صحف وآراء • مجتمع

من يرفع قيمة لبنان؟

* شهيد نكد  

منذ تركيب نظام للطاقة الشمسية في المنزل طرأ تغيير يتجاوز فاتورة الكهرباء: أصبحنا نفكّر بالطاقة التي نستهلكها. متى نشغّل سخّان المياه أو الغسّالة؟ هل تكفي طاقة الشمس لتشغيل أكثر من جهاز في الوقت نفسه؟ أسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها عندما كانت القصّة تقتصر ببساطة على كبسة زر التشغيل.

ما تغيّر ليس أنّنا أصبحنا فجأة أكثر حرصًا أو أقلّ استهلاكًا، ما حصل أنّنا تعلّمنا درسًا بسيطًا في إدارة الموارد. أصبحنا نرى المورد ونلاحظ حدودَه، نُرتّب أولوياتنا محاولين الحصول على أكبر قدر من المنفعة منه بأقلّ هدر مُمكن. في السابق، لم نكن نرى المورد ولا كيفيّة إنتاجه ولا مخزونه، كان يصلُنا من بعيد فكنّا نتعامل معه على أنّه غير محدود.

هذه التجربة المنزلية المتواضعة تطرح سؤالًا أكبر يتجاوز تغلّبنا، أنا وزوجتي، على فاتورة الكهرباء وعلى صاحب المولّد. ماذا عن الموارد الأخرى التي يملكها لبنان من مياه وأرض ومال عام ووقت وطاقة بشريّة؟ هل نعرف فعلًا ماذا نملك، وكم نستهلك، وماذا نحصل في المقابل، وما الذي سيبقى للمستقبل؟

حين يُصبح المورد مرئيًا

وفي هذا جوهر المسألة، حيث لا تعود المشكلة فقط في قلّة الموارد أو سوء توزيعها، بل في علاقتنا بها. فغالبًا لا نلاحظ المورد إلّا عندما يصبح مهدّدًا؛ فلا ننتبه إلى المياه إلّا عند انقطاعها، وإلى الأرض إلّا عند بيعها، وإلى المال العام إلّا بعد هدره. لا نبالي بالجبل الذي تنهشه الكسارات ومشاريع اقتصاد الموت، ولا بالبحر الذي نغذّيه بالمجارير، ولا بالكهرباء التي تُسرق وتُهدر، ولا بالشباب الذين يهاجرون بعدما استثمر المجتمع في تأهيلهم وتعليمهم: لا نلاحظ قيمة المورد الّا حين نخسره.

لا تبدأ الإدارة الرشيدة بالتقشّف، إنّما بالملاحظة. ملاحظة وجود المورد ومعرفة حدوده وكلفة استهلاكه. طبعًا، لا تكمن المشكلة في الاستهلاك بحدّ ذاته، فكلّ مجتمع بحاجة لاستهلاك موارده. يبدأ الخلل في فصل الاستهلاك عن الحساب، وحذف المستقبل من الحساب، وهيمنة المنفعة الآنية على الاستدامة. هكذا نتعامل مع المورد كرصيد نسحب منه حتى نفاده، بدل أن يكون رأس مال نعيش من عائده.

ولعلّ جزءًا من المشكلة يكمن في ربط الاستهلاك بالقدرة الشرائية بدلاً من المسؤولية. فتعاملنا مع المورد ينطلق من المعادلة التي تقول إنه إذا كنت أملك ثمن الكهرباء والمياه والوقود، فمن حقّي أن استهلك ما أشاء. أو إذا كنت أملك النفوذ، فمن حقّي أن أتعدّى على الملك العام والمال العام. نظام الطاقة الشمسية يكسر هذه العلاقة المشوّهة، فيصبح المهمّ هو حسن الإدارة وليس القدرة على دفع الثمن وممارسة النفوذ.

كشف نظام الطاقة الشمسية نتيجة القرار فورًا، فالشاشة تُخبرنا كم نُنتج وكم نستهلك وكم بقي في البطارية، وسوء التقدير خلال النهار ندفع ثمنه في الليل. أمّا حسن التقدير فيكافئنا، ليس فقط ماديًا، بل بشعور الرضى الناتج عن حسن إدارة ما نملك.

