الدكتور بول طبر
نشر المقال في “النهار – استراليا” بتاريخ ۲۷ تموز ۲۰۱۷
مع صدور قانون الانتخابات الجديد في لبنان عادت قضية مشاركة اللبنانيين المنتشرين في اصقاع العالم في الانتخابات النيابية لتحتل موقعا بارزا في السجال السياسي، أكان ذلك في لبنان ام في المهجر. والآراء حول هذا الموضوع متشعبة ومتنوعة. ما أود فعله بداية هو تصنيف هذه الآراء، ومن ثم إبداء الرأي فيها.
يبدو لي انه يمكن القول بوجود ثلاثة اتجاهات في النقاش الدائر حول هذا الموضوع، أولها ينكر على اللبنانيين في الخارج حق التصويت بحجة انهم يستقرون خارج لبنان، وبالتالي لا يحق لهم المشاركة في تقرير انتخاب نواب الشعب في الداخل اللبناني. والثاني، ينطلق من إقرار هذا الحق، وليس انكاره كما الاتجاه الأول، ما دام المهاجر يقوم بممارسته عن طريق الالتحاق بالدائرة الانتخابية التي يتحدر منها. هكذا يتم منح المهاجر حق التصويت شرط ان يدلي بصوته في مسقط رأسه، كما هو وارد في سجله الرسمي في لبنان. اما الاتجاه الثالث والأخير ، فانه يقوم على الاعتراف بحق المهاجر اللبناني في التصويت خلال الانتخابات العام ولكن ضمن دوائر انتخابية مستقلة تعود إلى البلد أو القارة التي يتواجد فيها هذا المهاجر شرط ان يكون حاملا للجنسية اللبنانية بناء على هذا التصنيف أسارع الى القول: ان الاتجاه الأول غير مقبول لانه يسقط بالكامل حقيقة ان المهاجرين، أو قسما كبيرا منهم، لا يقطعون علاقتهم بوطنهم لبنان على الصعيد العائلي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وان هذه العلاقة تشكل تعبيرا ماديا لاستمرار إرتباطهم بوطنهم الأم، الأمر الذي يمنحهم الحق في المشاركة في الحياة السياسية اللبنانية. هذا من حيث المبدأ، لكن هذا الحق المبدئي لا يوضح بالضرورة نوع هذه المشاركة ولا حجمها. دعونا نصف الواقع أولاً: كل من يطلع على تاريخ الهجرة اللبنانية يدرك دون أدنى شك ان المهاجرين، بل البعض منهم على الأقل، لم يقطع علاقته السياسية بلبنان (سوف نحضر الكلام على العلاقات السياسية لارتباطه بالموضوع قيد البحث). فمنذ نشؤ لبنان الكبير كان للمهاجرين الباع الطويل في المطالبة به وحتى في كتابة تاريخ هذا لكيان الناشئ وتقديم المذكرات للمؤتمرات الدولية التي كانت مخصصة لنقاش المستقبل السياسي لما عرف لاحقا بدول المشرق العربي. ولم يتوان المهاجر اللبناني خلال الحربين الأولى والثانية، وفي السنوات اللاحقة لهما وصولا الى يومنا هذا، عن تشكيل التنظيمات السياسية تحت مسميات عدة للتواصل سياسيا مع الأحزاب والزعامات التي حكمت لبنان أو انها سعت لحكمه مواقع المعارضة. وفي الوقت الراهن، نجد ان كل حزب أو زعيم في لبنان له امتداده في المهجر، الأمر الذي يتجسد بقيام مجموعات حزبية ودينية – سياسية وعائلية – سياسية، إضافة الى المثقفين والأكاديميين والفنانين.. الخ، والذي يتمحور جزءا من عملهم حول وطنهم الأصلي لبنان.
