اقتصاد مجتمع

مشروع “الفجوة المالية” أمام مجلس النواب ولجانه: هل تنجح حملة المصارف في تفريغه من مضمونه؟

د . زهير هواري

بيروت 4 كانون الثاني 2026 ـ بيروت الحرية

بعد ثلاثة جلسات ماراثونية عقدها مجلس الوزراء لمناقشة وإقرار مشروع قانون الفجوة المالية، انتقل المشروع إلى مجلس النواب لمناقشته واقراره بعد أن وقع عليه كل من رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر. وعليه، من المقرر أن تبدأ مناقشاته في لجنة المال والموازنة بعد نهاية عطلة رأس السنة، تليها في اللجان المشتركة ومنها إلى الجلسة العامة التي تملك صلاحيات اقراره أو تعديله من عدمها. ولما كانت المناقشات هذه تتم مع اقتراب الموعد المقرر للانتخابات النيابية في شهر أيار المقبل، فمن المتوقع أن تطول المناقشات في المجلس النيابي، حيث سيتبارى النواب في إلقاء “معلقاتهم” حول مواده واستهدافاته، ظنا منهم أن ذلك سينعكس إيجابا في صناديق الاقتراع. فالناخبون سيتابعون مواقفهم ويمنحونهم على أساسها أصواتهم التفضيلية  علما أن المجلس النيابي لم يقم بواجباته في فتح هذا الملف الشائك طيلة ست سنوات من عمر الأزمة المتفاقمة منذ العام 2019. علما أن مؤشراتها ومقدماتها كانت سابقة على هذا التاريخ.

مجلس الوزراء وغسل ايدي المصارف

هذا من حيث المبدأ، لكن موضوع هذا القانون أعمق من هذا التفصيل الظرفي، بالنظر إلى أن المشروع تبعا لما سيستقر عليه من شأنه أن يترك بصماته الواضحة على أوضاع الفئات والشرائح الاجتماعية وعلى الحياة الاقتصادية والمالية لعدة سنوات مقبلة، كونه يحدد حجم ومصير الفجوة المالية، ومن سيتحمل أعباءها من مساهمين في المصارف وأعضاء مجالس إداراتها والمصرف المركزي والدولة والمودعين. ومن المعروف أن جمعية المصارف بذلت وتبذل جهودا مضنية و”تقاتل بأسنانها” من أجل “غسل يديها” من هذه الخسائر التي تسببت بها طمعا بالفوائد المرتفعة، وتحميل الدولة مسؤولية إطفاء هذه المبالغ، التي تختلف التقديرات بشأنها، وإن كانت لا تقل عن 80 مليار دولار. ولذلك أعلنت حربا مفتوحة على المشروع منذ أن تسربت خطوطه العامة لوسائل الاعلام. وكان المنطلق الذي تسعى إليه يتمثل في اعلاء راية الرفض يتمثل في دفع مجلس الوزراء إلى تحميل الدولة عبء تعويض “الأموال المفقودة” من خلال كسر حُرم عملية تسييل جزء من الذهب بموجب القانون النافذ في المقام الأول، لدفع متوجبات المودعين الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار، وبما يقارب مبلغ العشر مليارات دولار المطلوبة لدفع المتوجبات لهم على مدى أربع سنوات. أي أن المصارف ترفض مد يدها إلى ما جنته من أرباح غير مشروعة خلال الفوضى المالية والنقدية التي شهدتها البلاد منذ العام 2019 وحتى انفجار الأزمة.  يلي ذلك التمهيد والعمل على وضع اليد على باقي أصول الدولة من أملاك عامة وشركات مثل طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان وانترا للاستثمار وما يشابههم. وكانت مقدمات النجاح في التأثير على المشروع ما تمخض عنه مجلس الوزراء خلال جلساته من تعديلات، تتويجا بإقرار المشروع بعد التصويت عليه. حيث حصل على 13 صوتا مقابل 9 أصوات معارضة وغياب وزيرين (غسان سلامة ويوسف رجي). فقد صوّت مع المشروع كل من: رئيس الحكومة نواف سلام، نائب رئيس الحكومة طارق متري، وزراء الزراعة نزار هاني، الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، الدفاع ميشال منسى، المالية ياسين جابر، الاقتصاد عامر البساط، الإعلام بول مرقص، إضافة إلى وزير التنمية الإدارية فادي مكي، السياحة لورا الخازن، الشؤون الاجتماعية حنين السيد، والتربية ريما كرامي.

في المقابل، عارض المشروع ثلاثة وزراء من حزب القوات اللبنانية، وثلاثة وزراء من الثنائي الشيعي، إلى جانب وزيرة الشباب والرياضة نورا باردريان، وزير الاتصالات شارل الحاج، ووزير العدل عادل نصار.

وسجّل وزير المالية ياسين جابر خروجاً عن موقف وزراء الثنائي، إذ صوّت مع المشروع، مبرّراً موقفه بضرورة مراعاة المصلحة المالية العليا للبنان والالتزامات المرتبطة بمطالب صندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي. هذه التشكيلة من المواقف لها دلالاتها. إذ ليس من قبيل الصدفة أن يتقاطع وزراء الثنائي الشيعي مع وزراء القوات والكتائب رغم الاختراقات من جانب وزراء مثل ياسين جابر، وانضواء وزراء من المحسوبين على العهد والحزب الاشتراكي في صفوف المؤيدين. مع ذلك يمكن القول إن المصارف حققت حضورا وازنا في معارضة المشروع، أو على الأقل في اظهار ضعفه في الحصول على اجماع أو ما يشبهه.

