* جهاد الزين
المشهدان لا يحتملان الالتباس: هزيمة ساحقة لمصر عبدالناصر عام 1967 وهزيمة ماحقة لإيران الخمينية أعوام 2023 و24 و25، من رأسها في طهران إلى فروعها في لبنان وسوريا واليمن.
ارتدادات الهزيمة الثانية كما الأولى عنت ويجب أن تعني أنها هزيمة التخلف ضد التقدم وهزيمة الاستبداد ضد الديموقراطية، لكن الهزيمة الثانية هي هزيمة الفكر الغيبي بصورة خاصة.
لن تخرج المنطقة من هول هذه الهزيمة دون تغيير ونقد وإعادة نظر تطال كل شيء. البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكن الأهم من كل ذلك، البنية الحضارية للمنطقة. كلمة هزيمة حضارية تثير استفزازنا، نحن الكثر المتمسكين ثقافيا وتاريخيا بالإرث الغني المتجاوَز لمنطقتنا والمنتمي إلى حضارة سابقة. ولكن “حضاري” هنا ترتبط بحقائق العصر، وتُختصَر بحقيقة التفوق الحضاري الغربي الذي حتّم الهزائم المتلاحقة منذ مئتي عام على الأقل.
إسرائيل جزء لا يتجزأ من هذا الغرب وتَوحُّش يمينها العنصري ضد الشعب الفلسطيني يعكس الحداثة المتوحشة المستندة في آخر مظاهر التفوق على التكنولوجيا العالية.
هل آن أوان الاستسلام أمام هذه الغَلَبات، بل الهزائم المتكررة كما فعل اليابانيون بعد خسارتهم المدوّية في الحرب العالمية الثانية؟
الشحنة الإنسانية العميقة التي تنطوي عليها نضالات الشعب الفلسطيني، هل تستطيع أن تعتمد على الدعم الواسع للرأي العام الغربي والمتزايد لهذه النضالات، أم أن توحش الحداثة سيذهب سُدى بهذا الدعم؟ هذا سؤال سياسي كبير في القرن الحادي والعشرين، وهو في الحقيقة مستمر بأشكال مختلفة منذ القرن التاسع عشر فالقرن العشرين. الفرق الآن أنه يأتي بعد تجربة وخيمة للإسلام الأصولي.
كانت هزيمة 67 إعلانا عن خسارة الوطنية العروبية أمام الديموقراطية الغربية، لكنها لم تؤدِّ إلى استعادة الليبراليات العربية في مصر وسوريا والعراق التي ميزّت النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن تقضي عليها الأنظمة العسكرية الاستبدادية، فماذا ستفعل هزيمة الإسلام السياسي الأصولي في أعوام 23-24-2025؟ وأيّ ارتدادات فكرية ستجيب عنها نخب المنطقة؟
ما زلنا في الصفحة الأولى من المرحلة الجديدة، ومن المبكر بدء تقصّي معالم هذه المرحلة التي لم يقف أصحابها معترفين بعمق الهزيمة على الأقل، كما فعل الرئيس عبد الناصر في ذلك الاعتراف الصريح بالمسؤولية عن الخسارة، حتى لو سمّيت تسمية مخفّفة بالنكسة بدل الهزيمة. الآن يجري استبدال الهزيمة بتعبير “الخديعة”، ولا يُخدع إلا المتخلفون.
هل يكون لبنان رغم تعقيداته الداخلية أول المستفيدين من استعادة التيار الليبرالي الغربي لريادته في المنطقة بسبب قابليات نسيجه الغربي ولاسيما في التعليم؟ فقد سقطت الدولة سابقا في لبنان ولم يسقط النظام التعليمي ومكتسباته في الاستشفاء والسياحة والفنون، بينما انحطّ القطاع العام وكادت تضمحل إنجازات المرحلة الشهابية في بناء المؤسسات.
من أين ننتظر بدء ارتدادات المرحلة الجديدة التي تنقل المنطقة؟
من توسّع اتفاقات السلام مع إسرائيل مع تابووات أقل، أو من احتجاب قوى الإسلام السياسي الأصولي وارتدادها الثقافي إلى العتمة الحضارية؟ أو من سريان مدرسة “اقتصادوية” تعتمد علاقة غير ملتبسة بالغرب وتقودها فئات جديدة من الدياسبورا العربية مبنية على سلام غير مسمَّم لا يفتقد التسوية العادلة للقضية الفلسطينية وعمادها حل الدولتين؟
المعيار الوحيد بعد تضافر الهزيمتين وكأنهما تحدثان في زمن واحد، هو في الواقع زمن حضاري واحد، هو تقدم شعوب المنطقة ورخاؤها وانتقالها إلى حرية تفكير وحداثة عيش متلازمَتين؟
لا نزال الآن تحت وقع طبول الهزيمتين وكأن هزيمة 23-24-2025 تجدد هزيمة 67 وتطرحها جزءا من تحديات راهنة ضد الاستبداد والتخلف.
يشغلني دائما الدور الذي تستطيع الدياسبورا العربية، ومنها اللبنانية، نقلنا من خلاله إلى مرحلة القبول المشرِّف بحقائق العصر ضد الإيديولوجيات الإنكارية المهزومة التي تكاد تتحول إلى نفايات مكدّسة من القرن العشرين على أرصفة القرن الحادي والعشرين.
* نشرت في جريدة النهار بتايخ 1 تموز 2025
