زكـي طـه
بيروت 9 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية
المشهد العام
يقف لبنان اليوم امام مرحلة شديدة التعقيد، تضعه في مواجهة تحديات تكاد تكون مصيرية. فمشروع إعادة بناء الدولة لم يعد خيارًا استراتيجيًا مطروحًا للنقاش، بل مسألة بقاء ووجود. والقيمون على الدولة لم يتمكنوا لغاية الآن من إخراج مؤسساتها من دائرة التفكك والعجز، ولم يفلحوا في وضع حد لتراجع قدراتها على الفعل.
تتمثل التحديات اليوم بمنظومة متكاملة من الضغوط والتهديدات الداخلية والخارجية تتجاوز في خطورتها كل ما عرفه لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. وتتوزع بين الضغوط الخارجية التي تقودها الإدارة الاميركية في كل الاتجاهات، وبين التهديدات الإسرائيلية بتجديد الحرب على لبنان، في موازاة مسلسل غارات التدمير والاغتيالات ورفض الانسحاب من المواقع المحتلة. وتتقاطع التحديات مع الانهيار المالي والاقتصادي والانقسام الاهلي الذي يطاول ركائز العيش الوطني، في موازاة اشتداد الصراع السياسي الداخلي الذي تمسك بخيوطه أحزاب الطوائف ومراكز النفوذ الخارجي. يجري كل ذلك في لحظة إقليمية مضطربة تتبدل فيها خرائط التحالفات وموازين القوى بين التشكيلات الاهلية للكيانات الوطنية في ظل السيطرة الاميركية، ويُعاد فيها رسم حدود النفوذ الداخلي وعلى الصعيدين الاقليمي والعربي.
الضغوط الخارجية
لا تقتصر الضغوط الخارجية على المطالبة بحصر السلاح واستعادة الدولة قرارها السياسي، بل تمتد إلى ملفات الاقتصاد والإصلاح المالي والإداري وصولاً إلى إعادة الإعمار. فالدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، تربط أي دعم مالي أو إصلاحي للبنان بشروط سياسية واضحة، تبدأ بنزع سلاح حزب الله، والانخراط في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل. الأمر الذي يضع المسؤولين اللبنانيين بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الخضوع لشروط الخارج واسرائيل، أو الانهيار الكامل تحت وطأة العجز المالي والتضخم والفوضى السياسية والاقتصادية.
وفي السياق، تشكل شروط الدعم المقنّعة تحت راية الإصلاح، أداة سياسية لإعادة صياغة التوازنات الداخلية في لبنان بما يخدم مصلحة القوى الإقليمية والدولية المتنافسة. وهي تتزامن مع تصعيد غير مسبوق في التهديدات الإسرائيلية، التي تتحدث صراحة عن توسيع العدوان، وعن فرض منطقة أمنية جديدة تخضع لإدارة مشتركة في الجنوب اللبناني، بدعم اميركي يسعى إلى توثيق ذلك في إطار تفاهمات دولية تُقيد حركة الدولة اللبنانية وتُضعف سيادتها الفعلية على أراضيها.
وظائف التصعيد الإسرائيلي
يستهدف تصعيد اسرائيل الميداني والسياسي، تثبيت معادلة ردع عمادها تكريس سيطرتها العسكرية والامنية، بقوة اللحظة الإقليمية الراهنة. فالمناورات العسكرية المكثفة، والتصريحات الممنهجة، والسيطرة الميدانية على المناطق الحدودية، كلّها تُشكّل مقدمات لاحتمال حرب شاملة، أو على الأقل تصعيد طويل الأمد.
واللافت على هذا الصعيد آليات التحكم المعتمدة بحركة السكان المدنيين في الجنوب عبر التهديد والاغتيال والاستهداف الانتقائي، وصولاً إلى تحديد شروط جني المحاصيل الزراعية واماكن التواجد المسموح بها. يجري ذلك في سياق حرب نفسية غايتها اخضاع اللبنانيين لسيطرتها الميدانية الكاملة، بعد أن تآكلت وانهارت ثقتهم بمعادلات المقاومة، وما كان يُعرف بالردع المتبادل. والأهم قطع الطريق على امكانية استعادة ثقتهم بقدرة دولتهم على حمايتهم، بفعل غياب القرار الوطني جراء صراعات قوى السلطة.
مأزق النظام السياسي
يعمّق أداء القوى السياسية الطائفية مأزق الدولة. فالأحزاب التي تمسك بمفاصل الحكم ليست بوارد الانخراط والمشاركة في أي مشروع لبناء دولة وطنية مستقلة. ولذلك تصرّ على خوض معارك محاصصة مؤسسات الدولة لتعزيز مواقعها وتعطيل أي محاولة لإقامة إدارة حديثة أو إصلاح بنيوي.
