صحف وآراء مجتمع

العفو الدولية: 6 في المئة من مساحة لبنان محتلة/ الحلقة الثانية

* المدن

المنهجية المتبعة للبحث

أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 19 شخصًا في مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026، من بينهم 18 شخصًا من مناطق خضعت لأوامر “الإخلاء” الجماعي وعاملة في مجال الإغاثة. ومن بين الأشخاص الـ18، ظلّ 12 نازحين، بينهم تسعة من قرى خاضعة لأوامر عدم العودة وثلاثة من مناطق تقع خارج منطقة عدم العودة. أما الستة الآخرون فقد بقوا في قرى ذات أغلبية مسيحية، لكنهم أشاروا إلى الانهيار الممنهج للخدمات الأساسية.

وحلل مختبر أدلة الأزمات التابع لمنظمة العفو الدولية 447 أمرًا صدر لسكان لبنان ونُشر في حساب إكس للمتحدث بلسان جيش الدفاع الاسرائيلي للإعلام العربي بين 23 سبتمبر/أيلول 2024 و31 مايو/أيار 2026، وأجرى تحليلًا مقارنًا للأوامر الصادرة خلال تصعيديْ 2024 و2026، فاحصًا نطاقها، ومحتواها، ووتيرتها. ومن أصل هذه الأوامر، كانت 215 عبارة عن تحذيرات مسبقة باستهداف مواقع محددة، وكانت 36 أوامر “إخلاء” جماعي خلال تصعيد عام 2024، وكانت 135 عبارة عن أوامر “إخلاء” جماعي خلال تصعيد عام 2026، وكانت 61 أوامر بعدم العودة أمرت السكان بعدم العودة إلى المناطق التي أُخليت.

وبعثت منظمة العفو الدولية برسالة إلى الجيش الإسرائيلي في 22 مايو/أيار 2026 لاطلاعه على النتائج التي توصلت إليها وتلقَّت ردًا في 3 يونيو/حزيران 2026.

منذ عام 2024، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر”إخلاء” جماعي شاملة وعشوائية وجهت تعليمات للسكان بمغادرة منازلهم فورًا وإلى أجل غير مسمى ولم تصحبها أي تدابير لضمان سلامة وأمان الأشخاص الذين تم إخلاؤهم، كما هو مطلوب بموجب القانون الدولي. وبينما استُخدِمت كما زُعم لإبلاغ المدنيين بالأعمال القتالية المقبلة التي يمكن أن تعرِّضهم للخطر، فإن الأوامر، التي صدرت أحيانًا في منتصف الليل أو رافقتها خرائط غامضة، شملت قرى بأكملها، وقوائم بأسماء القرى، ومساحات شاسعة من الأرض.

وتبين لمنظمة العفو الدولية أن أوامر “الإخلاء” الجماعي هذه لم تُقدِّم أي معلومات مجدية حول المكان أو الزمان الذي قد يشنّ فيه الجيش الإسرائيلي ضرباته، ولم تُقدم للمدنيين إرشادات لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما إذا كان عليهم الفرار، أو إلى متى. وفي حين أن بعض الأوامر شملت مساحات كانت، في حينه، تشهد قتالًا جاريًا أو مساحات نفَّذ فيها الجيش الإسرائيلي هجمات لاحقة، إلا أن الأوامر اشتملت أيضًا على مناطق كانت بعيدة عن ساحة القتال.

ومنذ عام 2024، زاد الجيش الإسرائيلي على نحو ملموس من استخدامه لأوامر “الإخلاء” الجماعي مقارنةً باستخدامه لتحذيرات مسبقة أكثر تحديدًا. وكان هذا التحوُّل جليًا بشكل خاص في الضاحية الجنوبية لبيروت: ففي 2024، لم يُصدر الجيش الإسرائيلي أي أوامر “بالإخلاء” الجماعي للضاحية. وفي 2026، أصدر 27 أمرًا من هذا القبيل بين مارس/آذار ومايو/أيار. وقد تراجع عدد التحذيرات المسبقة التي أصدرها الجيش الإسرائيلي بخصوص أبنية محددة في الضاحية تراجعًا كبيرًا من 107 في 2024 إلى 15 في 2026 – لم ينشر إلا ثلاثة منها بعد صدور الأمر الأول “بالإخلاء” الجماعي للمنطقة.

