سياسة مجتمع

تشرين يدق أبواب الانفجار الاجتماعي والمعيشي: التهجير والتعليم وأكلاف الطاقة تحرق المواطنين

د. زهير هواري

بيروت 22 أيلول 2026 ـ بيروت الحرية

إضافة إلى متطلبات نفقات التهجير الذي ما يزال يترك بصماته على أهالي حوالي 70 قرية وبلدة ومدينة في الجنوب والبقاع الغربي، وقيام ألوف العائلات في تلك المناطق باصلاحات اضطرارية للأبواب والنوافذ وفجوات الجدران ( من قريبو) استعداداً لفصل الشتاء، جاءت موجة الغلاء المتصاعدة لتضيف مأساة إلى مأساة اللبنانيين من ذوي المصائب المتراكمة والدخل المحدود.

والواقع أنه لم يكن ينقص الوضع المفتوح على مواصلة القتال، كي يصل إلى مستوى مقدمات الانفجار، سوى الارتفاع اليومي في أسعار المحروقات على أنواعها، مع ما يرافقها من رفع أكلاف الطاقة للإنتاج والمواصلات والنقل والانتقال، بينما الطامة الكبرى تتمثل باقتراب موسم الشتاء مع ما يتطلبه من تدفئة للمنازل، لاسيما في المناطق الجبلية الباردة. لتضاف هذه إلى ارتفاع الاقساط المدرسية والجامعية وايجارات المنازل و سعر ربطة الخبز وسائر المواد الغذائية والثياب، وكل ما يرتبط بموسم الشتاء من نفقات لا بد من دفعها من قبل ملايين الأسر اللبنانية والمقيمة.

ولنبدأ بقضية التهجير ومتطلباته

لا بد في البداية من القول إن عشرات ألوف الأسر الجنوبية والبقاعية لم يعد لها بيوت تأويها لتعود إليها، بينما دخلت البلاد في  موسم الامطار فعليا ( ايلول طرفه بالشتاء مبلول). هذه العائلات التي سبق واستأجرت بيوتا في مناطق بعيدة عن قراها ترى نفسها مضطرة تحت وطأة الوضع الأمني واحتمالاته إلى تجديد العقود والاستمرار في إشغال اماكن اقامتها الجديدة. ولما كانت معظم هذه الفئة قد استنزفت موجوداتها، أو القسم الأكبر منها باعتبار أن مداخيلها شبه متوقفة، فليس أمامها سوى مراكز الإيواء سواء أكانت مدارس أو مؤسسات عامة وخاصة وما شابه. ولما كانت هذه الأماكن غير مؤهلة لتحمل إقامة العائلات التي تحتاج إلى تأمين البُسط للأرضيات والأغطية وما شابه من مقومات أثاث لتحجز أجساد صغارها وكبارها عن برودة ورطوبة الارض العراء، فهي بحاجة إلى مبالغ اضافية لتقطيع هذه المحنة التي تلاحقت منذ أكثر من ثلاث سنوات.

فئة ثانية عادت إلى قراها فوجدت أمامها أشلاء بيوت تحتاج إلى اصلاح شامل لا مجال له بالإمكانات الذاتية، أو جزئي، وهنا نتحدث عن الزجاج والالمنيوم والبوابات، و كل ما أطاحت به الانفجارات وعصفها خلال القصف من مستلزمات أساسية للإقامة. والمعروف أن هذه الفئة قد عمدت قبلا إلى القيام بالاصلاحات على حسابها الخاص قبل الجولة الأخيرة ، فاذا بها تجد نفسها أمام ضرورة عملية “ترقيع ” للمرة الثانية أو الثالثة أو … وهذه بدورها قد صرفت ما كان لديها من مقدرات، أو ما أرسله أبناؤها المغتربين من أموال. وهنا نتحدث عن مبالغ تبدأ من عدة مئات من الدولارات إلى الألوف، بل وعشرات الألوف بالأصح. ورغم أن العملية برمتها لم تتجاوز عمليات الترقيع، إلا أن أكلافها ليست قليلة بالنظر إلى ارتفاع أجور العمال والمعلمين والمواد الأولية من اسمنت واخشاب وألمنيوم وزجاج ونايلون وتجهيزات وقس على ذلك. هؤلاء كما من سبقهم يصارعون بـ “اللحم الحي” في ظل ظروف انهيار اقتصادي ومعيشي كارثي.