لقد تحولت السلطة إلى منظومة زبائنية طائفية تتغذى من الانقسام، ومن إعادة إنتاج الفساد السياسي والفشل الوطني، وإضعاف ثقة اللبنانيين بفكرة الدولة نفسها. هكذا يتابع اللبنانيون الصراع المستعر بين الاحزاب الطائفية حول اقتراع المغتربين، ومعركة الاصلاحات المالية بين اصحاب المصارف وشركاءهم في السلطة والمصرف المركزي من جهة، وبين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجهات الدولية الداعمة من جهة أخرى.
وما يزيد في خطورة الوضع، استسهال القوى الطائفية تصعيد الرهان على الخارج. فكل فريق يرى في الضغط الدولي أو الإقليمي فرصة لتعزيز موقعه الداخلي، ما يبقي لبنان ساحة تتقاطع فيها المصالح الخارجية مع الرهانات الداخلية، بدل أن يكون طرفًا فاعلًا يمتلك سياسة وطنية مستقلة.
المفاوضات والحصانات المفقودة
تصريحات رئيس الجمهورية الأخيرة حول التفاوض في الجنوب اللبناني عكست بوضوح حجم الضغوط الأميركية والتهديدات الإسرائيلية. وأظهرت استعدادًا مبدئيًا للتعاطي الإيجابي مع فكرة التفاوض من أجل تحقيق الاستقرار. لكن هذا الموقف لا يشكل حصانة للبنان، لأنه لا يحظى بتوافق وطني، إذ تتباين الرؤى حول صيغة التفاوض المجدية، بما فيها اشراك مدنيين في لجنة المراقبة والاشراف. فهناك من يرى في التفاوض ضرورة لتجنب الحرب وحماية لبنان، وهناك من يعتبره مقدمة لتنازلات جديدة تمسّ بالسيادة الوطنية.
في الجوهر، يُدرك الجميع أن أي تفاوض لا يمكن فصله عن موازين القوى الدولية والإقليمية. فقبول توسيع مهام لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية أو الانخراط في ترتيبات أمنية جديدة جنوب الليطاني يُمثل خطوة أولية نحو إدخال لبنان في منظومة الضبط الدولي، التي تتحكم فيها واشنطن وتل أبيب.
استغلال الانقسام
الرد الاسرائيلي على الموقف اللبناني، أتى تصعيداً ميدانياً. والغايه منه تأكيد رفض تقديم أي ضمانات للانسحاب من المواقع المحتلة، والتمسك بشروط التفاوض المباشر التي تبدأ بنزع سلاح حزب الله، وإنشاء منطقة أمنية. والهدف جعل المفاوضات وسيلة ضغط لفرض الاتفاق الذي يضمن المصالح والاهداف الاسرائيلية الراهنة والبعيدة المدى، عبر استغلال عوامل الضعف والتفكك الداخلي، وما يوازيها من ارتباك وعجز امام اتخاذ القرار، وانعدام القدرة على تنفيذه تحت وطأة الانقسام الاهلي المستدام.
في المقابل يتجدد يومياً موقف الادارة الاميركية الذي يتبى شروط اسرائيل وأهدافها في الحرب كما في المفاوضات. ولذلك يكرر موفدوها مطالبة لبنان بالدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل، إلى جانب تحميل لبنان مسؤولية غياب القرار السيادي، والدفع نحو مواجهة بين الدولة وحزب الله. وخطورة التشدد الاميركي أنه لا يتجاهل دور ايران المؤثر في تعقيد الوضع الداخلي، بقدر ما يستهدفه لأن حزب الله يشكل أحد اوراق قوتها الاقليمية المتبقة بعد خسائرها الفادحة. وعليه، فإن المقاربة الاميركية ـ الاسرائيلية المشتركة حول لبنان، لا تحول دون إمكانية بناء موقف لبناني موحد فقط، بل تجعل من قضيتي السلاح والمفاوضات مجدداً عاملي انقسام داخلي، بدلاً من أن تكونا موضوعًا لحوار انقاذي وطني جامع.
حزب الله بين الرفض والعجز
وفي هذا السياق جاءت رسالة حزب الله إلى الرئاسات الثلاثة أداة سياسية متعددة الوظائف. فهي من جهة تحاول تحميل الدولة المسؤولية عن اتفاق وقف اطلاق النار مع اسرائيل قبل عام. وتكرر خطاب التعمية على مسؤولية الحزب، ليس عن قرار حرب المساندة وتوريط لبنان في حرب لا مصلحة له فيها وحسب، بل حول المفاوضات التي تولاها رئيس المجلس النيابي، رئيس حركة أمل، مفوضاً من الحزب، الذي لم يكتفِ بالموافقة على الاتفاق الذي رأى فيه إنجازاً وانتصاراً وطنياً على العدو، بل وافق أيضاً على الضمانات الاميركية لتنفيذه. يؤكد ذلك دخول الاتفاق حيز النفاذ قبل ان تأخذ حكومة تصريف الاعمال علماً به دون الاطلاع على مضمونه.
