في زمن التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة -تبدلات في خرائط النفوذ، انهيار المحاور- يبدو أصحاب القرار في لبنان وكأنهم فقدوا القدرة، أو الرغبة، في تحديد موقع البلد. هم يتخبّطون، لا في صوغ سياسة خارجية، بل في العثور على “وجه” للبنان نفسه. أي لبنان يمكن أن يكون؟ وأي لبنان ما زال ممكنًا؟ هذا التخبّط لا يُترجم في الخطاب فحسب، بل يتجسّد في بنية الحكم نفسها. فلم يعد السؤال “من يحكم هذا البلد؟” مجرّد إشارة إلى أزمة مؤسساتية، بل أصبح عنوانًا لسؤال أعمق: هل يُحكم هذا البلد أصلًا؟ وهل بقيت فيه سلطة تُنتج معنى، أو مشروع، أو أفق؟
لبنان لا يُحكم، بل يُدار
الرئاسة تنتظر توافقًا يأتي بالبريد، أو ربما على متن طائرة مبعوث دولي. الحكومات تُخاض ولادتها في العتمة، وفق تسويات ظرفية، لا برامج واضحة. البرلمان أشبه بساحة لتصفية الحسابات الطائفية، لا بمصنع تشريعات يخاطب الناس. أما الأحزاب، فلا تراهن على مستقبل وطني جامع، بل على انهيار الدولة لتكريس سلطاتها المناطقية. في هذا المشهد، لم يعد المواطن خارج اللعبة. بل صار جزءًا منها: يراهن على تحويلة مالية، على تأشيرة سفر، على “واسطة” تنتشله من طارئ جديد.
لذا، لبنان لا يُحكم، بل يُدار. يُدار كما تُدار المقامرات في كازينو مفتوح: لاعبون كثيرون، قواعد غائبة، والحظ هو سيد الموقف. لا رؤية، لا مركز قرار، لا خطة ولا مسار. فقط إدارة يومية للأزمة، أو تأجيل مستمر للانفجار..
يكفي أن يشير رئيس البرلمان إلى الجذور اللبنانية لمبعوثٍ أميركي عابر، حتى نتوهّم أن التعاطف الدولي سيتدفّق علينا من باب الحنين العائلي. يكفي أن يزور رئيس الجمهورية ما دائرةً عامة، حتى يتبخّر الفساد من جدرانها، ويستقيم الضمير الإداري، وتُفتّح ملفات المواطنين كأن الملائكة نفسها تراجعها. ويكفي أن يخرج رئيس الحكومة في مقابلةٍ تلفزيونية ليتحدث عن ضرورة “تطبيق الطائف”، حتى ينتفض الدستور من سباته، ويبدأ المسؤولون بترجمة بنوده في نومهم. أما أموال المودعين؟ فهي في طريقها إلى الحسابات! تحتاج فقط إلى دعوة مخلصة في البيان الوزاري، وربما أن تُرفق برشّة بخور بيروقراطية.
البقاء مسألة حظ، لا حق
هكذا تُدار الدولة: بالنوايا الحسنة، بالتصريحات، وبالكاميرات. ما الحاجة إلى خطط أو قوانين أو محاسبة، ما دام هناك “إرادة” تُعلَن على الهواء مباشرة؟ في الظاهر، لدينا رؤساء، وزارات، مؤسسات. لكن في العمق، كل شيء هشّ، مرتجل، يتكئ على مؤقتٍ لا ينتهي. إدارة غائبة، رقابة معطّلة، وشلل مزمن يُغلفه إنكار جماعي. والكل يتصرف، من رأس الهرم إلى المواطن، وكأن البقاء مسألة حظ، لا حق.
ليست المراهنة هنا مجازًا بل واقعًا ذهنيًا: طريقة تفكير تتحكم بآلية اتخاذ القرار. لا تُبنى السياسات، بل تُرتجل بحسب الظرف. كل شيء يتحرك فوق أرض رخوة من “الربما” و”اللاحسم”، حيث لا معنى للثبات، ولا جدوى من التخطيط. كل فريق يراهن على تغيّر إقليمي، على تبدّل في موازين القوة، على لحظة ضعف عند خصمه. حتى الإصلاح، حين يُطرح، يُستعمل كورقة تفاوض، لا كضرورة وجودية.
الاقتصاد؟ ليس أقل عبثية. هو الآخر محكوم بمنطق المراهنة: على تحويلات المغتربين، على مساعدات مشروطة، على هبات آنية. غياب التخطيط ليس تقصيرًا فقط، بل خيارًا مقصودًا: ارتجال ممسوك يحفظ مراكز النفوذ، ويمنع ولادة أي نظام بديل. نحن في كيان هشّ، يعيش على تخوم الفوضى. مشهد يتقاطع مع ما تخيّله جان بول سارتر في “الغثيان”؛ عبث يتسرب إلى كل تفصيل، وانعدام معنى يتسلل إلى نسيج الحياة اليومية، وانفصال الذات عن أي مشروع جماعي.
السقوط مسألة وقت
لبنان لا ينقصه الرجال-الزعماء، المتصدرون، أصحاب النفوذ والبلاغة. لكنه يفتقر إلى أن يؤمن هؤلاء بالمؤسسات: البنية التي تعطي للسلطة معناها، وتحوّل القرار إلى فعلٍ عام لا نزوة خاصة. في غياب المؤسسات، يبقى كل شيء قابلًا للانهيار، وكل مبادرة محكومة بالفشل. “لا شيء ممكن من دون الرجال، لكن لا شيء مستدام من دون المؤسسات”، قال يوماً جان مونيه، واضع أسس الاتحاد الأوروبي.
الدولة ليست طاولة حظ، بل مساحة عقلانية تُنظَّم فيها المصالح والتطلعات. لا نحتاج إلى أبطال، بل إلى اتفاق على معنى الدولة، وعلى ضرورة إعادة الاعتبار للفعل المؤسساتي، كشرطٍ لأي نهوض. فحين تصبح المراهنة نظام حكم، يصبح السقوط مسألة وقت.. لا مجرد احتمال.
* نشرت على موقع المدن بتاريخ 12 تموز 2025
