لو اقتصر الأمر على “السلاح”، المدافع والصواريخ ووسائل القتال الثقيلة، لهان الأمر ربما على حزب الله. طالما أن كل هذا العتاد ما عاد مجدياً ولا مؤذياً لإسرائيل، وحمله يجلب ضرراً وموتاً لصاحبه، وتهجيراً أو قتلاً لأهله، وخراباً لعمرانه، وخسارة لأرزاقه، وضياعاً قد لا يعوّض لأرضه وبلاده. ولنا أمثلة لا حصر لها على امتداد 90 عاماً.
ليس الغباء من سمات أقوى ميليشيا عرفها العصر الحديث، وأشدها تنظيماً وبأساً. ولذا، هو مدرك تماماً أن حصر (أو نزع أو تسليم) السلاح الذي يملكه، المقصود به يتعدى كثيراً هذا العنوان، ويشمل أسلوب حياة وسياسة واقتصاداً وهوية وثقافة وذاكرة مديدة، وأبنية اجتماعية تجذرت، ولا فكاك منها إلا بنزع الأحشاء والقلب والروح.
التعب والجهد والدم والدموع والمال الذي بُذل على مدى أربعة عقود، إنما كان ليس فقط لحفر أنفاق وتكديس أسلحة وذخائر، بل لبناء دولة تامة لا جغرافيا لها ولا حدود، كما لو أنها مشروع امبراطوري متخيل وواقعي في آن معاً. فما هذا الـ”لبنان” الصغير الذي يريدون حشر دولة حزب الله وشعبه فيه؟
بالطبع، تسليم السلاح هو حسب قول النائب محمد رعد “انتحار”، وعلى الأقل سيكون التمسك به إلى الأبد، ولو كلف “كربلاء” تُباد بها طائفة بأسرها، وفق ما أعلن الشيخ الساخط نعيم قاسم. ومصدر هذا الاعتقاد والاستعداد للقتال حتى الفناء دفاعاً عن السلاح، تاريخ من أهوال وويلات صرفه الحزب لسلخ بيئته، روحاً وعقلاً ووجداناً ولساناً، عن لبنان الفاسد والكافر وما فيه من نجاسة الديموقراطية وفسق الليبرالية وانحلال فنونه وسياحته.. فهل يجوز رمي كل هذا التاريخ الملحمي، كرمى عيون طوائف أخرى لا يُؤمن جانبها؟ أو من أجل “الدخول” مجدداً في وطن الضعف والمذلة والهوان، والرضوخ للمساواة مع الآخرين؟
وكيف يُبدد الحزب رأسماله من المقابر والمدارس والمستشفيات ودور الحضانة وشبكته المصرفية وعقاراته وخبراته القتالية، وعشرات الآلاف من العائلات التي يعيلها، ورعايته لعشرات الآلاف من الجرحى وكثير منهم بات معوقاً، ومثلهم أرامل وأيتام، ومئات المساجد والحسينيات، ومحاكم “شرعية”، ونفوذاً لا حد له في المجالس والبلديات، ومصانع (نعرف ماذا تنتج ولا نقول) وتجارات عابرة للحدود. أيبدد كل هذا، ويوقف حروبه أو استعداده الدائم لحروب أخرى، ويكتفي بأن يصير مثله مثل حزب الكتائب أو ربما ينفرط كما حدث لحزب البعث؟
من الأحمق الذي يظن أن حزب الجبروت والقوة والانتصارات اللهية، سيرضخ هكذا لقرار من حكومة أتى بها غدر الزمن؟ ومن ذاك المتآمر الذي يطلب من تنظيم اسمه “حزب الله” (وتمعنوا بالإسم) أن يوقف زحفه نحو القدس، وهو الذي صال وجال في بطاح الشرق الأوسط وجباله ومدنه وقراه، وسطر الملاحم فيها، ومدّ خلاياه وأذرعه في القارات الخمس. من الذي يملك عقلاً ويتصور أن يُبلغ الحزب عشرات الآلاف من مقاتليه: إذهبوا إلى بيوتكم.
أي أمنيات شيطانية هذه، أن يقر حزب “هيهات منا الذلة” ومبتدع عبارة “إذا انتصرنا انتصرنا، وإن استشهدنا انتصرنا”، بهزيمته في حرب واحدة وحسب. ومن الذي تراوده أفكار من نوع الانضواء في دولة وطنية ثلاثة أرباع سكانها يخاصمون الحزب وعقيدته ويزدرون طقوسه وأسلوب عيشه ولغته.
سيأخذ الجيش اللبناني مستودعات أسلحة، وسيستولي على عتاد كثير، وسينظف أنفاقاً ويطمرها. لكن “السلاح” على معنى العنف والقوة والاستعداد لحرب أهلية والقطيعة العميقة مع قيم الجمهورية ودستورها وحياتها المشتركة، إنما هو الذي لن يُنتزع. فشيعة حزب الله ليسوا أولئك “الشيعة” قبل وجوده.
ولذا، سينتظر لبنان دهراً بلا طائل.
* نشرت على موقع المدن بتاريخ 21 آب 2025
