سياسة مجتمع

اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي وتحديات استعادة السيادة وبناء الدولة

زكـي طـه   

بيروت 28 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

لا يمكن التعامل مع اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي بوصفه مجرد تفاهم أمني، أو آلية تقنية لتنفيذ ترتيبات ميدانية في الجنوب اللبناني، بل هو وثيقة سياسية تؤسس، إذا ما استكملت مساراتها التفاوضية القادمة في ظل الخلل الفادح في ميزان القوى، لمرحلة جديدة في العلاقة بين لبنان وإسرائيل.  هذا عدا أنها تندرج ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والصراعات.

وتنبع أهمية الاتفاق من أنه يتجاوز، في مضمونه وأهدافه، تطبيق القرارات الدولية أو تثبيت وقف إطلاق النار، ليطرح تصوراً متكاملاً يقوم على إنهاء حالة الحرب، وإطلاق مفاوضات مباشرة، وإنشاء آليات تعاون أمني وسياسي، وصولاً إلى اتفاق سلام شامل بين الدولتين برعاية أمريكية مباشرة.

ومن هنا، فإن قراءة الاتفاق لا ينبغي أن تنطلق من الاصطفافات اللبنانية التقليدية بين مؤيد للمقاومة أو معارض لها، بل من سؤال مركزي يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية وسيادتها وموقعها في النظام الإقليمي الجديد.

اتفاق يتجاوز الأمن إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولتين

يعلن نص الاتفاق منذ مادته الأولى عزمه على إنهاء الصراع بصورة نهائية وإنهاء حالة الحرب رسمياً، ويؤكد أن ما تحقق ليس مجرد تفاهم ميداني، وإنما نتيجة مفاوضات مباشرة تهدف عبر المفاوضات إلى معالجة “الأسباب الجذرية” للصراع.

ويعني ذلك أن الاتفاق لا يقتصر على معالجة الوضع الأمني في الجنوب، بل يؤسس لمسار سياسي دائم ينتهي باتفاق سلام شامل.

ويعزز هذا الاستنتاج البنود التي تنص على تشكيل مجموعات عمل لإعداد اتفاقية سلام كاملة، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة ودائمة بين لبنان وإسرائيل. وبذلك ينتقل الاتفاق من منطق إدارة النزاع إلى منطق إنهائه.

السيادة اللبنانية بين الاستعادة والوصاية

يتكرر مفهوم “السيادة” بصورة لافتة في مختلف بنود الاتفاق. غير أن السيادة الواردة فيه لا تمارس بصورة مستقلة، بل ترتبط بمجموعة من الشروط الخارجية، أبرزها:

  • نزع سلاح الجماعات المسلحة.
  • التحقق الأمريكي من تنفيذ الالتزامات.
  • إعادة الانتشار الإسرائيلي وفق مراحل محددة.
  • ربط المساعدات الاقتصادية بنتائج التنفيذ.

وهنا تظهر مفارقة أساسية. فالوثيقة تعلن أنها تهدف إلى استعادة السيادة اللبنانية، لكنها تجعل هذه السيادة خاضعة لآليات تحقق وإشراف اميركي ـ اسرائيلي وضمانات خارجية. وبذلك يتحول مفهوم السيادة من حق أصيل للدولة إلى عملية مشروطة ترتبط بمدى تنفيذ برنامج سياسي وأمني ترعاه الولايات المتحدة.

احتكار الدولة للسلاح بين الضرورة الوطنية والإدارة الخارجية

يؤكد الاتفاق بصورة واضحة أن الدولة اللبنانية وحدها تحتكر حق استخدام القوة والسلاح. ومن حيث المبدأ، يشكل هذا الهدف أحد الشروط الأساسية لبناء الدولة الحديثة وترسيخ النظام العام.

غير أن الإشكالية لا تكمن في الهدف نفسه، وإنما في الآلية المقترحة لتحقيقه. فالوثيقة تجعل نزع السلاح جزءاً من برنامج تنفيذي يخضع للرقابة الأمريكية، ويقترن بالمساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار وإعادة “الانتشار” الإسرائيلي.

وهذا يثير الكثير من الاسئلة المشروعة  حول ضمانات الانسحاب الاسرائيلي، وحول ما إذا كان بناء الدولة يتم بقرار وطني جامع، أم ضمن ترتيبات إقليمية تفرض أولوياتها على الداخل اللبناني.

اختلال واضح في توازن الالتزامات

يكشف الاتفاق عن تفاوت ملحوظ بين الالتزامات المفروضة على لبنان وتلك المفروضة على إسرائيل. فلبنان مطالب بتنفيذ برنامج تفصيلي يشمل:

  • نزع السلاح.
  • تفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة.
  • إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية.
  • ضبط التمويل.
  • إخضاع تنفيذ الالتزامات لآليات تحقق مستمرة.

في المقابل، تكتفي إسرائيل بإعلان عدم وجود أطماع توسعية لديها، وربط انسحابها الكامل بزوال ما تعتبره التهديد الأمني.

وهذا يعني أن الجزء الأكبر من الالتزامات يقع على عاتق الدولة اللبنانية، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مرتبطة بتقديرها الخاص للوضع الأمني.