في المقابل، تبقى نتيجة مُعظم القرارات التي نتّخذها في مجالات أخرى غير مرئية، وتبدو كلفتها بعيدة أو موّزعة على الجميع. لنتخيّل للحظة أنّنا نملك شاشة بطارية لموارد البلد، تعرض لنا باستمرار ما نستهلكه وما نخسره وما يتبقّى؛ هل كان ليصبح الترشيد جزءًا من طريقة اتّخاذ القرار؟

مشروع موريس الجميّل

منذ أكثر من سبعة عقود، حاول موريس الجميّل بناء هذه الشاشة. رأى أن لبنان يقوم على ثلاث ركائز: الإنسان والمياه والكهرباء، ودعا إلى إنشاء مؤسسات علمية مستقلّة عن النفوذ السياسي تعمل وفق خطط طويلة الأمد. قام مشروعه على ما يُمكن وصفه بالملاحظة قبل الإدارة: أن تعرف ماذا تملك قبل أن تُقرّر كيف تستهلكه.

والاهم في مشروعه هو الانتقال من امتلاك المورد إلى تحويله إلى قيمة؛ المياه لا تملك قيمتها من مجرّد توفّرها، إنّما عندما تُدار بحيث تؤمّن الشرب والريّ وتخدم التنمية. كذلك الكهرباء، فهي لا تعني شيئًا إذا بقيت مجرّد خدمة للاستهلاك المنزلي ولا تتحوّل إلى طاقة إنتاجية. والانسان لا يكون رأسمالًا بشريًا لمجرّد وجوده، بل حين يطوّر قدراته ومهاراته فيستفيد منها المجتمع بدل أن يخسرها. من هنا نفهم مشروع موريس الجميل الذي حمل عنوان “رفع قيمة لبنان” (la valorisation du Liban)، حيث أن السؤال بالنسبة له لم يكن فقط ما هي الموارد؛ إنّما كيف يمكن تحويلها إلى قيمة، وماذا يستطيع لبنان أن يصنع منها. لم يكن المورد عنده ثروة جاهزة، بل إمكانية تحتاج إلى معرفة وتنظيم حتى تتحوّل إلى قيمة.

وهنا نعود إلى الشمس التي كانت تشرق قبل تركيب الالواح وبعدها، ما تغيّر ليس وجود المورد، إنّما القدرة على تحويله إلى قيمة. وهنا يظهر الفرق بين وجود المورد وإدارته؛ فالثروة ليس فقط بما نملك، بل بمعرفة ماذا نفعل بما نملك.

المورد الأوّل: الفكرة

حتّى الأزمة يُمكن أن تتحوّل إلى مورد (وكم نحن أغنياء بهذا المورد)، فهي تكشف الخلل وتدفعنا للتعلّم والابتكار. لكن في لبنان، غالبًا ما تدفعنا الأزمات للجوء لحلول فردية، ونادرًا ما نفكّر بإيجاد حلول جماعية. هكذا تُصبح الأزمة بدورها موردًا ضائعًا، فبدلًا من أن تُنتج تعلّمًا يتراكم على مستوى المجتمع والدولة، تُنتج مهارات تكيّف فردية، فيما المشكلة العامّة لا تكتفي بالبقاء، بل تتضخّم. لكن تحويل التجربة إلى تعلّم جماعي لا يحصل بشكل تلقائي، إنّما يحتاج إلى من يلتقط الدرس ويحوّله إلى فكرة ومشروع.

قد لا تكون الموارد هي ما ينقصنا في لبنان، إنّما الأشخاص الذين ينظرون إلى الموارد بعين جديدة. فالأفكار الكبيرة ليست بحاجة دائمًا إلى التعقيد؛ تبدأ أحيانًا من ملاحظات صغيرة، لكن ما ينقصها هو أن تجد من يراها ويعرف كيف يبني عليها.

والقيادة لا تكتفي بتوصيف الأزمة ولا بمسايرة الناس، بل بتحويل التجارب اليومية إلى معنى، والمعنى إلى فكرة، والفكرة إلى مشروع يمكن للناس المشاركة فيه. وليس صحيحًا أن اللبنانيين لا يعنيهم سوى خلاصهم الفردي، فهناك حاجة كبيرة وواضحة (لمن يرى) إلى أمل قابل للتصديق.

وإذا عجزنا عن إنتاج الأفكار، فلن ينقذنا امتلاك الشمس ولا المياه ولا حتى الغاز والنفط؛ فالمورد الأول لأي نهضة هو القدرة على تخيّل ما يُمكن فعله بما نملك.

 * تم النشر بتاريخ 10 تشرين الاول 2026 على موقع المدن