تنشر بيروت الحرية القسم الثاني والأخير من وقائع الندوة الحوارية التي نظمتها منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني في 30 أيلول 2026، في مركزها الرئيسي، لمناسبة مرور أربعة واربعون عاماً على اختطاف الرفيق عدنان حلواني عضو المكتب السياسي لمنظمة العمل الشيوعي ومقرر المجلس السياسي لمدينة بيروت في الحركة الوطنية اللبنانية، ويتضمن هذا القسم مداخلة المناضلة وداد حلواني رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان.
الحب مهما مر عليه الزمن لا يصبح ماضياً بالضرورة
يجب أن نعرف أكثر لنسامح أكثر
الحقيقة ليست خصم المصالحة… بل بدايتها
“وداد ما تخافي هيدي الدولة، رح ارجع”. مرّت 44 سنة على رحيلك يا عدنان، الدولة لم تسأل عنك وأنت لم تعد..
صبية تركتني في أوائل الثلاثينات وها أنا اليوم في الـ 75.. رقم مذهل يفوق الاستيعاب.. كأنّ السنوات تكدّست من دون علمي بغضّ النظر عن الأبيض الذي يغزو رأسي يعانده سواد بضع شعرات متناثرة تماشياً ربما مع نظرية الأضداد.
أربعة وأربعون عاماً يا عدنان، غيابك لم يكن اختياراً منك، بل اخفاءً ترك وراءه عائلةً تحمل وجع الانتظار: ولدان كبرا وهما يحملان أسئلةً بلا أجوبة، وامرأٌة وجدت نفسها، منذ ذلك اليوم، في مواجهة حياة لم تخترها.
لقد واكبتَ أموراً كثيرة عن بعد يا عدنان.. كما كبر زياد وغسان، كبر جميع الذين كانوا صغاراً يوم غادرت. صار لدينا ثلاثة أحفاد واعدين.. ملفتة جداً أبوّة ولدينا يا عدنان.. كأنهما يعوّضان، كلٌ على طريقته، عن حرمان دفين من هذا الحق.
سنوات طويلة انقضت حتى صار الزمن يبدو كأنه تعلّم كيف يمشي من دونك. أما أنا فلم أتقن بعد كيف أتحدّث عنك بصيغة الغياب. ما زلتُ كلما حدث أمر جديد، أو تبدّل وجه من الوجوه، أو، أو …، أتوجّه إليك لأخبرك أنت أولاً، كأنك ما زلتَ في الغرفة المجاورة.
ولعل هذا هو أحد أقسى ما يفعله الاختفاء القسري: لا ينهي العلاقة، ولا يسمح لها بأن تكتمل. يبقى الإنسان حاضراً في الذاكرة، غائباً عن الحياة، دون أن يلغيه، ولا يسقط حقوقه، ولا يسقط حق عائلته في معرفة الحقيقة.
بيروت التي أحببتها وأحبتك ما زالت تتذكرّك. كنت من أوائل المبادرين لتنظيم حياة ناسها خلال مرحلة الاقتتال الداخلي، وتعزيز صمودهم خلال الاجتياح الإسرائيلي (حزيران 1982)..
بيروت لا تنسى أنك لم تغادرها خلال الاجتياح بل أصبحت أشد التصاقاً بها، وكأن الالتصاق حتى الانغراس هو ما ينفض الدنس عنها ويعيد إلى ترابها ألقه المعهود.
جريمة عدنان انه لم ينم آنذاك بل فرش جسده لينام سكان بيروت وعشاقها.
جريمة عدنان أنه لم يطلق رصاصة واحدة بل تحوّل متراساً متنقلاً يحمي أطفال العاصمة ومسنّيها.
جريمة عدنان كانت بحق الطحين، ربما، حين خاطر وراح يجمع ما أمكن من أكياس يوزعها على الأفران كي لا تغلق أبوابها ويهجر الرغيف بيوت الناس المرعوبة من الدمار والموت، أو ربما بحق المحروقات التي كان يسحبها من بطون مافياتها ليعيد ضخّها إلى المستشفيات كي تتمكن من استقبال الجرحى والمرضى.
جريمة عدنان تواصله مع أصحاب القرار لاستدعاء الموظفين للالتحاق بمراكز أعمالهم، ولفتح أبواب المدارس والجامعات مع كل فسحة هدوء مهما كانت مدتها لعودة الطلاب والأساتذة إليها، فالقلم، بنظره، أخفّ حملاً من السلاح وأقل خطرا على مستقبلهم.