وقد تأثر سكان جنوب لبنان بوجه خاص باستخدام إسرائيل لأوامر “الإخلاء” الجماعي غير المشروعة، لاسيما في 2026. وبين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، أصدر الجيش الإسرائيلي 171 أمر “إخلاء” جماعي موجّه إلى سكان لبنان على حسابه في منصة إكس – 135 منها في 2026. ووجّه الجيش الإسرائيلي حوالي ثلاثة أرباعها (76%) إلى سكّان جنوب لبنان. وتوزّعت البقية بين ضاحية بيروت الجنوبية (15%) ومناطق البقاع (5%).

وخلال الساعات الـ 48 الأولى من التصعيد في 2026، أصدر الجيش الإسرائيلي أكبر عدد من أوامر “الإخلاء” الجماعي حتى تاريخه، شاملًا جميع المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني – زهاء 8.5% من مساحة لبنان. وبعد بعضة أيام، أصدر الجيش الإسرائيلي أمرًا أكثر اتساعًا من سابقه، شمل المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني، أي قرابة 10% من مساحة لبنان وموطن لحوالي 800,000 نسمة. وأعاد الجيش الإسرائيلي نشر الأمر نفسه 13 مرة حتى 17 أبريل/نيسان 2026، عندما أُعلن وقف لإطلاق النار. واستمرت الأعمال القتالية بوتيرة أقل حدة في البداية، قبل أن تتصاعد من جديد.

وفي 27 مايو/أيار 2026، أول أيام عيد الأضحى، أصدر الجيش الإسرائيلي الأمر بالغ الاتساع نفسه مرة أخرى، وجَّهَ بموجبه جميع سكان جنوب لبنان بالانتقال إلى شمال نهر الزهراني، قائلًا إن الجيش الإسرائيلي يعدّ “جميع المناطق الواقعة جنوب النهر… مناطق قتال”. كذلك شملت الأوامر الجديدة قرىً واقعة شمال نهر الزهراني، بما يشمل نسبة 15% من كامل مساحة البلاد.

وقالت كريستين بيكرلي إن “إصدار أوامر إخلاء شاملة لا يعفي الجيش الإسرائيلي من الواجبات المترتبة عليه بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية الممكنة للتقليل من الضرر الذي يلحق بالمدنيين، وبالتأكيد لا يعطي الجيش الإسرائيلي الحق في التعامل مع هذه المناطق على أنها مناطق رماية حرّة”..

وفي أجزاء عديدة من لبنان، تكررت أوامر “المغادرة الفورية” التي أصدرتها إسرائيل مرة تلو أخرى.

واجهت “هالة” (اسم مستعار)، وهي في مطلع الستينات من عمرها، من شقرا، التي هي قرية بمحافظة النبطية في جنوب لبنان، أوامر “إخلاء” جماعي متكررة – مرتان في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024 وخمس مرات أخرى على الأقل بين مارس/آذار ومايو/أيار 2026، ومن ضمنها أمر صدر بُعيد إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل/نيسان.

في 2 مارس/آذار 2026، وفي تمام الساعة 4:04 صباحًا، أصدر الجيش الإسرائيلي أمر “إخلاء” جماعي لشقرا و52 قرية أخرى. ولم تطَّلع هالة على الأمر. وبحلول الصباح، كان العديد من الناس قد فروا من القرية. وقالت إن “الجميع غادروا قبلي…استيقظت لأجد الحي بأكمله خاليًا”، وعندما وجدت في النهاية وسيلة نقل، استغرقت الرحلة إلى بيروت، التي تحتاج عادة إلى حوالي الساعتين ونصف الساعة، 24 ساعة.

في أعقاب وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان 2026، وقعت أجزاء من شقرا، إلى جانب 20 قرية أخرى، على خط حدده الجيش الإسرائيلي من جانب واحد لترسيم الحدود الداخلية لمنطقة “عدم العودة”. وسُمح للسكان النازحين بالعودة إلى أجزاء من قريتهم لكنهم مُنعوا من دخول المناطق الواقعة جنوب الخط.

