يتحرك الوضع في لبنان على إيقاع المفاوضات الإيرانية الأميركية، إذ ان الأصداء الإيجابية التي سجلت في الجولة الأولى لم تبدّد مخاوف الحرب في المنطقة بانتظار جلاء الصورة في الجولة الثانية التي ستفتح فيها كل الملفات، ومنها دور الحلفاء خصوصاً “حزب الله”. وهناك سعي للاستفادة من المفاوضات لتحقيق جملة تفاهمات بين الداخل والخارج، إن عبر النقاش بين الدولة و”حزب الله” أو عبر التعامل مع الضغوط الدولية لسحب السلاح، وتجنّب ضربات إسرائيلية كبرى.
فبعد اللقاء بين الرئيس جوزف عون والنائب محمد رعد، الذي أنهى القطيعة، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى القرى الجنوبية الأمامية، لتكرّس تفاهمات في جنوب الليطاني حصراً، فيما شمال النهر يبقى معلقاً على ممانعة الحزب وشروطه، والتي استبقها نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي برفع السقف حين اعتبر أن رئيسي الجمهورية الحكومة كانا يخضعان سابقاً لإملاءات خارجية، وأنّهما يحاولان اليوم تصحيح المسار ومعالجة الأخطاء التي نتجت عن الضغوط.
يناقض هذا الموقف الحراك السياسي المتجدد في البلاد مع انطلاق التحضيرات للانتخاب، إذ أن الخطوط باتت مفتوحة بين الرئاسة الأولى و”حزب الله” وبين الرئاسة الثالثة و”الثنائي الشيعي”، حيث جاءت زيارة سلام الجنوبية، لترسم مساراً جديداً للعلاقة، من دون أن يعني ذلك تسوية للملفات الخلافية وفي مقدمها حصر السلاح شمال النهر. وإذا كان سلام قصد إبراز حضور الدولة جنوباً وأنها باتت المسؤولة عن السيادة والإنماء والإعمار، فإنه لم يتطرق إلى شمال الليطاني التي يرفض الحزب البحث فيها، وهو موقف يندرج في خانة الترقب لمسار المفاوضات.
لكن هذه التفاهمات التي أرادها سلام لتحقيق عودة الدولة الى الجنوب والبدء بإعادة الإعمار، لا تلغي المعوقات المرتبطة بالشروط الدولية، فهذا الملف الذي يعرف رئيس الحكومة أنه معلق بالتقدم في تنفيذ سحب السلاح بين الليطاني والأولي وصولاً إلى البقاع، هو أحد الشروط الأميركية الأساسية، فيما إسرائيل تمنع البناء وتقصف البيوت الجاهزة، وتواصل الضغط للتوصل إلى اتفاقات أمنية مع لبنان عبر التفاوض المباشر.
أبعد من ذلك، ينتظر لبنان ما ستقرره الولايات المتحدة بعد انتهاء مهلة شباط لإنجاز ملف السلاح. وإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تراهن على الجيش اللبناني، فإن استمرار الدعم مشروط بإنجاز المرحلة الثانية، وهو ما يفترض أن يعرضه قائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام مجلس الوزراء في جلسة مخصصة لخطة حصر السلاح شمال النهر. والأمر مرتبط أيضاً بدور الميكانيزم المقبل، وبإنجاح مؤتمر دعم الجيش في باريس في آذار المقبل، إذ أن واشنطن تشترط الانتهاء من سحب السلاح، وهو ما أبلغته لقائد الجيش خلال زيارته الأخيرة، عند طلبه مساعدة المؤسسة العسكرية. حتى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي توّج زيارته إلى لبنان بلقاء العماد رودولف هيكل، شدّد على إنجاز حصرية السلاح ليكون الدعم للجيش كاملاً، داعياً إلى استباق أي تطورات في المنطقة.
أما “حزب الله” فلا يزال يرفض قرار الحكومة سحب السلاح شمالاً، رغم القرارات التي اتخذها بتغيير قيادات أمنية، وهو وإن كان أعلن استعداده للحوار فإن اقتراحاته وفق مصادر سياسية، تشترط عدم نزع ما يعتبره أوراق قوته في “المقاومة”. وأحد الأسباب في استعداد الحزب للحوار، هو مسار المفاوضات الإيرانية الأميركية، وقد يكون محاولة للالتفاف على الضغوط الأميركية، وكسب الوقت مع استمرار التهديدات الإسرائيلية بتوسيع العمليات العسكرية.
يرفض الحزب أيضاً وفق المصادر أي صيغة تضع سلاحه تحت الرقابة، إذ يطرح مجدداً فكرة الاحتواء لكن بمفهومه الذي لا يؤدي إلى تسليمه. ويعني ذلك أنه لم يصل بعد إلى قناعة بطوي مرحلة السلاح، والاندماج في الدولة، ما ينسف أسس الحوار من أساسها؟
* نشرت بتاريخ 8 شباط 2026 في جريدة النهار
