*رام الله – بثينة حمدان
طاولت اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 131 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية خلال شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب الماضيين، حسب توثيق وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، وتركزت هذه الاعتداءات في محافظة الخليل (29 اعتداءً) ونابلس (تسعة اعتداءات) وأريحا (ثمانية)، طوباس (خمسة)، بيت لحم (خمسة)، جنين (أربعة)، طولكرم (أربعة)، رام الله والبيرة (ثلاثة)، وموقع واحد في سلفيت. تشمل هذه الاعتداءات قرار الاحتلال بمصادرة 63 موقعاً أثرياً (59 في نابلس، ثلاثة في رام الله وواحد في سلفيت).
تتراوح هذه الاعتداءات بين الهدم والتخريب واقتحامات المستوطنين والجيش وقرارات مصادرة. في هذا السياق، قال مدير عام حماية الآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والآثار، سفيان ادعيس، إن المواقع الأثرية تشهد زيارات ميدانية للمستوطنين وجيش الاحتلال من أجل الترويج لرواية تخدم مصالحهم تحت هدف أكبر هو محاولة تغيير التاريخ الحقيقي للموقع، والعبث في قصته ومكوناته وتخريبه، وإحداث تغييرات في شكل المكان وتاريخه. أضاف أن الهدف النهائي يشمل السيطرة على الموقع الأثري وإحاطته بمجموعة أكبر من الأراضي التي تُصادر بحجة الآثار، عدا عن إجراء الاحتلال حفريات اختبارية وشق طرق وتمديدات تجرف أجزاء من الموقع، بما يتعارض مع القوانين الدولية، ما يشكل صعوبة أمام وصول طواقم الوزارة إلى الموقع لمعرفة طبيعة الاعتداء والقيام بإجراءات الحماية للموقع الذي يتحول في النهاية إلى منطقة عسكرية مغلقة.
تمثّل هذه التقارير توثيقاً دقيقاً لقطاع الآثار في فلسطين والذي يستهدفه الاحتلال، وترفع دورياً للمنظمات الدولية، وتُبرز في المؤتمرات الدولية المتعلقة بحماية التراث، وتتعارض هذه الاعتداءات مع الاتفاقية الدولية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لسنة 1972 واتفاقية جنيف الرابعة 1949، واتفاقية لاهاي لسنة 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلح.
في حديثه إلى “العربي الجديد”، يقول مدير مكتب وزارة السياحة والآثار في محافظة أريحا، إياد حمدان: “صُنّفت منطقة الأغوار منذ البدايات منطقة عسكرية مغلقة ومطمعاً للاحتلال، بما يشمل أريحا ومنطقة البحر الميت وصولاً إلى حدود محافظة طوباس”. أضاف أن الاحتلال استولى على خربة البياضات في منطقة العوجا وسيجها بالكامل، وهو موقع يعود للفترة الرومانية. ويزعم الاحتلال أنها إحدى ممالكهم، ضمن روايات يعتريها الشك وتفتقر إلى المعلومات والأدلة العلمية. ويتعرض موقعا الديوك وشهوان، اللذان يتميزان بأرضيات من الفسيفساء، لاقتحامات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، كذلك موقع تلول أبو العلايق الذي يسمى قصر هيرودوس الشتوي، إذ تجري فيه الجامعة العبرية حفريات تحت حماية الجيش. واستولى الاحتلال على قمة جبل قرنطل الأثري، حيث قلعة الحوطة الرومانية، ووضع الجنود فوقها نجمتهم السداسية، تمهيداً للاستيلاء على الموقع. يقول حمدان: “يبدو أن رعايتنا لأي موقع أثري تزعج الاحتلال ومستوطنيه، ففي الوقت الذي يدعون فيه حقهم في موقع أثري، يخرّبونه، فموقع الديوك مثلاً، وهو تحت إدارتنا، أنجزنها فيه أعمال صيانة وإصلاحات، حين نضع اللافتة يتنبهون ويأتون لإزالتها وتخريب كل ما نفعله لحماية تراثنا الثقافي”.
يؤكد الخبراء أن إقامة المستوطنات مرتبطة بوجود المواقع الأثرية، وفي الوقت نفسه يخرّب الاحتلال هذه المواقع ويجرّف مساحات شاسعة حولها من أراضي المواطنين الفلسطينيين، كما أن العديد من هذه المواقع في أريحا، مثل عين السلطان، تتمركز في وسط المدينة وسوقها، ما يجعل هجمات الاحتلال تهدد أمن السكان، إضافة إلى المدرسة القريبة، عدا عن تعطيل حركة السير وهروب الباصات السياحية، كما أن نبع عين السلطان يغذي جزءاً كبيراً من المدينة.
