صحف وآراء مجتمع

حقوق الفلسطينيين في لبنان: لماذا فشل “الاقتصادي” بإصدار رأيه

أديب نعمة*

الثلاثاء 2026/08/04

المجلس الاقتصادي فشل بإصدار رأيه بشأن الفلسطينيين

في الجزء الأول من هذا المقال استعرضنا كيف فشل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو هيئة استشارية دستورية تضم ممثلين عن أصحاب العمل والعمال والمهن الحرة والمجتمع المدني، في إقرار رأيه حول مبادئ تنظيم الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان، بعدما تلقى المجلس مذكرة اعتراضية من 26 صفحة وقّعها خمسة نقباء (نقيبا المحامين في بيروت وطرابلس، ونقيبا الأطباء والمهندسين في بيروت، ونقيب خبراء المحاسبة) اعترضوا فيها على مشروع الرأي الذي أعدته لجنة التنمية البشرية وحقوق الانسان في المجلس. وبيّنا في الجزء الأول المخالفات الشكلية والإجرائية التي شابت إرسال هذه المذكرة.

وفي هذا الجزء “الثاني” نتناول مضمون الاعتراضات نفسها، ونخلص إلى تقييم لمسؤولية المجلس عن هذا الفشل.

مضمون الاعتراضات 

سواء في المذكرة الاعتراضية، أو في النقاشات المباشرة داخل المجلس، كان هناك تعارض جوهري في مقاربة موضوع حقوق اللاجئين. فقد تمت مواجهة مقترح اللجنة بهواجس ومواقف مسبقة أكثر مما هي مناقشة موضوعية مستندة الى معرفة الواقع وإلى منظومة حقوق الانسان. وأبرز نقاط التعارض أتت على النحو التالي:

التوطين خطر حقيقي

وهذه صحيح، فتوطين الفلسطينيين في لبنان هو أحد الأخطار الحقيقية التي يجب ألا نتجاهلها. إلا أن المشكلة تكمن في مكان آخر:

النقطة الأولى، هو أن توجه لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، ورأي لجنة التنمية البشرية وحقوق الإنسان، أنه يجب الفصل بين التوطين بما هو منح الجنسية اللبنانية جماعياً وما يترتب عليها من حقوق خاصة باللبنانيين، وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين. اما موقف المعترضين فهو عكس ذلك تماماً، إذ يعتبرون أن منحهم أي حق يسهل حياتهم في لبنان من شأنه أن يؤدي الى التوطين ويصعّب عملية “اقتلاعهم” (وهو التعبير الذي استخدم في إحدى رسائل الاعتراض). يكتمل هذا الموقف برفض أو التحفظ على أن تتم صياغة تعريف رسمي للتوطين وللاجئ الفلسطيني في لبنان كما هو مقترح أن يأتي في القانون. فالمعترضون لا يريدون تعريف التوطين بشكل واضح، ولا تعريف اللاجئ الفلسطيني في لبنان الذي يستفيد من الحقوق التي يفترض أن يتضمنها مشروع القانون قيد الإعداد، بل يفضلون الإبقاء على الوضع الضبابي كما هو حالياً، مع ما يرتب على ذلك من إشكاليات قانونية وتشريعية وعملية.

النقطة الثانية، تتمثل في أن المعترضين تكاد تنحصر ذرائعهم في مسألة التوطين التي يعبرون عنها بلغة الهواجس المحكومة بخطاب الحرب بين 1975 و1982، كأن لم تحصل أي تطورات خلال ثلاثة عقود تلت. فما سمعناه في المناقشات المباشرة منفصل تماما عن الواقع. اما في حقيقة الأمر فهو أن التوطين خطر وارد باعتباره أحد عناصر المشاريع الإقليمية لحل/تصفية القضية الفلسطينية، وأصحاب هذه المشاريع هم الولايات المتحدة الأميركية ودولة إسرائيل ومن يدعمهما، والمعركة ضد التوطين هي معركة ضد هؤلاء، وساحتها هي الديبلوماسية والسياسة الخارجية. اما المعترضون على تسهيل حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وكثير منهم متعاطفون مع التوجهات الأميركية، فهم يتجنبون المواجهة الحقيقية الديبلوماسية ويحولونها إلى معركة ضد حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

حقوق اللبنانيين قبل حقوق الفلسطينيين

يبدو أن ثقافة حقوق الإنسان شديدة الضعف بما في ذلك بين النخب (من ضمنهم الحقوقيون) الذين يفترض أن يكونوا أكثر اطلاعاً وتجاوباً معها. فعندما كنا نوضح أن هناك قوانين وممارسات تنتهك بشكل واضح حقوق الإنسان الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، مثل حرمانهم من ملكية عقارات (القانون 296/2001) الذي سنّ بشكل متأخر والذي يحرم اللاجئين الفلسطينيين حصراً من حق الملكية بسبب جنسيتهم خلافاً لكل الأجانب الآخرين؛ أو منعهم من إنشاء الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والنقابات بشكل نظامي، أو تعقيد هذه العملية (وهما من الحقوق الاجتماعية الصريحة)، فإن الجواب على الرأي كان على النحو التالي: إذا كان اللبنانيون لا يتمتعون بحقوقهم، فهل علينا أن نهتم بحقوق الفلسطينيين؟! كأن حصول أي شخص أو فئة على حقوقها يعني انتقاصاً من حقوق أشخاص أو فئات أخرى. وهذا جهل مطبق بثقافة حقوق الإنسان. كما تبين من النقاشات في الجمعية العامة للمجلس، أن بعض الزملاء لا يعيرون أي أهمية لفكرة انتهاك حقوق الإنسان هي فكرة تستدعي التوقف عندها من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي انبثقت فكرة إنشائه ووظيفته أصلاً من ثقافة حقوق الإنسان والحوار الاجتماعي.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي

