مجتمع

المنبر البلدي ـ شكا والكورة: قرن من صناعة الإسمنت… وعقود من الأسئلة حول الصحة والبيئة والقانون

أصدر المنبر البلدي لمدينة طرابلس بياناً جاء فيه:
بين البحر والجبال، تقع شكا والكورة، إحدى أجمل مناطق لبنان وأكثرها غنى بالموارد الطبيعية. لكن هذه المنطقة نفسها تحولت خلال العقود الماضية إلى مركز لصناعة الإسمنت ومقالع الحجر الكلسي، ما جعلها أيضاً من أكثر المناطق اللبنانية إثارة للجدل البيئي والصحي.
واليوم، ومع عودة الحديث عن السماح لشركات الترابة باستئناف أعمال المقالع، يعود إلى الواجهة ملف قديم لم يُقفل يوماً: هل دفعت الكورة وشكا ثمناً بيئياً وصحياً يفوق بكثير المكاسب الاقتصادية التي حققتها هذه الصناعة؟
أولاً: صناعة عمرها نحو قرن
منذ عشرينيات القرن الماضي، بدأت صناعة الإسمنت في شكا مع إنشاء مصانع الترابة التي أصبحت لاحقاً من أكبر الصناعات الثقيلة في لبنان. وخلال عشرات السنين توسعت المقالع والأفران لتغذية الإنتاج، فاقتُلعت أجزاء واسعة من الجبال المحيطة، وتغير المشهد الطبيعي الذي عُرفت به المنطقة.
ومع مرور الزمن، لم تعد القضية مرتبطة بصناعة قائمة داخل حدود معاملها، بل باتت مرتبطة بمساحات شاسعة من المقالع والجروف الصخرية التي امتدت إلى قرى الكورة، ومنها بدبهون وكفرحزير وغيرها من البلدات المجاورة.
ثانياً: التأثيرات البيئية والصحية
مع توسع النشاط الصناعي، بدأت الدراسات العلمية تسلط الضوء على انعكاساته المحتملة على البيئة وصحة السكان، ما جعل الملف يتجاوز الإطار الاقتصادي ليصبح قضية عامة تتعلق بجودة الحياة والموارد الطبيعية.
تلوث موثق علمياً
في عام 2011 نُشرت دراسة علمية حول نوعية الهواء والتأثيرات الصحية للصناعة الإسمنتية في شكا، وأظهرت أن مستويات بعض الملوثات الهوائية، ولا سيما الجسيمات الدقيقة وغاز ثاني أوكسيد الكبريت، تجاوزت المعايير المعتمدة خلال فترات متعددة وفي أكثر من موقع حول المنطقة الصناعية.
كما أظهرت أبحاث أجرتها جامعات لبنانية ودولية وجود تراكيز من الجسيمات العالقة والعناصر المعدنية المرتبطة بالنشاط الصناعي في الهواء المحيط بمنطقة شكا، ما يعكس التأثير المباشر .تؤكد النتائج وجود مستويات تلوث عاليةاستدعت دراسات ومراقبة علمية مستمرة.
السرطان… ملف يحتاج إلى تحقيق وطني شامل
في عام 2021 عرض باحثون دراسة حول انتشار السرطان والتوعية بعوامل الخطر في شكا، وأشارت الدراسة إلى أن المنطقة تُعتبر من أكثر المناطق الصناعية تلوثاً في القضاء ، وأن التلوث البيئي يُعد من عوامل الخطر التي تستوجب الدراسة والمتابعة. كما تناولت الدراسة وجود مخاطر صحية أخرى مرتبطة بالإرث الصناعي للمنطقة
ورغم كثرة الشهادات المحلية عن ارتفاع أعداد الإصابات بالأمراض السرطانية والتنفسية، لا تزال الحاجة قائمة إلى مسح وبائي وطني شامل لا يكون لشركات الترابة اية تدخل او تأثير فيه.
ثالثاً: الأثر على الموارد الطبيعية
إلى جانب المخاوف الصحية، يبرز تأثير المقالع والصناعات المرتبطة بها على المشهد الطبيعي والموارد البيئية الأساسية في المنطقة.
الجبال التي اختفت
الضرر الأكثر وضوحاً للعين المجردة هو ما أصاب الجبال والغطاء النباتي.
فالمقالع لم تقتصر على استخراج الصخور، بل أدت إلى إزالة مساحات واسعة من الأشجار والتربة السطحية التي تحتاج الطبيعة إلى عشرات أو مئات السنين لتعويضها. وتحولت أجزاء من الجبال إلى جروف ضخمة تشبه المناجم المفتوحة، ما أدى إلى تشويه المنظر الطبيعي وزيادة مخاطر انجراف التربة وفقدان التنوع البيولوجي.
ويؤكد خبراء البيئة أن إعادة تأهيل هذه المواقع تصبح أكثر صعوبة كلما توسعت أعمال الجرف وتعمقت.
أين ذهبت المياه؟
من أخطر المخاوف التي يطرحها الأهالي والناشطون احتمال تأثر المخزون المائي الجوفي نتيجة الحفر العميق وتغيير التكوينات الجيولوجية الطبيعية.
