مجتمع

المستشفيات الحكومية هي الحل، فهل تتحرك وزارة الصحة؟

كتب محمد قدوح

ارتفعت أكلاف الخدمات الطبية والاستشفائية بنسب خيالية، في المقابل انخفضت القدرة الشرائية للرواتب والأجور والمداخيل بنسبة تفوق 90% مما كانت عليه. بحيث لم يعد باستطاعة ذوي الدخول المحدودة، بمن فيهم المنتسبون إلى المؤسسات والهيئات الضامنة تحمل عبء كلفة الطبابة والإستشفاء. وفي محاولة من تعاونية موظفي الدولة لتأمين الغطاء الصحي للمنتسبين والمستفيدين من خدماتها، أصدر مديرها العام الأسبوع الماضي قراراً قضى بموجبه برفع قيمة التعرفة الإستشفائية بنسبة 70%، مشترطاً على المستشفيات ألا تتقاضى من المستفيد أي مبالغ إضافية. لكن الأخيرة رفضت الإلتزام بالقرار لجهة التوقف عن تقاضي المبالغ الإضافية من المرضى المنتسبين، بحجة اعتبرت بموجبها أن الزيادة لا تساوي ثمن المازوت اللازم لمولدات الكهرباء التي تستعملها، وذلك بحسب تعبير مسؤول في احدى المستشفيات.

أما بالنسبة للمستشفيات الحكومية، فلم يصدر عنها أي موقف بشأن التعرفة الجديدة، لكن بعضها تصرف مع مرضى التعاونية بما يعبر عن عدم التزامها بالقرار الذي أصدرته إدارتها.

وهنا يطرح السؤال هل يمكن أن يكون القطاع الحكومي هو الحل الممكن لتأمين استشفاء غالبية اللبنانيين؟

قبل الإجابة على السؤال، لا بد من القول إن وزارة الصحة لا تملك سلطة فرض أسعار محددة للخدمات الإستشفائية في المستشفيات الخاصة، لكنها في المقابل تملك من السلطة ما يكفي لفرض سياستها الصحية على المستشفيات الحكومية. إذ المعروف أن كل مستشفى حكومي هو مؤسسة عامة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري. وتمارس وزارة الصحة الوصاية عليه من خلال مفوض الحكومة، وتصديق قرارات مجالس إداراته. وهو ما يعطي الوزارة صلاحية مراقبة انطباق هذه القرارات على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. ونذكر على سبيل المثال صفقات شراء اللوازم والتجهيزات والأدوية، وكذلك لائحة أسعار الخدمات الاستشفائية، وجميع واردات ونفقات المستشفيات.

لكن فعالية سلطة الوصاية على هذه المستشفيات في جانب آخر محدودة، بالنظر إلى المشكلات الإدارية الناجمة عن تعيين مجالس الإدارات والمديرين وفق مبدأ الولاء السياسي والمحاصصة، وليس وفق معيار الكفاءة والخبرة. ما أدى ولا يزال لاستشراء الفوضى والمخالفات الإدارية والمالية وبالتالي الفساد . مع الإشارة إلى أنه لا يوجد لائحة أسعار موحدة للخدمات الإستشفائية تطبق في جميع المستشفيات الحكومية.

هذا الواقع الإداري المتردي شكل فرصة مناسبة لاستغلال المستشفيات هذا الواقع  لتقديم الخدمات للمحازبين والموالين على صعيدي التوظيف والاستشفاء على حد سواء. إن تغيير واقع المستشفيات الحكومية يتوقف على ممارسة الوزارة دورها كسلطة وصاية. وهو أمر يتطلب ممارسة كل أشكال الضغط على الوزارة أولاً كي تلعب دورها، خصوصاً وأن هذه المستشفيات قادرة على تأمين الإستشفاء لغالبية اللبنانيين، الذين باتوا عاجزين عن الحصول عليه في المستشفيات الخاصة. وهو ممكن في ضوء استجابة هذه المستشفيات لسياسة الوزارة وتوجهاتها في ما يتعلق بجائحة كورونا، حيث أثبتت قدرة مميزة على صعيد الطاقم الطبي والإداري، و القدرة الاستيعابية ، فضلاً عن الحملات التوجيهية والتثقيفية لمواجهة الوباء كتلك التي تولتها مستشفى الحريري الجامعي في بيروت وغيرها.