في غيابك تغيّرت المدن يا عدنان، بيروت أيضاً تغيّرت، لا لأن الأبنية تبدّلت فقط، بل لأن بعض العقول تراجعت وبعض القلوب تعبت. الشوارع التي كنت تعرف أسماءها جيداً صارت أكثر ضجيجاً وأقلّ نظافة ودفئاً. بعض المقاهي التي كنتَ تعرفها أقفلت، وبعضها استحدثت، وبعض آخر شُبّه بها جرّاء استباحة الأرصفة، بلا ترخيص وبلا أي اعتبار لحق المشاة.. بعض الأصدقاء كما الأقارب، وبينهم والداك، رحلوا بصمت، وآخرون ما زالوا يقاومون الحياة بهمّة متعثّرة، وبضحكة متعبة وحركة بطيئة وفكر بليد.
بالتأكيد لم يَفتكَ أنّي ما زلتُ معك في التفاصيل الصغيرة: حين أسمع أغنية أو موسيقى كنت تحبّها، حين أمرّ في مكان شهد نقاشاً شيّقاً أو خلافاً عاصفاً بيننا..
حين يخذلني العالم، خصوصا في هذه الأيام، أبحث عنك، عن صوتك بين الضوضاء. الضوضاء السائدة منذ سنوات.. ضوضاء المجازر المفتوحة بحقّ البشر والشجر والحجر في جنوب لبنان وبقاعه وفي الضاحية الجنوبية لبيروت.. وبيروت لم تسلم فكان لها حصة توجت بأربعائها الأسود. عذرا عدنان، حاولت عدم مضاعفة وجعك وأنت قابعٌ في وحشة المجهول فأخفيتُ عنك ضوضاء المجازر وحملات الإبادة الجماعية والمستمرة التي ارتكبها العدو الإسرائيلي وما زال في فلسطين وغزّتها الصابرة.
أحياناً أتساءل: لو كنت هنا، ماذا كنت ستقول عن هذه المقتلة المستمرة، عن كل هذا الخراب المستمر قي فلسطين ولبنان.. عن المسيّرة التي تستيقظ قبلنا لتراقب تحركّاتنا وتحتلّنا على مدار ساعات النهار؟ هل كنت ستغضب؟ أم كنت ستربّت على تعبنا وغضبنا ووجعنا وتقول إن النجاة ليست دائماً في الانتصار، بل في ألّا نفقد إنسانيتنا؟ لا أعرف الجواب. لكنني أعرف أنك كنت ستسأل عن الناس أولاً.
أخالك تسألني وتسأل رفاقك في المنظمة عن وضع جبهة المقاومة الوطنية “جمول” التي واكبت إطلاقها (16 أيلول) من قبل القائدين الشيوعيين الراحلين جورج حاوي ومحسن إبراهيم. هل تذكر يا عدنان كم كانت فرحتنا إثر تنفيذ أول عملية هجوم بالقنابل اليدوية على جنود العدو الإسرائيلي قرب صيدلية بسترس (20 أيلول)؟.
لكن لم يقدر لك أن تشهد عملية الويمبي لتزامنها مع جريمة اختطافك (24 أيلول 1982). لقد تواصلت عمليات المقاومة البطولية ضد جنود الاحتلال حتى انسحابه من معظم الأراضي اللبنانية العام 2000..
لكن الزمن تحوّل بعد هذا الإنجاز الوطني الكبير. والرفاق في المنظمة هم الأجدر بدراسة وتحليل تتمة المسار. وقد فعلوا.. وبعدها ارتأوا تغيير اسم المنظمة بعد مراجعة نقدية موضوعية لمسيرتهم خلال الحرب اللبنانية وما بعدها، لكنهم لم يضيعوا البوصلة بنظري.. فهم جادّون في التقاط بقع الضوء الصغيرة والمشتتة والعمل على تجميعها وتوسيع دائرتها سعياً لتشكيل أرضية وطنية جامعة تساهم بإعادة بناء الدولة: دولة المواطنة والقانون.
أعتقد إن تكريم منظمتك لك اليوم ليس تكريماً لرجل غائب فحسب، ولا لاستعادة ما كنت عليه فقط، بل هو استعادة لحضورك ولما كان يمكن أن تكونه لو لم تخطف
وتمنع من ممارسة حقك في الحياة والحب والنضال.