وقامت هالة بزيارة قصيرة لمنزلها في 20 أبريل/نيسان، لأخذ بعض الملابس الصيفية، قبل العودة إلى بيروت. وبعد ثمانية أيام، أصدر الجيش الإسرائيلي أمر “إخلاء” جماعي آخر شمل قرية شقرا بأكملها.

وقالت هالة إن “قريتي شبه خالية من معالم الحياة. فمعظم الناس الذين عادوا [عقب وقف إطلاق النار] قد غادروها مجددًا”.

 منطقة عدم العودة الموسَّعة التي حدّدتها إسرائيل

صرح مسؤولون إسرائيليون علنًا أن هدف إنشاء منطقة “عازلة” أو “أمنية”داخل الأراضي اللبنانية هو لحماية السكان في شمالي إسرائيل من الهجمات المحتملة لحزب الله. وقد ربطوا صراحة بين هدف الحماية والتهجير واسع النطاق وطويل الأمد للسكان، مرفقًا بالمزيد من التدمير في جنوب لبنان.

في 20 أبريل/نيسان 2026، بعد ثلاثة أيام من إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل/نيسان، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة تحدد منطقة “دفاع أمامي” تمتد مسافة 8 إلى 12 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية وتغطي مساحة تقارب 600 كم² من البر والبحر. وأورد الجيش الإسرائيلي أسماء 74 قرية، مانعًا السكان من العودة إلى 53 قرية منها ومن العبور إلى جنوب 21 منها. كذلك منع الجيش الإسرائيلي الاقتراب من نهر الليطاني ووادييْ الصالحاني والسلوقي.

ووسَّعت خريطة أبريل/نيسان 2026 مساحة منطقة عدم العودة التي نشرها الجيش الإسرائيلي في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، في اليوم الذي تلا سريان مفعول وقف سابق لإطلاق النار. وشملت خريطة 2024 نحو 480 كلم²، أو نسبة 4.6% من مساحة لبنان، وأدرجت 68 قرية، من بينها 58 مُنع السكان من العودة إليها و10 مُنعوا من العبور إلى جنوبها.

وتضمنت خرائط وقوائم القرى التي أصدرها الجيش الإسرائيلي معلومات جغرافية غير دقيقة، وتكرارات، وأخطاء هجائية، ما تسبب بالتباس حول المناطق التي أُمِر السكان بعدم العودة إليها وتلك التي يمكن للسكان العودة إليها بأمان.

وفي مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع تسعة أشخاص نازحين من قرى شُملت في أوامر عدم العودة التي أصدرها الجيش الإسرائيلي عامي 2024 و2026. وقد تمكن خمسة من العودة إلى منازلهم في 2025 لكنهم هُجِّروا مجددًا في 2026. ومُنع أربعة من العودة الفعلية إلى منازلهم منذ عام 2024.

وبين نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما أصدر الجيش الإسرائيلي أول خريطة له بعدم العودة، وفبراير/شباط 2025، عندما انسحب من أجزاء من جنوب لبنان، أصدر الجيش الإسرائيلي 35 إشعارًا يُحظر على سكان جنوب لبنان العودة إلى منازلهم حتى إشعار آخر. وقد منعت ست من هذه الرسائل الوصول إلى بساتين زيتون تحديدًا. وتشكل الزراعة مصدرًا رئيسيًا للدخل بالنسبة للمنطقة، التي تضم ما يزيد على ثلث مجموع محصول الزيتون في لبنان. وخلال هذه الفترة، قتل الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 81 مدنيًا وأصاب 120 بجروح بينما كانوا يحاولون الوصول إلى قرى جنوبية، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

في 18 فبراير/شباط 2025، انسحب الجيش الإسرائيلي من أجزاء من جنوب لبنان لكنه بقي في بضع نقاط “استراتيجية”. وبالإضافة إلى هذه النقاط، قام الجيش الإسرائيلي بتدمير ممتلكات مدنية على نطاق واسع واستمر في تشغيل المُسيّرات وشن هجمات متقطعة.

