* عمّار الشيخ حسين
في النبطية، لم يكن الانقسام هو الحكاية
في المدن التي أثقلها التاريخ، لا تمرّ الأحداث كما تمرّ في سواها. ثمة ذاكرة تختبئ في حجارة البيوت، وفي وجوه العائدين، وفي الطرق التي تعرف أسماء الذين غابوا عنها. والنبطية، بما تختزنه من تاريخ المقاومة والحرب والصمود، ليست مدينة عادية يمكن قراءة ما يجري فيها بمعزل عن طبقات الذاكرة التي صنعت وجدانها السياسي والاجتماعي.
حين زار رئيس الحكومة المدينة، لم تكن الزيارة مجرد محطة في جدول رسمي، ولم يكن الاستقبال مجرد مشهد بروتوكولي عابر. لقد خرج إلى العلن شيء أعمق من الترحيب والاعتراض؛ خرجت إلى السطح تناقضات مرحلة كاملة، وأسئلة ظلت مؤجلة تحت ركام الحرب، وداخل الصمت الذي يسبق عادةً العواصف السياسية.
انقسم الناس، وهذا في ذاته ليس حدثاً استثنائياً. فالمجتمعات التي عاشت الحروب والانهيارات لا تتشابه في قراءاتها للمستقبل، حتى وإن تشابهت في الخسائر. هناك من رأى في الزيارة حضوراً للدولة تأخر طويلاً، وهناك من قرأ فيها موقفاً سياسياً لا ينسجم مع قناعاته وتصوراته لمستقبل الجنوب. وبين الموقفين، وقف المواطن الجنوبي محمّلاً بأسئلته القديمة: من يحمي الأرض؟ من يعيد بناء ما تهدّم؟ ومن يملك حق تقرير المصير السياسي للناس الذين دفعوا أثمان الخيارات الكبرى؟
كان الاختلاف طبيعياً، لكن غير الطبيعي كان ما تلاه.
فجأة، تحولت الساحة العامة إلى محكمة واسعة، وتوزعت الأحكام بين من يمنح صكوك التمثيل ومن يسحبها، بين من يعلن أن هذا الصوت يمثله، ومن يصرّ على أنه لا يمثله. وكأن السياسة، بكل تاريخها وأحزابها وتنظيماتها وبرامجها، اختُزلت في أفراد، وكأن الجماعات التي اعتادت أن تتحدث باسم الناس اكتشفت، في لحظة مفاجئة، أن عليها أن تستعير أصواتاً جديدة لتقول ما تريد، أو أن تختبئ خلفها لتتفادى مسؤولية ما لا تريد قوله.
وهنا تبدأ الحكاية السياسية الحقيقية.
ففي تاريخ المجتمعات، لا يكون غياب الأحزاب دائماً غياباً لأسمائها أو شعاراتها، بل قد يكون غياباً لوظيفتها. حين تتراجع التنظيمات عن تقديم الموقف الواضح، وحين تستبدل البرنامج بالانفعال، والرؤية بالمناورة، والمسؤولية بالاختباء، تصبح الساحة مفتوحة أمام الأفراد كي يحملوا، من حيث يدرون أو لا يدرون، أعباء معارك أكبر منهم.
ليس في ذلك انتقاص من حق المواطن في المبادرة أو التعبير، بل إن هذا الحق هو جوهر الحياة الديمقراطية. غير أن تحويل المبادرة الفردية إلى معركة تمثيل جماعي يكشف خللاً في البنية السياسية نفسها. فالأحزاب التي نشأت تاريخياً لتنظيم المصالح الاجتماعية، وصياغة المطالب، وتوحيد الإرادات المتفرقة في مشروع عام، لا تستطيع أن تتخلى عن هذه الوظيفة ثم تعود لتطالب الناس بالاصطفاف خلفها عند الحاجة.
لقد عرف التاريخ السياسي اللبناني هذه المفارقة مراراً: تتقدم الجماعات إلى الواجهة حين تكون المعركة في الشارع، وتتراجع حين تصبح المسؤولية مكلفة؛ ترتفع الأصوات باسم الشعب، ثم يغيب الشعب عن طاولة القرار؛ وتتحول السياسة من فعل جماعي منظم إلى سلسلة من المواقف الفردية التي تتنازع على تمثيل جمهور لم يُسأل أصلاً عن شكل التمثيل الذي يريده.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في مشهد النبطية أن الخلاف لم يعد محصوراً في الموقف من الحكومة أو من التفاوض أو من المقاومة، بل امتد إلى سؤال أسبق: من يتحدث باسم الناس؟ ومن يملك حق احتكار صوتهم؟ وهل يكفي أن يجتمع عدد من المواطنين حول موقف حتى يصبح ذلك تفويضاً سياسياً، أم أن التمثيل يحتاج إلى مشروع معلن، وإرادة منظمة، ومسؤولية يمكن محاسبتها؟
إن التاريخ لا يصنعه الصراخ وحده، ولا تُقاس قوة الأحزاب بقدرتها على حشد المؤيدين في لحظة انفعال، بل بقدرتها على تحويل الألم الاجتماعي إلى وعي، والاعتراض إلى برنامج، والاختلاف إلى قوة تغيير. أما حين يصبح الجمهور مادة للتجاذب، وتغدو الوطنية امتحاناً يومياً في الولاء، فإن السياسة تكون قد ابتعدت عن وظيفتها الأساسية: إدارة التناقضات الاجتماعية بما يحفظ للناس حقهم في الاختلاف والمشاركة والمصير المشترك.
في النبطية، لم يكن السؤال الحقيقي من انتصر في الاستقبال، ولا من خسر في سجال المنصات. كان السؤال عن تلك المسافة التي اتسعت بين المجتمع وقواه السياسية، وعن الأحزاب التي باتت تترك للناس عبء إعلان المواقف، فيما تحتفظ لنفسها بحق المناورة والتراجع.
فالجنوب الذي عرف معنى التضحية لا يحتاج إلى من يزايد على وجعه، ولا إلى من يحتكر تمثيله، بل إلى سياسة تعترف بأن أبناءه ليسوا كتلة صامتة، وأن اختلافهم لا ينتقص من انتمائهم، وأن حقهم في مساءلة القوى التي تتحدث باسمهم لا يقل أهمية عن حقهم في الدفاع عن أرضهم.
وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا الحدث، فهو أن الأزمة ليست في تعدد الأصوات، بل في غياب الأطر التي تمنح هذه الأصوات معنى سياسياً واجتماعياً. وليست المشكلة أن يتكلم المواطن، بل أن تصمت الأحزاب حين ينبغي لها أن تتكلم، وأن تتوارى حين يحين وقت تحمل المسؤولية.
فالأمم لا تخسر حيويتها حين تختلف، بل حين يصبح الاختلاف بديلاً من السياسة، ويصبح المواطن واجهةً لمواقف لا يجرؤ أصحابها على إعلانها بأسمائهم.
منشور تمت مشاركته.
* تم النشر بتاريخ 4 تشرين الاول 2026 على صفحة الفايسبوك الخاصة بالكاتب
