ثقافة • صحف وآراء

حفظُ الكرامة والمعنى

 *  عقل العويط

أنْ تكون وراء الصورة، أنْ تنصِت إلى غيمة، إلى هسيس المطر، إلى الرذاذ، إلى جسدكَ الباطن، إلى تغيّر الأمزجة، إلى العقل والطبيعة مطلقًا؛ فهذا لممّا يمدّ بعافيةٍ أنيقة، ويعفي من صغائر وكوابيس وضغائن جمّة.

أنْ “يؤمن” الكائن بأنّ أمورًا نافلة ومتواضعة كهذه، وعلى طريقة المثول الصباحيّ أمام الذات، أم فنجان قهوة، أمام كتاب ومكتبة، أو من مثل الاغتباط لمجالسة كوبر، والافتتان بافترارٍ غامضٍ على وجه امرأةٍ عابرة، والانخراط في موسيقى الكون؛ لهو “إيمانٌ” من شأنه أنْ يدرّ، في عصر البذاءة الرقميّة، مكافآتٍ ليس ثمّة في اعتقادي ما يوازيها.

لا يستحقّ أحدُنا جائزة نوبل بسببٍ من ذلك طبعًا، لكنْ من المشرّف حقًّا أنْ يظلّ المرء يلقي ضوءًا على حياةٍ تستحقّ أنْ تُعاش، ولو بنزرها القليل، فلا تبقى معلّقةً وممنوعةًَ إلى أجلٍ غير مسمّى. علمًا أنّه ليس قادرًا على استعادة مفهوم الأمان المادّيّ والمعنويّ، ولا أنْ ينعم بكرامة الدولة والقانون والعدالة، ولا حتّى بأنْ يتقاعد.

من المفجع أنّ يكون كلّ انخراطٍ في الشأن العامّ سببًا من أسباب المهانة، وكيف أنّ من أثمان ممارسة ذلك في البلاد الشرقيّة، ولبناننا، عمومًا، أنْ يتضرّج جبين المرء بأشكال شتّى من اللّاجدوى والعار والفشل، وأنْ توصم صورته، وتتلطّخ، كصفحة مرآةٍ في مستنقعٍ آسن.

كيف أنّ مواضيع “عاديّة” و”بدائيّة” للغاية، لا تزال بدون حلول، وقد تظلّ كذلك إلى آجال، أو إلى الأبد. من مثل أن لا يُعثَر على حلٍّ للكهرباء، للنفايات، لمشكلة السير، للمياه، للضمان الاجتماعيّ، لرئاسة مجلس النوّاب، وأنْ لا يُزَجّ بمرتكبٍ في سجن، ولا يستعيد مودعون أموالهم، ولا ينكشف نقابٌ عن خفايا تفجير المرفأ، ولا يُسدَل ستارٌ نهائيٌّ على سلاحٍ مقيتٍ وإرهابيّ، وعلى دويلةٍ فوق الدولة، ولا على إيجاد حلٍّ نهائيٍّ لجنوبٍ وزيتونٍ عالقَين تحت المقصلة، ولا حتّى على معالجة مترتّبات انتهاء مهمّة “اليونيفيل” قريبًا.

هل يجب أنْ ينخرط أحدنا في اللعبة الشنيعة، في الهزل، في البروباغندا، في عالم البزنس السفيه، في الدعارة المعنويّة، فيتحوّل إلى عاهر، إلى خادم، إلى كراكوز، لكي يقطف “الاحترام” في عالم الماركتينغ الهابط؟

مرتا مرتا، أنتِ مهتمّةٌ بأمورٍ كثيرة، والمطلوب هو واحد. دائمًا هو واحد: أنْ تحمي في نفسكَ منطقةً لا تبلغها المهانة العامّة تمامًا، وهذه ليست عزلةً عن العالم، بل طريقةٌ للإقامة فيه، من دون الاستسلام الكامل لقبحه. لا طلبًا لسعادةٍ مستحيلة، بل لعافيةٍ أنيقة في عالمٍ يعتدي على إمكان الحياة نفسها، ويجعل أبسط شروطها موضع نزاعٍ دائم. هذا المُدرَج أعلاه، ليس يأسًا، بل ازدراءٌ متكامل لنظامٍ يعجز عن تأمين الحدّ الأدنى، فيما يستهلك حياةَ الناس وكرامتهم، وينقل الإخفاق من مستوى الأداء السياسيّ إلى مستوى التجربة الأخلاقيّة للإنسان. فليس الفشل أنّ الدولة لا تعمل وحسب؛ الفشل أنّ الخروج عليها، أو الانسحاب منها، أو العيش في ظلّها، والمشاركة في شؤونها، قد تصير مصدرًا للعار. إنّه سؤال عن الثمن الذي ينبغي للإنسان أنْ يدفعه لكي يحصل على لقمة عيش، والحقّ في الكرامة. فهل عليه أن يتخلّى عن روحه،  ويتحوّل إلى قوّاد، ويمثّل دورًا لا يشبهه، ويدخل سوق الاستعراض، حيث يلتقي خراب المجال العامّ بخراب المجال الثقافيّ والإعلاميّ، ويصبح السؤال موجّهًا إلينا جميعًا، لا إلى السياسيّين وحدهم. ما الذي يبقى، في نهاية المطاف، إذا جرّدنا الحياة من ضجيجها السياسيّ والإعلاميّ والتجاريّ؟ ما الذي يستحقّ أن نحميه من كلّ هذا العبث، سوى حفظ الكرامة والمعنى من التلوّث والانحطاط والمهانة؟!

* تم النشر بتاريخ 19 تشرين الاول 2026  في جريدة النهار