هذا وصف مقتضب ومكثف لعلاقة المهاجر اللبناني بلبنان تاريخيا وحاضرا. وما ينبغي أن يترتب على هذا الأمر على الأقل، هو ان يعطي المشرّع اللبناني للمهاجر حق المشاركة في الانتخابات النيابية في لبنان إعترافا له بالاهتمام المادي والمعنوي الذي يبديه بالشأن السياسي في وطنه الأصلي لبنان. وفي المقابل، ان حجم ووزن المشاركة هذه لا يجوز ان يساويا حجم ووزن مشاركة المقيمين، كما يرغب بذلك الداعين إلى إلحاق المنتخب المهاجر بالدائرة الانتخابية التي ينتمي اليها أو يتحدر منها وفق لوائح الشطب، والإدلاء بصوته بالتساوي مع المنتخب المقيم في وطنه. وذلك ان المقيم يخضع بالكامل الى الظروف التي تتواجد في لبنان، ويساهم وفق موقعه في صناعة تلك الظروف ومن ضمنها دفع الضرائب المتوجبة عليه، اما المهاجر ، فهو لا يخضع للظروف نفسها ولا يساهم بالمستوى نفسه في تلك الظروف كما ان هذه الظروف لا تحدد فرص حياته وحياة عائلته. فهو، إضافة الى تأثره الجزئي بما يدور في وطنه الام واهتمامه بالقضايا العامة المتعلقة بذلك الوطن، إلا أن حياة ومستقبل أولاده يتوقفان أساسا على البلد الذي يستقر فيه في الخارج. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن ندعو ونؤيد المبدأ الداعي الى تمثيل المهاجرين بصورة مستقلة عن الدوائر التي تحدد الخارطة الانتخابية في لبنان، وان لا يكون وزن هذا التمثيل متساو مع وزن المقترعين المقيمين في لبنان، أقله نظراً للتفاوت في حجم ومستوى واجبات كلا الطرفين.
أما تعيين عدد المقاعد التي تمثل هذه الدوائر، فينبغي ان يخضع بدوره الى عدد الذين يحق لهم الاقتراع في المهجر، على ان يزيد عدد المقاعد أو ينقص، أو حتى يبقى على حاله، حسب تزايد أو تناقص عدد المسجلين للاقتراع والدعوة الى تأييد الدوائر المستقلة للاغتراب لا تجد مبررها فقط في الاختلاف بين ظروف بلد الإقامة وظروف الوطن الأصلي، إذ ان منطلق الاهتمام بلبنان لدى المقيم يختلف عما هو لدى المهاجر ، بل أيضا تجد الدوائر المستقلة للاغتراب مبرره الإضافي في كون المشاكل والقضايا التي يواجهها المهاجر في البلاد التي يستقر فيها تختلف هي أيضا عن تلك التي يواجهها المقيم على هذا الأساس، ندعو لتأييد قيام الدوائر المستقلة للمهاجرين في الخارج بالدرجة الأولى، والى عدم إعطائها الوزن الانتخابي أو التمثيلي نفسه للدوائر الموجودة في لبنان، لان المقيم بالأساس معني مباشرة بالسياسة في لبنان ، لا سيما المتعلق منها بحياته اليومية، أما المهاجر فان المدخل لاهتمامه بالسياسة في لبنان هو ذات طابع وطني عام، مع إضافة إحتمال اهتمامه بما يعود الى الخدمات الخاصة المتعلقة بشؤون الأحوال الشخصية والحفاظ على الجنسية ونقل الملكية الخ.
أما وقد أقر مبدأ الدوائر المستقلة والمنخفضة للوزن التمثيلي قياسا على الدوائر في لبنان، فما ينبغي العمل عليه الآن هو التمسك بهذا المبدأ واعتباره مكسبا تاريخيا للانتشار اللبناني ينبغي التمسك به والعمل على محورين الأول التأكيد على حقنا بالمطالبة بزيادة المقاعد المخصصة للمهاجرين بالتناسب مع زيادة عدد المقترعين في الخارج شرط ان يبقى الوزن التمثيلي أقل مما هو عليه في الوطن الام للاعتبارات المذكورة أعلاه، وثانيا، دعوة المهاجرين للتحضير لخوض المعركة الانتخابية القادمة بشقيها اللبناني والاغترابي: أما في الملف اللبناني فالشعار الاستراتيجي هو السعي مع القوى المعنية في لبنان لبناء نظام ديموقراطي علماني يقوم على قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية والمصلحة العامة (وحجتنا كلبنانيين أستراليين لتبني هذا الشعار هي تجربة العيش في استراليا، البلد العلماني الديموقراطي الذي يوفر لمواطنيه نسبة عالية من العدالة الاجتماعية ويلبي المصلحة العامة بكفاءة عالية بعيدا عن الفساد والمحسوبية والاعتبارات الطائفية الخ). وفي الملف الاغترابي في استراليا، ينبغي إطلاق ورشة العمل لصياغة برنامج انتخابي يقوم على تطوير العلاقة بين لبنان وأستراليا بما يخدم مصلحة البلدين والشعبين الاسترالي واللبناني على الصعيد الاقتصادي والتنموي والسياسي والثقافي والاجتماعي. أما التفصيل في هذا البرنامج فينبغي ان يكون نتيجة لورشات عمل واجتماعات عديدة مع جميع الفئات التي تتكون منها الجالية اللبنانية. ويمكن ان يدعو الى هذه الخطوات من يتبنى هذه الرؤية، أكان مجموعة أفراد أم تنظيمات للتشاور واستخلاص البرنامج التفصيلي فيما يخص الملف الاغترابي اللبناني – الأسترالي.