الولايات المتحدة بوصفها طرفاً مقرراً

لا تظهر الولايات المتحدة في الاتفاق باعتبارها وسيطاً محايداً بين طرفين. بل تمارس أدواراً متعددة تشمل:

الرعاية السياسية، الوساطة، الإشراف على التنفيذ، التحقق الأمني، إدارة المساعدات الاقتصادية، التنسيق العسكري، قيادة الدعم الدولي.

ويؤدي هذا التداخل في الادوار إلى تركيز صلاحيات واسعة بيد طرف خارجي يمتلك في الوقت نفسه القدرة على التقييم والتمويل والضغط السياسي.

وهنا يبرز التساؤل حول مدى استقلال القرار اللبناني بمعزل عن الوصاية الاميركية المقررة خلال مراحل التفاوض والتنفيذ المختلفة.

إعادة الإعمار كأداة سياسية

يربط الاتفاق بصورة مباشرة بين إعادة إعمار المناطق المتضررة وبين نجاح تنفيذ الالتزامات الأمنية. كما يجعل تقديم المساعدات الدولية مشروطاً بتحقيق مراحل محددة من التنفيذ. ويحمل هذا الربط جانباً إيجابياً يتمثل في توفير الموارد اللازمة للنهوض الاقتصادي، لكنه يحمل أيضاً مخاطر استخدام المساعدات كوسيلة ضغط سياسي على الدولة اللبنانية. ومن ثم، يصبح الإعمار جزءاً من منظومة الحوافز  والشروط والعقوبات، وليس مجرد التزام إنساني أو تنموي.

الاتفاق في سياق إعادة ترتيب الشرق الأوسط

لا يمكن قراءة الاتفاق بمعزل عن التحولات الإقليمية الجارية. فالوثيقة تتحدث صراحة عن مساهمتها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يشير إلى أنها تشكل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء النظام الإقليمي بعد سنوات من المواجهات.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاق يتقاطع مع مسارات تفاوضية وتحولات سياسية تشهدها المنطقة، سواء في العلاقات الأمريكية مع القوى الإقليمية أو في مسارات التسويات التي يجري العمل عليها في أكثر من ساحة. إلا أن الربط بين هذه المسارات يحتاج إلى أدلة سياسية واضحة، حتى لا يتحول إلى استنتاج يتجاوز ما يسمح به النص نفسه.

ماذا يعني الاتفاق للبنان؟

يستهدف إتفاق الاطار فك المسار اللبناني عن مبادرة السلام العربي ـ  الاسرائيلي، وإدارة الظهر للقضية الفلسطينية وما توجهه من تحديات مصيرية سيكون لها انعكاساتها الخطيرة على الواقع اللبناني. ولذلك يحدد الاتفاق جملة أهداف  ستؤدي  بنتيجة التفاوض بشانها وفق الشروط الاسرائيلية المرعية اميركيأ  إلى تحولات عميقة تشمل:

  • إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل.
  • إعادة تعريف وظيفة الجيش اللبناني.
  • إنهاء الازدواجية العسكرية داخل الدولة.
  • إدخال لبنان في ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة.
  • إعادة ربط الاقتصاد اللبناني بالدعم الدولي المشروط.
  • إعادة صياغة موقع لبنان في معادلات الشرق الأوسط.

وهذه التحولات تجعل الاتفاق واحداً من أكثر الوثائق تأثيراً في تاريخ لبنان الحديث.

 أخيراً، لا يمكن اختزال الموقف من الاتفاق بين القبول المطلق والرفض المطلق. فالوثيقة تتضمن أهدافاً مشروعة، مثل تعزيز سلطة الدولة، وبسط سيادتها، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وإنهاء معاناة المدنيين. لكنها، في الوقت نفسه، تثير أسئلة جوهرية حول اختلال ميزان الالتزامات، وطبيعة الدور الأمريكي، وحدود استقلال القرار اللبناني، وربط السيادة الوطنية بآليات تحقق وضغوط خارجية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مضمون الاتفاق، إنما أيضاً في استمرار حالة الانقسام القائم ومضاعفاته الداخلية، وفي اختلال موازين القوى خلال مسارات التفاوض حول بنود الاتفاق، وهي التي ساهمت في إضعاف الموقف اللبناني. وهنا تكمن مسؤولية اللبنانيين لتحصين الموقف اللبناني، وتجنب مخاطر التبسيط والاستسهال والركوم إلى الرعاية الاميركية، خلال مسارات التفاوض  الشاقة والمعقدة لتنفيذ بنود اتفاق الاطار على النحو الذي يحول دون الخضوع للشروط الاسرائيلية،  ويؤدي إلى بناء دولة ديمقراطية ذات سيادة كاملة، تحتكر وحدها استخدام القوة، وتحمي استقلال قرارها الوطني، وترفض في الوقت نفسه استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وتتمسك بحقوق لبنان المشروعة، ضمن رؤية تحقق السلام العادل والاستقرار المستدام، لا سلاماً يقوم على اختلال موازين القوة أو الارتهان للخارج.