحو 85% من السكان أي 1.9 مليون نازح يعيشون بِما يُشبه الخِيَم، لأن الرقابة الإسرائيلية تمنع دخول الخِيم الجديدة كما تمنع دخول أي معدّات ثقيلة لإزاحة الركام. فضلاً عن منع دخول العدد المقرّر من شاحنات الغذاء.

اشترطت إسرائيل نزع سلاح حماس اوّلاً، في مفاوضات القاهرة الأخيرة للانتقال للبند الثاني من خطة ترامب، وهذا ما رفضته حماس، وطالبت بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي أوّلاً. وهنا يتأمّل أهل القطاع بما يجري في المفاوضات، من غير أن يجيبهم أحد على سؤال يتعلّق بمصيرهم، وليس بمصير السلاح. كما تبدو قيادة حماس على ثقة بموقفها، على الرغم من استهداف قائدها المحلي الأسبوع الماضي عزّام الحيّة، نجل مسؤولها الأول.

لا يدري معظم أهل غزة، أنّ قائد حماس الحالي خليل الحيّة، حصل على مُنحة من البيت الابيض وقطر وتركيا، سمحت لأجهزة حماس الشُرَطيّة والحكوميّة في ممارسة سلطتها في الشطر الغربي من القطاع حتى وصول “قوات السلام” وهذه بدورها تشهد تعثّراً و عجزاً عن إنجاز الهدف المرجو منها بفعل تباين مواقف الدول المشاركة في “مجلس السلام” لِتعريف مهمّتها؛ وبفعل الشروط الإسرائيلية التعجيزية، والمماطلة في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى. حيث استطاع الجيش الإسرائيلي فرض وقائع ميدانية في معالجة مسألة سلاح غزة ، عبر إمداد و تسليح مجموعة عصابات من المهمّشين ومُحْتَرفي الجريمة ووفّر لهم الحماية؛ في الوقت الذي لجأت فيه العائلات والعشائر للتسلّح الفردي، بينما تقْتَني بعض الفصائل الأخرى أسلحة خفيفة كافية لممارسة قَدَر من النفوذ المحلّي.

بالخلاصة، لدينا الآن في هذا القطاع السلاح الإسرائيلي بكامل ثِقَله، ولدينا ما بَقِيَ من سلاح حركة حماس وأجهزتها الأمنية، فضلاً عن سلاح المجموعات العميلة وأخيراً سلاح العائلات والعشائر والفصائل الأخرى. هذا ما يجعل الجدل حول المفاضلة على أولوية نزع السلاح له وظيفة تخدم استمرار الحالة المسلّحة في قطاع غزة باعتبارها عنواناً لبقاء الوضع على حاله بما يُرضي حكومة نتنياهو، ويسمح لها بالاستثمار السياسي في سلاح حماس وغيرها لخدمة بقاء الاحتلال إلى مدى غير منظور تجري من خلاله عمليات السيطرة والضم على القسم الشرقي من غزّة.

وهذا ما يجعل سؤال المصير عند أهل غزة له بُعد مركزي الآن.

أين السُّلْطة ؟

منذ الانقلاب الدموي الحمساوي على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة عام 2007 بَنَت حركة حماس أجهزتها الحكومية والشُّرَطيّة المُوازية. أما السلطة الوطنية في رام الله، استمرت في دفع رواتب نحو 37 ألف موظف مدني وعسكري وهم ما زالوا خارج الخدمة الفعلية في القطاع.

ولما كانت مسألة فتح المعابر على الحدود الفلسطينية المصرية تخضع لمعاهدة رسمية بين إسرائيل والسلطة بوساطة أمريكية أوروبية، فإنّ عودة السُّلطة لدورها للمشاركة في إدارة معبررفح، وإعداد نحو عشرة آلاف عنصر جديد للشرطة، تم تدريبهم في مصر والأردن بانتظار دخولهم القطاع مع قوة السلام الدولية، يمكّنها من المساهمة في صناعة الحلّ.

ومن جهةٍ أخرى فإنّ الحضور السياسي للسلطة الوطنية يرتبط بقدرتها على تنفيذ خطّتها بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية قبل نهاية هذا العام، وهذا ما زال في حقل الممكن إذا سنحت الظروف ووافقت الإدارة الأمريكية على منع العرقلة الإسرائيلية. لأنّ خطّة السلام الترامبية تفترض ممارسة “لجنة إدارة غزة” دورها بصفتها حكومةً محليّةً مؤقتةً، إلّا أنّها لم تتمكن بدورها من دخول أرض القطاع بفعل المنع الإسرائيلي، وتعثّر تشكيل قوة السلام الدوليّة حتى هذه اللّحظة.

الآن تكثر أسئلة الغزّيّين حول ارتباط مصيرهم بنهاية الصراع مع إيران أو بما يجري في لبنان. أم مُرتّبِط بالنوايا التي صرّحت بها أقطاب حكومة نتنياهو القاضية بعدم الانسحاب من القطاع، لا بل ترغب بِضم جزء منه كمنطقة عازلة.

إنها أسئلة لا إجابة مقنعة لها لدى أهل غزة، حتى تضع الحرب أوزارها.

* نشرت بتاريخ 12 أيار 2026 على موقع   Levant Time