صحف وآراء مجتمع

  بلد يستورد المال ويُصدّر أبناءه

* شهيد نكد

يأتي قرار إلغاء الشهادات الرسمية العامة والمهنية بالتزامن مع إقرار مشروع قانون الإقامة الذهبية في لجنة المال. في الظاهر يبدو الحدثان منفصلين، فالأول تربوي إداري يتعلّق بمصير الطلاب والشهادة الرسمية، والثاني اقتصادي استثماري يرتبط بمحاولة جذب الأموال إلى البلد. لكن الرّبط بينهما يصبح منطقياً إذا ما تناولنا الموضوع من زاوية تخبّط هذا البلد أمام أجياله الشابّة. فالدولة التي تبحث عن رأس مال من الخارج، هي ذاتها الدولة التي تبدو عاجزة عن تقديم مسار واضح لأبنائها في الداخل.

ليس المقصود الدخول في النقاش حول أسباب إلغاء الشهادة وما إذا كان القرار صائباً أم لا، ولا في اعتبار محاولة جذب الرساميل من الخارج خطأً بحدّ ذاتها. فالمشكلة ليست هنا، بل في الصورة التي تتظهّر من جمعهما معاً: ففي الوقت الذي نريد فيه استقطاب الأموال من الخارج، لا نرى جدّية ولا رؤية ولا حتى محاولة للإجابة عن كيفية التعاطي مع الجيل الصاعد.

جيل يحسُب ولا يحلم

هذا الجيل لا يحتاج إلى الكثير من التحليل كي يفهم موقعه. يكفيه أن يرى دولة تبحث عن المستثمر، ولا تبحث بالجدية نفسها عن الطالب، دولة ترى في الخارج فرصة مالية، ولا ترى في الداخل فرصة بشرية. تتصرّف كأنّ المشكلة في لبنان هي نقص الرساميل فقط، لا نقص الثقة، ونقص المعنى، ونقص الأفق. وهذا الجيل يتعلّم بسرعة، وربما بسرعة مؤلمة، يحسب مستقبلَه ببرودة: أي جامعة تفتح باب الهجرة؟ أي شهادة قابلة للتسويق؟ أي بلد يمنح فرصة أسرع؟

هنا تبدأ أزمة الهوية، من السؤال حول من أنا في هذا البلد؟ هل أنا طالب يحاول بناء مستقبله، أم مهاجر محتمل؟ هل أنا مواطن في مشروع وطني، أم فرد عليه أن ينجو وحده؟ وفي حين يجب أن يكون ترك المقاعد المدرسية مرحلة جديدة مفتوحة على الاحلام، يحمل الشباب اللبناني عبئاً إضافياً حول إمكانية البلد على استيعابه.

ومن هنا، تصبح الشهادة الرسمية أكثر من امتحان، هي تمثّل شيئاً من المعيار العام حيث يقف الطلاب أمام امتحان واحد يتجاوز المدرسة والمنطقة والطائفة والقدرة المادية. ففي بلد تتفاوت فيه المدارس والبيئات والقدرات العائلية بشكل كبير، لا يكون غياب المعيار أمراً عابراً. فمن يملك مدرسة قوية وبيتاً داعماً يبقى قادراً على التقدّم، أما من لا يملكهما فيخسر مساحة كان يمكن أن تمنحه شيئاً من المساواة.

والنقاش حول الشهادة يكشف مشكلة أعمق في علاقتنا بالتعليم نفسه. نحن في لبنان لم نتعامل دائماً مع الشهادة بوصفها دليلاً على معرفة أو كفاءة، بل بوصفها علامة اجتماعية. فالشهادة هي لقب وموقع وبرستيج وطريقة عبور إلى طبقة أعلى. لذلك تحوّل التعليم، في جزء كبير منه، إلى سباق على الاعتراف الاجتماعي أكثر مما هو مسار لبناء الإنسان. لا نحبّ المعرفة دائماً بقدر ما نحبّ صورتها، ولا نحترم العمل دائماً بقدر ما نحترم اللقب الذي يسبقه.

