سياسة • صحف وآراء

العراق: فصول مسرحيّة مبتذلة

* أحمد سعداوي

تتحرّك الأحداث على “مسرح” العراق بصورة تبدو متوقّعة لكثيرين؛ فمن يشغل أعلى سلطة في البلد لم يقدّم خلال 150 يوماً على توليه المنصب أي دليل على أن حكومته جادّة في معالجة الأزمات التي يعرفها الجميع، أو حلّ أي ملفّ حسّاس من الملفّات التي استمرّت الحكومات السابقة في ركلها إلى الأمام، ولا يبدو أن حكومة علي الزيدي ستغيّر هذا النهج، بل إنها تسير على منوال من سبق حذو القذّة بالقذّة، وعلى رأس ذلك: الارتجال والتخبّط، والدفاع عن مصالح الطبقة السياسية أولاً، ثم محاولة ترويض الشارع ثانياً.

من يراقب بانفعال وتوتّر التداعيات الجارية خلال الأسبوع الماضي ربما يُصاب بالغمّ والهمّ وتكدّر البال، ولكن من ينظر ببرود سيرى بوضوح أنها خشبة مسرح فعليّة؛ هناك ممثلون، ومخرج يقف خلف الكواليس يتابع أداء ممثليه الذين لقّنهم الأدوار، وهناك فصول للمسرحية تتوالى.

حكومة الزيدي ترفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، ما أدّى مباشرة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وذلك كله من أجل توفير “دنانير” أكثر لدفع مرتبات الموظفين، ولكن الزيدي نفسه يعلن عن تخصيص أموال لـ 150 ألف درجة وظيفية جديدة. طيّب!.. الدنانير المتوفّرة من ضرب السوق بقسوة وخفض القوّة الشرائية عند المواطن البسيط، هل تذهب لسدّ العجز الموجود أم لدفع رواتب لموظفين جُدد من أجل رشوة الشارع الغاضب، أو الذي يُحتمل أن يغضب أكثر في الأسابيع القادمة؟

وإذا كان مسعى ضبط الدولارات داخل البلد جاداً، وتقليل الاستيراد ومحاولة تنشيط الصناعات والإنتاج المحلّي. فهل يأتي هذا بكبسة زرّ يا رئيس الوزراء؟ عن أي إنتاج محلّي تتحدّث يا رجل؟ ثم أنت تريد “حصر الدولار” داخل البلد، وفي الأسبوع نفسه لكلامك، هناك عمليات مستمرة لتهريب الدولار إلى إيران، وعملة عراقية مزوّرة في إيران تدخل السوق العراقية (48 مليوناً و500 ألف دينار عراقي مزيّف تم ضبطها عند معبر الشيب الحدودي في محافظة ميسان).

يضع قادة “الإطار التنسيقي” الزيدي على خشبة المسرح أمام الجمهور، معرّضين إياه لتلقّي البيض والطماطم الفاسدة على وجهه، بينما يجلسون باسترخاء تام في الكواليس المعتمة. وعلى جانب من خشبة المسرح، يقف النائب السابق، حسين عرب،  ليقول إن بعض أحزاب الإطار الشيعي كانت تعلم بقرار خفض قيمة الدينار أمام الدولار منذ أسبوع، واشترت لذلك كميات كبيرة من الدولار، ثم باعته بعد ارتفاع سعره المفاجئ؛ أي أنها قامت بالتربّح من المضاربة غير المشروعة. من المؤكد أن الزيدي سمع هذا الكلام، ولكنه لن يفعل شيئاً، فالممثل لا يتجرّأ على مواجهة “المخرج”.

وعلى منوال الحكومات السابقة، ليست المناصب في حكومة الزيدي لخدمة المواطن، وإنما عناوين لمغانم سياسية تتوزّع بين الأحزاب؛ ففي هذا الأسبوع الصاخب نفسه، وعلى وقع احتجاجات في محافظات عديدة على تخفيض القوّة الشرائية للعملة العراقية بما يعادل 14.5%، وبالضد من سياسات التقشّف المزعومة، أعلنت الحكومة عن “استحداث” وزارات جديدة، منها “وزارة الذكاء الاصطناعي”، بالإضافة إلى شائعات عن استحداث مناصب لأربعة نوّاب لرئيس الوزراء. وصرّحت جهة سياسية عن مرشّحها الأقوى لواحد من هذه المناصب الأربعة بأن نائب رئيس الوزراء سيعوّض نقص الخبرة السياسية للزيدي!

طيّب… لماذا لم تأتوا منذ البداية بشخص لديه خبرة سياسيّة؟! الجواب الممكن طبعاً: أن شخصاً لديه خبرة سياسية ربما سيطمع بأن يتمرّد ويتخيّل نفسه “زعيماً” علينا. كما أن شخصاً بهذه الإمكانات المحدودة، بعد أن تتلطّخ بدلته بالطماطم والبيض الفاسد، يمكن أن نجد بديلاً عنه بسهولة، ونعصب الفشل في حلّ المشكلات برأسه.
الهادئ وبارد الأعصاب، وربّما اليائس، يمكن أن يروا في ما يجري من فصول متناقضة مسرحيةً مبتذلة، ولكن كثيرين من الناس لا يملكون هذا البرود والهدوء؛ وهؤلاء، حين تضغط الأزمة الاقتصادية عليهم أكثر، يمكن في أي لحظة مستقبلية أن يتخلّوا عن حذرهم وخوفهم، وينفجروا بوجه السلطة التي لا تخدمهم أو تخفّف من معاناتهم.

* تم النشر بتاريخ 13  تشرين الاول 2026 على موقع العربي الجديد