فالمياه الجوفية في المناطق الكلسية تعتمد على توازن دقيق بين الطبقات الصخرية والتشققات الطبيعية. وأي تغيير جذري في هذه البنية قد ينعكس على حركة المياه وتغذية الينابيع. لهذا السبب شددت الأنظمة البيئية اللبنانية، ومنها المرسوم 8803 وتعديلاته، على ضرورة دراسة التأثيرات الهيدروجيولوجية قبل منح تراخيص الاستغلال.
البتروكوك: الوقود الأرخص والأكثر إثارة للجدل
اعتمدت مصانع الإسمنت خلال مراحل مختلفة على البتروكوك كوقود للأفران. وهذه المادة تحتوي عادة على نسب مرتفعة من الكبريت مقارنة بالعديد من أنواع الوقود الأخرى.
ويحذر خبراء الصحة البيئية من أن الانبعاثات الصناعية التي تحتوي على الجسيمات الدقيقة وأكاسيد الكبريت والنيتروجين ترتبط عالمياً بارتفاع مخاطر الأمراض التنفسية والقلبية والوفيات المبكرة عند التعرض المزمن لها. وقد كانت انبعاثات الهواء وجودته في شكا محوراً لدراسات ومراجعات بيئية متخصصة على مدى سنوات.
أما الغبار الناتج عن المقالع، فيغطي الأشجار والمحاصيل الزراعية ويعيق عملية التمثيل الضوئي، ما ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي وعلى الغطاء الأخضر الذي اشتهرت به الكورة.
لقد اختفت آلاف أشجار  الزيتون  والتين والعنب والتوت بفعل التدمير البيئي الحاصل.
رابعاً: الإطار القانوني والرقابي
ومع تصاعد الجدل حول الآثار البيئية، برزت تساؤلات متزايدة حول مدى الالتزام بالقوانين والأنظمة التي وُضعت أساساً لتنظيم هذا القطاع.
المرسوم 8803: هل يُحترم أم يُلتف عليه؟
صدر المرسوم 8803 لتنظيم المقالع والكسارات ووضع شروط صارمة تتعلق بالمواقع المسموح العمل فيها، وحماية الموارد الطبيعية، وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة بعد انتهاء الاستثمار. لكن المعترضين على إعادة فتح المقالع يعتبرون أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الالتزام والتطبيق والمراقبة خلال العقود الماضية.
ويؤكد هؤلاء أن السماح باستكمال الجرف في مناطق استُنزفت أصلاً يتناقض مع فلسفة الحماية البيئية التي قام عليها المرسوم.
تجدر الإشارة ان شركة السبع للترابة جرفت اكثر من نصف مساحة قرية بدبهون، والسماح للشركة العودة لمواصلة الجرف فيها سيؤدي حسب الخبراء والدراسات لاختفائها عن الخريطة.
خامساً: التحرك الشعبي والمجتمعي
في ظل استمرار الخلاف حول مستقبل المقالع، لعب المجتمع المحلي دوراً محورياً في إبقاء القضية حاضرة في النقاش العام.
لجنة متابعة أزمة مقالع شركات الترابة في الكورة
في مواجهة هذه الوقائع، برزت لجنة متابعة أزمة مقالع شركات الترابة في الكورة كإحدى أبرز الحركات البيئية الشعبية في لبنان.
فعلى مدى اشهر من العمل المتواصل، نظمت اللجنة اعتصامات ووقفات احتجاجية ومؤتمرات صحفية وندوات توعوية، كما جمعت مستندات وتقارير فنية وسلكت المسار القانوني عبر الطعون أمام مجلس شورى الدولة بهدف وقف القرارات التي تعتبرها مخالفة للقوانين البيئية ولحقوق المواطنين.
وتؤكد اللجنة أن معركتها ليست ضد العمال ولا ضد الصناعة الوطنية، بل ضد استمرار نموذج تنموي يقوم على استنزاف الجبال والغابات والمياه وصحة الناس وتهجيرهم  من دون معالجة حقيقية للأضرار المتراكمة.
خاتمة: سؤال برسم الدولة
بعد نحو مئة عام من صناعة الإسمنت في شكا، لم يعد السؤال يتعلق فقط بالإنتاج والاقتصاد، بل بمستقبل منطقة كاملة.
فهل يجوز السماح بمزيد من الجرف في جبال استُنزفت أصلاً؟
وهل يمكن الحديث عن تنمية مع مسح قرى عن الخريطة؟
وهل ستختار الدولة حماية الموارد الطبيعية والصحة العامة، أم ستواصل تأجيل معالجة ملف أصبح رمزاً للصراع بين البيئة والمصالح الاقتصادية في لبنان؟
إن ما يجري في شكا والكورة لم يعد قضية محلية تخص بضعة قرى، بل اختباراً وطنياً لقدرة لبنان على تطبيق قوانينه البيئية وحماية حق مواطنيه في الهواء النظيف والحياة .
طرابلس 11 حزيران 2026
المنبر البلدي لمدينة طرابلس