سلام: الذهب والتدقيق  

مباشرة في أعقاب الاقرار أوضح سلام تفاصيل وردت في مشروع القانون ردّا على تساؤلات وهواجس عدّة طرحت داخل الجلسات وخارجها، خصوصا ما يتعلق منها بالتدقيق الجنائي والمحاسبة وحماية احتياطي الذهب. وأكد سلام أن المودعين الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار سيحصلون على أموالهم كاملة مع الفوائد ومن دون أي اقتطاع، مشدداً على أن أصل الودائع سيُسترد بالكامل.

وأوضح أن كبار المودعين سيحصلون أيضاً على أول 100 ألف دولار كاملة، على أن تُمنح لهم سندات قابلة للتداول عن باقي الودائع، وهي سندات معزّزة بأصول مصرف لبنان التي تُقدّر قيمتها بنحو 50 مليار دولار، مؤكداً أن هذه السندات “ليست حبراً على ورق”. وأضاف أن كبار المودعين سيحصلون لاحقاً على 2% من قيمة هذه السندات بعد استرداد الشريحة الأولى.

وشدّد سلام على أن الذهب لن يُباع ولن يُرهن، مؤكداً أنه “لا هو ولا غيره” سيتصرّف باحتياطي الذهب، كاشفاً عن إضافة نص واضح إلى مشروع القانون يكرّس قانون عام 1986 الذي يمنع التصرّف بالذهب إلا بموافقة مجلس النواب، منعاً لأي التباس.

كما أعلن إدراج بند صريح في المشروع يفرض إجراء التدقيق الجنائي والمحاسبة، مشيراً إلى أن كل من هرّب أمواله إلى الخارج أو استفاد من أرباح مفرطة سيدفع غرامة بنسبة 30 في المئة.

ثغرات وتباين بين فئات المودعين

لا تعني مرافعة الرئيس سلام تنزيه المشروع عن الثغرات. فالواضح أن ما جرى التوصل إليه هو حصيلة صراعات وما يشبه التسوية بين فرقاء هم داخل الحكومة و خارجها. والدليل على ذلك ليست نتائج التصويت فحسب، بل ما غاب عن المشروع من بنود كان يجب أن يتضمنها. ولعل هذا يؤشر في جانب منه إلى مدى قوة المعارضة التي انتصبت في مواجهته من المصارف بداية، والقوى التي ترتبط بها أو تدور في فلكها. فمن المعروف أن المشروع وإن كان قد أنصف صغار المودعين الذي لا تزيد ودائعهم عن الـ 100 ألف دولار، إلا أنه لم يقدم حلولا لأولئك الذين تفوق ودائعهم هذا المبلغ بملايين الدولارات. وهؤلاء هم عماد حركة الاستثمار في القطاعات التي يتحرك ضمنها الاقتصاد، بما هي الصناعة والعقارات والتجارة والزراعة. فدفع ما لهم في المصارف والذي يبدأ من 100 ألف دولار أسوة بسواهم ثم 2 % من المبلغ الإجمالي المستحق لهم سيستغرق سنوات يحول دون عودتهم إلى سوق العمل بما يملكونه من ثروات، باتت مجرد سندات قابلة للتداول خلال السنوات اللاحقة. خصوصا وأن النسبة التي سيحصلون عليها في المدى القريب والمتوسط والبعيد ضئيلة، ولا تتناسب مع متطلبات الإنتاج وعملية النهوض بالاقتصاد، واحياء القطاعات المطلوبة وسط حال التضخم التي تقضم من قيمة العملة الأميركية في الداخل والخارج. كما أن المشروع لم يميّز بين ودائع أصحاب الرساميل وودائع المؤسسات والنقابات الضامنة. وهو ما ينطبق على موجودات نقابات المعلمين وتعاونية الموظفين والمهندسين والمحامين والأطباء والممرضين وأمثالهم من هيئات تضم مئات ألوف المنتسبين الذين لهم حقوقهم الثابتة، ناهيك بأموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يفيد منه حوال المليون ونصف المليون مواطن. كما أنه لم ينصف أولئك الذين تقاضوا تعويضات نهاية الخدمة ووضعوها بالعملة اللبنانية في المصارف، وفقدت نتيجة انهيار قيمة العملة الوطنية ما بين 95 و98 % من قيمتها. دون أن يدري أحد كيفية التعويض عليها. وينطبق مثل هذا الوضع على أولئك الذين اضطروا تحت وطأة حاجاتهم إلى صرف الدولار من ودائعهم بأسعار الـ 15000 وما دون. في المقابل فرض المشروع غرامة 20 % على الذين نقلوا ودائعهم من لبنان إلى الخارج خلال الأزمة (كانت 30 % في النص الأصلي)، بينما أفادوا من نسبة فوائد وصلت إلى 25 و30 % بفعل اغراء المصارف، التي كانت في الوقت ذاته تنقل أموالهم إلى الخارج، وتجتذب مساهمين جددا وقعوا ضحية الثقة بالنظام المصرفي والمالي اللبناني، الذي لم يسقط يوما إلى هذا الحد في قبضة مافيات السياسة والمال، ما قاد إلى الكارثة التي تجرجر أذيالها إلى الآن.

ما يمكن الخروج به هو أن هناك صراعا سيحتدم في لجان المجلس وصولا الى الهيئة العامة وهو صراع ستظهر معه “القرعة من أم قرون ” من نواب الأمة، وهو يعبر عن طبيعة القوى التي تريد أن تجعل من الانهيار بمثابة كنز تحتفظ به لنفسها، وتعمل على نهب ما تبقى من أموال اللبنانيين (أملاك الدولة والقطاع العام)، والقوى التي تريد أن تحصل من التفليسة على ما يبقيها كأكثرية ساحقة على قيد البقاء من خلال حصولها وحفاظها على بعض الفُتات الذي ما تزال تقتات عليه مع عائلاتها.