تجاهل المعترضون بشكل كامل تقريباً فكرة الأثر الاقتصادي والاجتماعي لتنظيم الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين عليهم وعلى لبنان. وفي حين ان كل الدلائل والدراسات السابقة ورأي لجنة التنمية البشرية وحقوق الانسان قد أكد أن المحصلة العامة للأثار الاقتصادية والاجتماعية هي إيجابية، وهي نقطة أساسية في طلب الرأي ووظيفة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تم تجاهل هذا الموضوع كلياً واقتصر التركيز على مسألة التوطين ومتفرعاته. وهذا أيضاً موضع استغراب على الأقل.

هل المجلس مسؤول أيضاً عن هذا الفشل؟

فشل المجلس الاقتصادي الاجتماعي إذن في إصدار الرأي، وطار النصاب وبقي التعارض في وجهات النظر عميقاً وحاداً. إلا أنه لا يمكننا الجزم أن سبب الفشل هو توزع توجهات أعضاء المجلس على مروحة الآراء المتعارضة او المتباينة. فما كان سائداً هو سجال بين اللجنة التي أعدت الرأي من جهة، وبين معترضين لأسباب سياسية من جهة أخرى، والأصوات الأخرى بقيت غير مسموعة بسبب آليات النقاش وآليات عمل المجلس.

أما التركيز الأكبر لرئيس المجلس والمكتب فقد كان على محاولة الضغط من اجل التوصل الى توفيق شكلي على نص يُعرض على التصويت في الجلسة الأخيرة. والصياغة المقترحة ضعيفة ولا تلحظ مقاربة الحقوق، بل هي محاولة إنشائية لا أكثر يراد منها الحصول على أغلبية تصوّت لصالحها من أجل إرسالها إلى أصحاب الطلب، وهي نص ضعيف ومتخلف عن موقف لجنة الحوار وعن المواقف المتضمنة في الوثائق المعتمدة من قبل الحكومة أو اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان، وهي بالتأكيد ليست ذات فائدة من الناحية العملية.

لا يجب نسب هذا الفشل كله إلى التعارض في وجهات النظر، فذلك من طبيعة الأمور، وسوف تكون هناك مواجهات داخل المجلس أكثر حدة وصعوبة في مسائل أخرى إذا ناقش الفجوة المالية وإصلاح المصارف مثلاً؛ أو إصلاح التعليم الخاص وحقوق المعلمين ولجان الأهل؛ أو قضية الاستشفاء…الخ. فجانب رئيسي من الفشل سببه القصور في آليات الحوار الداخلي في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والإدارة التقليدية للاجتماعات والمناقشات، والسعي للتوفيق الشكلي على حساب الحوار التفاعلي.

في هذه الصدد، فإن رئاسة المجلس والمكتب يردون على مطالبة بعض الزملاء (غالباً من الذين انضموا حديثاً الى المجلس) بوضع آليات واضحة للمناقشة، بأن كل شيء موجود في النظام الداخلي. وطالما بقي الوضع على حاله، فإن المجلس لن يستطيع القيام بدوره بل إنه على الأرجح سيتحول إلى صورة باهتة ومشوهة عن المجلس النيابي وطريقة عمله، وسوف يعجز عن القيام بوظيفته المطلوبة.

فما يلزم على المجلس القيام به بالحد الأدنى  هو ما يلي:

أولاً، تحديد الإطار المرجعي للمواقف المستندة حكماً إلى الدستور، وإلى منظومة حقوق الإنسان والتزامات لبنان في هذا الإطار، وإلى المعرفة العلمية لموضوع البحث. فمن شأن هذا أن يضبط الحوار ضمن قواعد مرجعية لجهة المضمون؛

ثانياً، وضع آلية وإجراءات واضحة وشفافة تسمح بالحوار المنتج داخل المجلس؛ مثل: إحالة كل موضوع إلى اللجنة المعنية (أو أكثر)؛ توزيع المسودات والمشاريع التي تعدها اللجان المكلفة على الأعضاء قبل وقت كاف؛ إعطاء الأولوية في العرض والمناقشات ولاحقاً في التصويت على المشاريع المعدة من قبل اللجنة أو اللجان المكلفة؛ التحول من السجال المتفلت الذي يعطي أفضلية لمن صوته أعلى، إلى نوع من المناقشة على أساس مجموعات الأفكار المتشابهة، وتنظيم ما يشبه “المناظرات المحدودة” حول النقاط الخلافية يسبق الإقرار النهائي…الخ.

يفترض في تشكيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في عضويته الجديدة أن يكون خطوة مؤسسية على طريق الإصلاح في لبنان. فإذا لم يتم التحول إلى أداء أكثر موضوعية وعلمية، وإلى إدارة أكثر فعالية للحوار المجتمعي داخل المجلس، فإن هذا الأخير قد يتحول الى مؤسسة إضافية على هامش الإصلاح في لبنان، وربما إلى مؤسسة معيقة للإصلاح وإنفاذ حقوق الإنسان.

إن أولى واجباتنا، كأعضاء في المجلس، وكمواطنين، هو حماية الدور الحواري والإصلاحي للمجلس، ولو اقتضى ذلك النقد والتنبيه إلى أوجه القصور القائمة في النصوص أو في الممارسة الحالية.

*نشر المقال على موقع المدن الالكتروني تاريخ 4 آب 2026