التعليم المهني

من هذه الزاوية، يصبح التعليم المهني في قلب الإشكالية لا على هامشها. فكلما تحدّثنا عن الشهادة، يعود موضوع عدم المساواة للظهور؛ التّعليم الأكاديمي في الأعلى، والتعليم المهني في الأسفل. كأن الطالب الذي يذهب إلى التعليم المهني هو طالب لم ينجح في التعليم “الحقيقي”، لا طالب اختار طريقاً آخر للمعرفة والعمل والإنتاج. فالمهن التي لا يمكن لمجتمع أن ينهض من دونها، والتي تتطلّب مهارات كبيرة معظمها يرقى لمستوى الفنّ، غدت بالنسبة لنا ما دون المستوى، وهذا عطب عميق في سلّم القيم اللبناني.

هنا تظهر المشكلة بوضوح أكبر. التعليم المهني ليس ضعيفاً فقط بسبب نقص الإمكانات أو سوء السياسات، بل لأنه موضوع منذ البداية في خانة اجتماعية أقل قيمة. يُقدَّم غالباً كخيار ثانٍ، كمسار لمن لم يتمكّن من الوصول إلى الجامعة، لا كمسار كامل للمعرفة والإنتاج. لذلك، لا يكفي أن ندعو الطلاب إلى التعليم المهني، ولا أن نكرّر أنّ السوق يحتاج إلى مهارات. المطلوب أوّلاً أن نعيد النظر في المعنى الاجتماعي للعمل. فمجتمع لا يحترم المهارة بقدر ما يحترم اللقب، ولا العمل بقدر ما يحترم البرستيج، لا يستطيع أن يبني اقتصاداً منتجاً ولا مواطنة متوازنة.

وهذا يقودنا إلى سؤال التوجيه. فما نسمّيه اليوم توجيهاً مدرسياً أو جامعياً صار، في معظم الأحيان، توجيهاً نحو السوق فقط. نسأل الطالب: أي اختصاص يؤمّن دخلاً أعلى؟ أي جامعة تفتح باباً أوسع؟ أي مجال يسهّل الهجرة؟ أي مهنة قابلة للتسويق عالمياً؟ وهذه أسئلة مفهومة في بلد مأزوم. لا يمكن أن نطلب من جيل يعيش الانهيار أن يتجاهل الخوف من المستقبل، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه هي الأسئلة الوحيدة.

التوجيه الحقيقي لا يجب أن يسأل الشاب ماذا يريد أن يعمل فقط، بل أي إنسان يريد أن يكون. ما علاقته بمجتمعه؟ ما الذي يستطيع أن يضيفه إلى المكان الذي خرج منه؟ ما نوع المعرفة التي يحتاجها لبنان؟ من دون هذه الأسئلة، يتحوّل التوجيه إلى تدريب على النجاة الفردية، لا إلى إعداد لجيل قادر على حمل مسؤولية اجتماعية.

النجاح يعني الخروج

لقد وجّهنا الجيل الجديد نحو الخلاص الفردي ثم بدأنا نلومه لأنّه لا يشعر بانتماء كافٍ. قلنا له: انجح وحدك، سافر وحدك، ابنِ مستقبلك وحدك، خلّص نفسك. ثم عدنا وسألناه لماذا يريد المغادرة، ولماذا لا يثق بالبلد، ولماذا لا يرى في البقاء مشروعاً ممكناً. والحقيقة أن الإنسان لا يولد بلا انتماء، لكنه يفقد علاقته بالمكان حين يشعر أن هذا المكان لا يراه إلا رقماً، أو صوتاً انتخابياً، أو طاقة مهاجرة، أو نجاحاً لبنانياً جديداً في الخارج نحتفل به بعد أن عجزنا عن احتضانه في الداخل.

هنا تكتمل المفارقة، فالدولة التي تسعى إلى استقطاب المال من الخارج لا تطرح، بالجدية نفسها، سؤال استبقاء الشباب في الداخل. نريد المستثمر، لكننا لا نعرف ماذا نفعل بالطالب، نريد الرساميل، لكننا لا نبني الثقة، نريد اقتصاداً، لكننا لا نعيد الاعتبار للعمل، نريد أن نتغنّى بنجاح اللبنانيين في العالم، لكننا لا نسأل لماذا صار النجاح غالباً مرادفاً للخروج من لبنان.

ليست الأزمة إذن في إلغاء شهادة هذا العام فقط، ولا في مشروع الإقامة الذهبية وحده. الأزمة في بلد اختزل التعليم بالشهادة، والشهادة بالبرستيج، والتوجيه بالسوق، والنجاح بالهجرة، والهوية بالحنين.

* تم النشر بتاريخ 27 حزيران 2026 حزيران على موقع المدن