ونشير في هذا السياق إلى أن عدد المستشفيات الحكومية يبلغ 35 مستشفى، منتشرة على جميع الأراضي اللبنانية. وهي في معظمها مجهزة بالكادر الطبي وتملك التجهيزات اللازمة للعمل. ويبلغ عدد أسرتها 2130 سريراً، عدا خمسة مستشفيات معطلة، مع أنها مجهزة، لكنها ما تزال خارج الخدمة، بسبب الخلاف بين قوى السلطة على تقاسم المواقع الإدارية فيها. ونتيجة الصراع على الحصص يوجد هناك خمس مجالس إدارة معطلة أيضاً. و9 مستشفيات تديرها لجان. وهو ما يشكل مخالفة إدارية لتعارض هذا الواقع مع مبدأ إداري يقول بعدم جواز الجمع بين الوظيفة التقريرية والرقابية ( مجلس إدارة)، وبين الوظيفة التنفيذية ( المدير)، لأن ذلك بؤدي حتماً إلى إلغاء الرقابة على عمل المديرين.

إن تغيير الواقع الإداري الحالي للمستشفيات الحكومية، وتمكينها من تأمين الإستشفاء لغالبية اللبنانيين هو أمرممكن، ولا يتطلب سوى الإرادة من خلال قيام وزارة الصحة بإتخاذ الإجراءات التالية:

  1. تعيين مجالس إدارات جديدة محل المجالس المعطلة وعددها 14، أي حوالي نصف المستشفيات الحكومية العاملة.
  2. ممارسة الوزارة السلطة التي يمنحها القانون ومراقبة انطباق قرارات مجالس الإدارة على القوانين والأنظمة النافذة، ولاسيما في ما يتعلق بالمشتريات والاستخدام والنفقات وأسعار الخدمات الاستشفائي.
  3. العمل على توفير الدعم اللازم لهذه المستشفيات من خلال توجيه الهبات والمساعدات المقدمة من المنظمات والهيئات الدولية إليها، ولاسيما الأدوية والتجهيزات والمستلزمات الطبية.
  4. العمل على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل مباشر، أي دون المرور بالوسطاء والوكلاء الحصريين، ما يقود إلى تخفيض الفاتورة بنسبة كبيرة، نظراً للأرباح والعمولات الخيالية التي يتقاضاها هؤلاء .
  5. العمل على تنظيم المؤتمرات والندوات الطبية والدورات الإدارية، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تطوير عمل المستشفيات وكادرها الطبي والتمريضي والإداري، ويرفع من قدرتها على تقديم الخدمات التي تقدمها كماً ونوعاً.    

إن المستشفيات الحكومية التي أثبتت فدرتها المميزة في مواجهة وباء كورونا قادرة على تأمين الإستشفاء لغالبية اللبنانيين، بعد أن أصبح الدخول إلى المستشفيات الخاصة حكراً على الأغنياء والأغنياء فقط. ومثل هذا الأمر لا يتطلب الأموال إنما يتطلب ممارسة الوزارة لدورها التوجيهي. وهو ما لاتقوم به راهنا متفرغة بشخص الوزير وحاشيته للعراضات وتمرير تسويق أدوية مشكوك بمدى فاعليتها وسلامة متناوليها.  إن مبادرة مجموعات الانتفاضة والقوى السياسية المعارضة نحو القيام بعملية الضغط اللازم على الوزارة المعنية، هو أقصر الطرق نحو تحقيق هذا الهدف، والا أصبحت الصحة تاجاً على رؤوس المتمولين والأغنياء دون سواهم من المواطنين “أبناء الجواري”. 

Leave a Comment