يستحضر الحزب في رسالته، من بنود اتفاق الاستسلام، ما يتوافق مع سرديته لتبرير رفض تسليم السلاح للدولة وانهاء وجوده المسلح جنوبي الليطاني. وينكر دوره في اضعاف الموقف اللبناني، الذي تحوّل ذريعة تستغلها اسرائيل لتكريس سيطرتها وتبرير عملياتها المستمرة ورفضها الانسحاب من المواقع التي تحتلها. لم يكتفِ الحزب بوصف قرار الحكومة بشأن حصر السلاح بالخطيئة وكأنه من خارج الاتفاق الذي وافق عليه. أما استسهال تعريض البلد للضغوط الخارجية، والاستهانة بالتهديدات والعدوان الاسرائيلي وبخطورة إطالة أمد عودة أهالي البلدات الحدودية المدمرة وبقضية إعادة إعمارها، في أمور لا تعنيه. وإذ يؤكد الحزب على حق المشاركة في مقاومة العدوان والاحتلال، يتجاهل عجزه الفاضح عن مقاومة الاحتلال القائم، وانعدام القدرة على استخدام ما تبقى لديه من سلاح بات عبئا على بنيته وبيئته وعلى البلد في آن. هذا ما تؤكده الخسائر البشرية الفادحة منذ توقيع الاتفاق، بنتيجة العمليات والاغتيالات اليومية التي ينفذها العدو الاسرئيلي.
والاهم أن رفض الحزب جميع صيغ التفاوض مع العدو، يطعن به امران دخوله طرفاً غير مباشراً في مفاوضات الترسيم البحري، وحول اتفاق وقف حرب المساندة، وهذا ما تؤكده نتائج سياساته وممارساته والمفاعيل التدميرية للحرب التي قررها منفرداً، والاطاحة بالتحرير غير المشروط، وصولا الى عودة الاحتلال.
والخطورة في رسالة الحزب تزامنها مع تصاعد الضغوط الخارجية وارتفاع وتيرة الاعتداءات والتهديدات الاسرائيلية وتصعيد شروط التفاوض لانهاء الاحتلال بالتنسيق مع الموقف الاميركي. والاخطر دور الوصي على البلد والمقرر لمصلحته الذي لا يتمثل في توزيع الشهادات فقط، إنما في تبادل الارتهان مع شركائه في السلطة للخارج الايراني والاميركي. ما يبقي لبنان رهينة ثنائية التبعية التي تحول دون تبلور سياسية وطنية مستقلة. وبذلك لا يعود مستغرباً توزيع الاتهامات على الرؤساء، والدفع نحو تعطيل قدرتهم اتخاذ القرارات المسؤولة في سبيل الحد من الخسائر والتنازلات الزاحفة.
الوقت الضائع
تشي الوقائع والمعطيات القائمة بأن لبنان يقف على مفترق مصيري، تحاصره الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية، والتحديات المتداخلة والمترابطة بين الداخل والخارج. وسط غياب الحد الادنى من التوافق الداخلي حول رؤية انقاذية للدولة والبلد من تسلّط الاحزاب الطائفية والضغوط الخارجية خصوصا الاميركية ومن التهديدات الاسرائيلية. ولذلك ليس مفاجئاً أن تدار الملفات الكبرى لغاية الآن في زواريب المصالح الفئوية والحسابات الطائفية، وأن تبقى القوى الحاكمة عاجزة عن بلورة موقف موحد أو إقرار إصلاحات حقيقية، الأمر الذي يُبقي مبادرات الدعم الدولي أو العربي للبنان مؤجلة ووسيلة ضغط.
التحدي التاريخي
إن الخروج من المأزق الراهن لن يتأتى إلا عبر إعادة بناء الدولة مرجعية وطنية للبنانيين، على النحو الذي يضع حداً لانفلات قوى المحاصصة، ويعيد الاعتبار لسيادة الدولة على قرارها وسلاحها ومواردها. الأمر الذي يستلزم حوارًا وطنيًا صريحًا حول مختلف القضايا، بعيدًا عن الابتزاز الخارجي وعن التوظيف الطائفي، مع إطلاق عملية إصلاح اقتصادي ـ مالي تعيد الثقة بلبنان ككيان قابل للحياة.
أما الرهان على الخارج ـ أميركيًا كان أم إيرانيًا ـ فليس سوى تمديد للأزمة.
لن يتحقق إنقاذ لبنان إلا بقراره الذاتي، وبقدرة نُخبه وقواه الديمقراطية على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة التأسيس، قبل أن يُفرض عليه حل من الخارج لا يراعي مصالحه الوطنية ومستقبل أجياله.