تتعرض المواقع الأثرية في هذه المحافظة، إضافة إلى مدينة الخليل ويطا ودورا، إلى العديد من الاعتداءات، ولعل أبرز هذه المواقع الحرم الإبراهيمي الشريف الذي يفترض أنه يحظى بحماية إضافية كونه مدرجاً على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ عام 2017. الخليل هي المحافظة الكبرى في الضفة الغربية، وبالتالي تضم أكبر عدد من المواقع الأثرية، وتشمل 350 موقعاً رئيسياً، تندرج 60% منها في المناطق المصنفة ج، أي أنها تخضع أمنياً للسيطرة الإسرائيلية ولا يستطيع الأمن الفلسطيني حمايتها أو العمل فيها.
بدوره، يقول مدير مكتب وزارة السياحة في الخليل، جبر الرجوب، إن الحرم الإبراهيمي هو أكثر المواقع التي يستهدفها الاحتلال. ورغم أنه مدرج على لائحة التراث العالمي، إلا أنه يتعرض للاعتداءات على مدار اليوم، ويمنع فيه الآذان أكثر من 40 مرة شهرياً. يضيف: “يوجد في البلدة القديمة العديد من المواقع الأثرية والشواهد والزوايا والمقامات والأضرحة، وتُدير وزارة السياحة ثلاثة منها، لكن الاحتلال يمنع طواقمها من العمل فيها ولا يسمح بتنفيذ أعمال الصيانة والترميم للحفاظ عليها، مثل حمام سيدنا إبراهيم؛ إذ مُنِعَت من عزل السطح، كما يُمنع الفلسطينيون من المدن المحتلة عام 1948 من دخول العديد من المواقع في البلدة القديمة إلا بحافلات تابعة لجهة إسرائيلية. وهذا ما يطبق على جميع السيّاح قبل توقف السياحة منذ بدء الإبادة في قطاع غزة”. يوضح الرجوب أن موقع حرم الرامة أيضاً يتعرض لهجمات مستمرة، وتُطلق فيه الموسيقى الصاخبة. وموقع تل الرميدة في البلدة القديمة أيضاً يخضع لحفريات تُجريها جامعة أرئيل الإسرائيلية، في حين تمنع طواقم الوزارة من العمل فيه، ويُمنع أي مواطن يسكن بالقرب منه من زيارته، إذ يقيم الاحتلال أبراجاً عسكرية وقد أعلنه منطقة عسكرية مغلقة.
الغريب أن كثيراً من هذه المواقع المستهدفة هي إرث روماني، مثل خربة القصر في بلدة بني نعيم في الخليل، بطرازها المعماري الروماني المتميّز على مساحة 12 دونماً، أهّلته وزارة السياحة للزوار عبر تسييجه، لكن المستوطنين يحضرون ويقيمون صلواتهم، وهذا ما فعلوه أيضاً في برج السموع الأثري من ممارسات من شأنها تغيير هوية المكان وتهويده.
بدوره، يشير خبير التراث والآثار، حمدان طه، إلى أن مجمل هذه الاعتداءات ترمي إلى خلق وقائع استيطانية جديدة في مناطق مصنفة ج وأخرى مصنفة ب، في خرق واضح لاتفاقية أوسلو. يقول طه في تصريحات لـ”العربي الجديد”: “هذه المواقع ترتبط بالمشروع الاستيطاني المتجدد والتوسعي الذي يستهدف منطقة برية الخليل وبيت لحم والقدس، ومنطقة الأغوار والمحافظات الشمالية في جنين وطولكرم وقلقيلة ونابلس بهدف السيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية ومحاصرة التجمعات السكانية الفلسطينية وتقطيع أوصالها”. يشير إلى أن قائمة الاعتداءات هي أكثر بكثير إذا ما شملت عمليات الإبادة الثقافية الجارية في قطاع غزة التي طاولت مئات المواقع الأثرية والمباني التاريخية والمؤسسات الثقافية والمتاحف، ثم الاعتداءات على مدينة القدس.
يستخدم الاحتلال الصهيوني وسائل عدة للسيطرة على هذه المواقع، منها ادعاءات أيديولوجية بوجود أثر يهودي، ومزاعم غير مثبتة علمياً، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أنها تراث فلسطيني خالص، وجزء من هوية الشعب الفلسطيني المستهدفة منذ عشرات السنين.
*نشرت في العربي الجديد يوم 03 تشرين الاول / أكتوبر 2025