كذلك، فإني أرى تكريمك اليوم هو تكريم لكل المفقودين والمخفيين قسراً، ولكل عائلاتهم التي رفضت أن تسمح بإنكار قضية أحبتهم والاعتراف بصعوبة حياة الانتظار، وأن لا شيء غير معرفة الحقيقة تستطيع أن تضع حداً لهذا الواقع المعلّق.
عدنان، ربما فاتَك أن العالم صار أسرع وأخطر بفعل التقدّم العلمي والتكنولوجي…. صار أكثر وحشية.. الناس يتحدّثون ويتفلسفون كثيراً لكنهم يصغون أقّل. الحروب كما سبق وأخبرتك لم تتوقّف.. وأيضاً الظلم فقط بدّل أسماءه. ومع ذلك، ما زال هناك مَن يؤمن ويتمسّك بالأمل، ربما بعناد، تماماً مثل محسوبتك ورفيقاتها في درب العذاب. قد تكون السنوات اخذت منّا الكثير، لكنها لم ولن تستطع أن تأخذ منّا حبكم وتمسكنا بحقّنا في الحقيقة.
أربعة وأربعون عاماً ما زلت أنا ورفيقاتي في لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان نعيش على حافة سؤال لم يجد جواباً: أين أنتم؟
أربعة وأربعون عاماً أنا ورفيقاتي ما زلنا نعلّي الصوت بأن الشخص الذي اختطف، فقد، غُيّب قسرياً ليس رقماً في ملف. إنه إنسان له اسم ووجه وحياة وأحلام وأحبة تنتظر عودته أو معرفة الخبر اليقين عنه.
لقد سبق واسررت لي عن شجاعتنا أنا ورفيقاتي في زمن الحرب.. كيف استطعنا أن نحفر نفقاً في جبل من العنف العسكري والمذهبي المقرف. كيف تحمّلنا الإمعان في التعامل الدوني معنا كوننا نساء، وكيف استطعنا مواجهة شتى أنواع الترغيب والتهديد والتهميش والابتزاز المالي والعاطفي.. كيف بقينا متمسكات بالدولة رغم تخلّيها عنّا..
وأعجبت بمسيرتنا عندما انطلق قطار السلم دون أن يعيدكم أو يعطينا خبراً عنكم فكنّا السباقات في فضح زيف ذلك السلم وهشاشته.
لقد هنأتنا عندما استطعنا خرق لا مبالاة مجتمع سدّ آذانه عن صراخنا في زمن الحرب وما بعدها إلى أن استطعنا أن نبني حول قضيتنا إطاراً من الأصدقاء والداعمين.
نحن مجموعة من النساء من مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق والانتماءات الفكرية، استطعنا أن نحوّل وجعاً شخصياً إلى قضية وطنية عامة، وخلق واحة مواطنية محصّنة مسحت العار عن جبين المجتمع بانتزاع قانون كرّس حقنا بمعرفة مصير أحبائنا.
نحن أهدينا الدولة قانوناً يسمح لها إذا شاءت وأحسنت تطبيقه بأن تعود دولة تليق بكافة مواطنيها ولا تميّز بين أولادها.
لقد كلّفنا إصدار القانون (105/2018) 36 عاما من النضال الدؤوب والمضني، دفعنا خلاله من صحتنا وأحلامنا وأعمارنا وحيواتنا.. ونحن لن نهدأ ولن يتوقّف حراكنا قبل فرض تطبيق القانون عبر دعم الهيئة الوطنية المستقلة التي شكّلت بموجبه.
إصرارنا على تطبيق القانون هو تفادي الانزلاق مجددا إلى حرب جديدة.. ولمن اتهمنا ذات يوم بأننا بحراكنا نهدد “السلم الأهلي” نقول له نحن اللواتي نصنعه.
القانون ليس لمحاكمة الماضي.. نحن لا نبحث عن الانتقام.. نحن نبحث عن الحقيقة. إصرارنا على تطبيق القانون نابع من حرصنا على بناء مواطن، بناء مجتمع، بناء دولة المواطنة.
إصرارنا على معرفة مصير المفقودين هو أيضاً إصرار على عدم تكرار ما حدث.
فالسلام الذي يقوم على النسيان والإنكار هو سلام هشّ.
