محمود قميحة
الجنوب 4 تشرين الاول 2026 ـ بيروت الحرية
سال حبر كثير حول ما خلّفه العدوان الإسرائيلي المتصاعد والمستمر على لبنان منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذي امتدت تداعياته إلى الوطن بأكمله، غير أن الكارثة الأكثر هولاً حلّت بالجنوب وأهله.
فالمناطق التي وقعت تحت الاحتلال والسيطرة العسكرية الإسرائيلية تعرضت، ولا تزال، لتدمير واسع طال مقومات الحياة، بعدما أُجبر سكانها على النزوح وواجهوا صنوف القهر والإذلال، سواء خلال رحلة النزوح أو في البحث عن مأوى. وباتت عودة كثيرين منهم متعذرة في المدى المنظور، ناهيك عن غياب فرص الترميم وإعادة الإعمار.
ولا تعفي وحشية العدوان الإسرائيلي من مسؤولية من زجّ لبنان في أتون الحرب، كما لا تعفي الدولة من مسؤولياتها في احتضان مواطنيها، والعمل على تحرير الأرض واستعادة السيادة والإمساك حصرياً بقرار الحرب والسلم.
وإذا كانت تلك حال المناطق الواقعة تحت الاحتلال أو المحاذية له، فإن سكان القرى والبلدات الأخرى يعيشون بدورهم قلقاً دائماً وفقداناً للأمن والاستقرار، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ومخاطر توسيع رقعة السيطرة. ويزداد المأزق خطورة بفعل معادلة مشؤومة من تبادل الذرائع: بقاء سلاح حزب الله يمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة عدوانها واحتلالها، فيما يوفر استمرار الاحتلال لحزب الله حجة للاحتفاظ بسلاحه.
وسط هذه الدوامة تتفاقم أزمة الجنوبيين.
لقد اعتادوا الاصطفاف في طوابير طويلة على الطرقات: مرة في رحلة نزوح إثر غارة أو إنذار، ومرة في رحلة عودة عند أول سانحة من الهدوء.
ولم يعد مبالغاً فيه الحديث عن “نزوح احتياطي”. فعند كل تصعيد إسرائيلي سياسي وعسكري، أو ارتفاع منسوب تهديدات قادة حزب الله، يسارع كثيرون إلى حزم ما تيسر من حاجاتهم الضرورية، التي بات بعضها معداً سلفاً، استعداداً للمغادرة إلى مناطق أكثر أمناً. وبعض العائلات أبقت مساكن مستأجرة بعيداً عن مناطق الخطر تحسباً للنزوح المتكرر.
ولهذه الحياة المعلقة كلفة اجتماعية واقتصادية قاسية: مدخرات تتآكل، وأسر تشد الأحزمة أكثر فأكثر، وتحويلات المغتربين التي كانت سنداً في مواجهة الانهيار تُستنزف في إيجارات فرضتها ضرورة النجاة.
والأخطر أن الناس يشعرون بأنهم متروكون لتدبير مصائرهم بأنفسهم.
لقد ذهبت الحرب بمؤسسات وحرف ومشاغل ومصادر رزق، وتعطل الإنتاج في مناطق واسعة. وفي المقابل، يجري تحميل الدولة العاجزة والمأزومة وحدها مسؤولية معالجة نتائج حرب لم تكن صاحبة القرار فيها، فيما تغيب المراجعة الجدية للخيارات التي ساهمت في الوصول إلى هذه الكارثة.
هكذا يعيش أهل الجنوب بين وحشية العدوان الإسرائيلي من جهة، ونتائج حروب الإسناد التي جعلت الناس وأرزاقهم وقراهم جزءاً من أثمانها من جهة أخرى.
من المؤكد أن تكرار خطابات الصبر والصمود، مهما ارتفع صوت أصحابها، لن ولا تستطيع أن تعيد نازحاً إلى بيته، أو أن تبني قرية مدمرة، أو تعيد رزقاً ضاع، أو تمنح عائلة الأمان الذي فقدته.
لقد دفع الجنوبيون ثمناً باهظاً للاستباحة الإسرائيلية، كما دفعوا ثمن العبث بمصيرهم وربط حياتهم بصراعات تتجاوز حدود وطنهم.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يعود الناس؟ ومن يحميهم بعد عودتهم؟
ليس ثمة طريق جدي ومستدام سوى إعادة ضخ الحياة في شرايين الدولة ومؤسساتها، واستعادة قرارها وسيادتها ومسؤوليتها تجاه الوطن ومواطنيها.
فالدولة، بكل ما تحتاجه هي نفسها من إصلاح وإعادة بناء، يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للسيادة والأمن وقرار الحرب والسلم.
لأن أهل الجنوب يحتاجون اليوم إلى ما هو أبعد من الدعوة إلى الصمود: يحتاجون إلى وطن يعيدهم إلى أرضهم، ودولة تحمي عودتهم، ومؤسسات تجعل بقاءهم في قراهم حقاً ممكناً، لا مغامرة يومية مع الموت والنزوح.