إعاة البناء على الرغم من الدمار

وقال خمسة من السكان النازحين الذين تحدثوا إلى منظمة العفو الدولية إنهم تمكنوا من العودة إلى قراهم في 2025 في أعقاب الانسحاب. ووصف الخمسة جميعهم كيف باشروا بإعادة بناء منازلهم، على الرغم من الدمار واسع النطاق والمراقبة شبه المستمرة بالمُسيّرات. وقد هُجِّر الخمسة جميعهم مرة أخرى في مارس/آذار 2026 ولم يتمكنوا من العودة بحلول مايو/أيار.

وقال أربعة من السكان النازحين الذين تحدثوا إلى منظمة العفو الدولية إنهم لم يتمكنوا من العودة الفعلية إلى منازلهم منذ عام 2024. وكان الأربعة من كفركلا والعديسة، وتقع كلا القريتين على مسافة تبعد بين 100 و300 متر من الحدود الإسرائيلية. وأشاروا إلى التدمير الهائل لمنازلهم وقراهم، والوجود المستمر للجيش الإسرائيلي، وخطر التعرض للهجوم، بوصفها حواجز أساسية تحول دون عودتهم. وقد فحصت منظمة العفو الدولية التدمير واسع النطاق الذي ألحقه الجيش الإسرائيلي بكفركلا والعديسة في تقرير أصدرته في عام 2025.

وقال جميع الأربعة، الذين لا يزالون نازحين، إنهم اضطروا إلى طلب إذن للعودة إلى قراهم حتى لزيارات قصيرة للغاية لدفن أحبائهم.

وقالت “سلمى” (اسم مستعار)، التي عادت إلى كفركلا لدفن جدتها: “أَعطونا 10 دقائق…وكانت المُسيّرة (الإسرائيلية) تُحلِّق فوقنا… تستجمع قواك وتذهب، تبكي لمدة 10 دقائق، وتغادر. ويتم كل ذلك على الطريق التي حددوها لك”. وفي 30 مارس/آذار 2026، شاهدت سلمى تقارير إخبارية تفيد بأن المقبرة القديمة التي دُفن فيها جزء كبير من أفراد الأسرة قد جُرفت.

وعادت جمانة، التي هدمت القوات الإسرائيلية منزلها بالعديسة في عام 2024، إلى القرية لدفن عمتها التي توفيت بمرض السرطان بينما كانت نازحة. وقد حصلت عائلتها على إذن بالدفن في أبريل/نيسان 2025، تحت إشراف الجيش اللبناني، بينما كانت المُسيّرات الإسرائيلية تحوم فوق رؤوسهم: “إخراج الرفات، وحمل النعش من جديد، والإصغاء إلى الصلاة مرة أخرى، وإعادة فتح القبر، وإعادة الدفن—إنها أقسى تجربة عشتها في حياتي”.

ووصفت جمانة ما شهدته من تدمير لقريتها بالقول: “لم تبق لنا طرقات. قُدتُ السيارة لمسافة قصيرة وفجأة وجدت نفسي في حقول مفتوحة. جرفوا الطريق، ألحقوها بالأراضي الزراعية… دُمرت البيوت، واختفت المباني، وخُربت الطرقات… لا ماء ولا كهرباء… ولم يعد أحد إلى القرية. لم يُبقوا فيها أي علامة من علامات الحياة”.

ويعد هذا البحث هو الأول في سلسلة من التحقيقات التي تفحص انتهاكات القانون الدولي خلال التصعيد الذي حدث عام 2026 في لبنان.

واعتبارًا من 7 يونيو/حزيران 2026، ذكرت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية أن ما يزيد على مليون شخص يظلون نازحين. ويُقدَّر بأن 64,000 شخص ظلوا نازحين عقب وقف إطلاق النار في 2024.

ومنذ تصاعد حدّة الحرب في 2 مارس/آذار، وحتى 12 يونيو/حزيران، قُتل ما يزيد على 3,700 شخص في لبنان، بحسب ما ذكرته وزارة الصحة العامة. وقد استمرت الأعمال القتالية، برغم الإعلانات المتعددة لوقف إطلاق النار، حيث واصلت إسرائيل وحزب الله تبادل الهجمات، مع شن إسرائيل غارات جوية في مختلف أنحاء لبنان، وإطلاق حزب الله صواريخ ومُسيّرات نحو إسرائيل.

* نشرت بتاريخ 17 حزيران 2026 على موقع المدن