لهذا، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تتوقّف عندنا نحن الذين عشنا الحرب. هناك أكثر من جيل كبر ويكبر بعيداً عن الحرب ومجرياتها، لا لأنهم غير معنيين، بل لأن أحداً لم يعلّمهم بما يكفي. لا كلام صريح عن الماضي، لا مناهج تعليمية تتناول الحرب ونتائجها. ولا سرديات تساعد الشباب على فهم ما حدث..
وبنظرنا فإن الضرورة تقضي بإدخال هذه القضية في المناهج التربوية تعزيزا لقيم المواطنة والمصالحة.. وتحويل المدرسة والجامعة من مجرد مكان للتعلّم إلى فضاء للذاكرة والوعي، ترسّخ لدى الشباب فكرة أن العدالة والبحث عن الحقيقة ليست من شأن الماضي بل شرط لبناء مستقبل آمن.
أحياناً أتخيّل أنك ستعود للحظة واحدة فقط، لا لتشرح شيئاً كبيراً، بل لتقول لنا مقدار شوقك لنا، وشوقك الكبير للقاء لؤلؤاتنا الثلاثة عن قرب: نائل وليان ودنيا، وأحلى أمّيْن رين وجوان.. أتخيل أنك ستعود للحظة ثانية لتقول لنا ولهم كم كنت ستكون سعيداً معنا..
اعتراف أخير يا عدنان: لقد شختُ قليلاً. لم يعد الغضب يشتعل فيّ كما كان، لكنه صار أعمق. وصرت أفهم أشياء كثيرة: أفهم كم كان حضورك يحمينا من القسوة، وكم أن الإنسان لا يدرك قيمة الطمأنينة إلا بعد أن يفقدها. وأفهم أيضاً أن الحب، مهما مرّ عليه الزمن، لا يصبح ماضياً بالضرورة.
بعد 44 عاماً، هذا التكريم لك أنت أولا.. للرجل الذي أحببته وما زلت أحبّه.. للأب الذي حُرم من أبنيه وحُرما منه.. لجدّو عدنان مع وقف التنفيذ.. للمناضل الذي حرم من إكمال طريقه في صفوف منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني، وللإنسان الذي حُرم من حقه في الحياة الحرّة.
بعد أربعة وأربعين عاماً، ما زلنا متمسكين بالحق وبالقناعة ذاتها:
أنّ أحبّتنا يستحقون أن نعرف مصيرهم،
وأنّ وطننا يستحق أن يتذكّر،
وكي لا نترك وراءنا جراحاً مفتوحة يجب أن نعرف أكثر لنسامح أكثر
لأنّ الحقيقة ليست خصم المصالحة… بل بدايتها.
والذاكرة ليست ترفاً.. الذاكرة حماية..
يا عدنان أربعة وأربعون عاماً مرت وأنا ما زلت أسمع صوتك: وداد ما تخافي.. هيدي الدولة، رح ارجع” لم تعد.. لكني بعد 44 سنة ما زلت هنا.. ما زلنا هنا ننتظر الحقيقة ولا ننسى.
شكراَ لحضوركم وإصغائكم
شكراً للمكتب التنفيذي للمنظمة، رئيساً وأعضاء، وشكراً لكافة الرفاق والرفيقات في المنظمة على استذكار عدنان في ذكرى غيابه الذي طال
أهمية القانون 105/2018
الاعتراف بملف من تركة الحرب في لبنان.
إرساء المدخل القانوني لتقفّي أثر المفقودين والمخفيين قسراً والكشف عن مصيرهم وتحديد أماكن تواجدهم.
الاعتراف بحق عائلات المفقودين والمخفيين قسراً بمعرفة مصير ذويها، والحق باستعادة رفاتهم في حال أصبحوا أمواتا.
الاعتراف بحق عائلات المفقودين والمخفيين قسراً في الحصول على المعلومات المرتبطة بعمليات تقفّي أثر ذويهم وعلى التحقيقات غير السرية.
الإقرار بحق العائلات بمعاملة غير تمييزية على كافة المستويات (الانتماء الديني، السياسي، القومي…) والحق بالحصول على تعويضات مالية ومعنوية.
إنشاء هيئة وطنية مستقلة مسؤولة عن تحقيق حق المعرفة للعائلات واسعة الصلاحيات من ضمنها نبش أماكن الدفن والتعرف على هويات الرفات المدفونة.