المحروقات تحرق اللبنانيين

حتى الآن وصل سعر صفيحة البنزين إلى 31 دولارا للصفيحة الواحدة، وهو من أعلى الأسعار في المنطقة وربما في العالم. أيضا وصل سعر المازوت إلى حافة الـ 30 دولارا. ويتوقع خبراء النفط أن الوصول إلى هذا الرقم وتجاوزه مسألة أيام لا أكثر،  ومتوقع أن يقارب سعر قاروة الغاز للطبخ المنزلي الـ 23 دولارا، بينما قفز سعر الطن الواحد لمادة المازوت للمولدات وللمؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية قرابة إلى الـ 1400 دولار. وهو ما سيقود إلى رفع أكلاف الإنتاج الزراعي في الارياف على أنواعه للحاجة إلى المازوت لتشغيل المحركات من أجل الفلاحة والزراعة والرش وضخ المياه وتزويد مزارع الدواجن بالطاقة ( فراريج وبيض وأبقار وما شابه). هذا في مرحلة الإنتاج، وبعدها تأتي عمليات النقل إلى الأسواق في المدن. وهناك قضية الطاقة الكهربائية التي تقع تحت سطوة مافيا المولدات، التي سترفع أسعارها بطبيعة الحال للحفاظ على أرباحها من جهة، ولتغطية فارق الأسعار الجديد الذي لا يقتصر على هذه المادة للتشغيل، إذ يرافقها ارتفاع مضاعف في أسعار الزيوت والشحوم وقطع الغيار وغيرها. ولما كان “أباطرة” المولدات في مناطق واسعة في العاصمة وسواها من المدن لا يلتزمون بالتسعيرة الرسمية، لنا ن نتصور مضاعفة بدلات المولدات الشهرية التي لا يمكن الإستغناء عنها، طالما أن الأبناء سيقصدون المدارس والجامعات وهم محتاجون للإضاءة لمتابعة دروسهم، وتشغيل أجهزة الكومبيوتر والانترنت وما شابه. وعليه يمكن القول إن كلفة الاشتراك بـ 5 أمبير ستصل قريبا إلى ما يعادل الحد الأدنى للأجور البالغ 312 دولارا .

وفي مضمار أسعار البنزين نشير إلى تأثيره على عمليات وأكلاف الانتقال. ومع أن السائد إلى الآن أن أجر الراكب في العاصمة لم يتجاوز عرفا الـ 250 ألف ليرة، إلا أن البعض رفع تعرفته إلى قرابة ضعف المبلغ بالنظر إلى معاناة السائقين العموميين من زيادات اضافية كأثمان قطع الغيار وتغيير الزيت وأسعار الدواليب والاستهلاك اليومي لمركباتهم. وبديهي أن ارتفاع كلفة النقل يسري في شوارع العاصمة وباقي المدن والمناطق اللبنانية، ما بات يشكل عنصر ضغط على أجور العمال والموظفين والطلبة وأكلاف نقل السلع ومتابعة المعاملات في العاصمة .

ارتفاع سعر ربطة الخبز  5000 ليرة  وبلوغ الربطة 95 ألف ليرة، الذي أُعلن الأسبوع الماضي ليس سوى بداية الغيث، إذ إن كل ما يرتبط بالأغذية والمأكولات انتاجا وتبريدا وتخزينا ارتفع سعره بالضرورة بدءا من “المنقوشة” إلى كيلو الكعك، خصوصا ونحن في سوق فالتة عن متابعة رقابة تستطيع ضبط الأسعار. أيضا سيقود ارتفاع سعر المحروقات إلى زيادة كلفة التصنيع من أي  نوع كان، لتشغيل الماكنات والآلات والإضاءة وغيرها من ضروريات. ثم تأتي كلفة نقل السلعة إلى المستهلك الذي سيدفع مثل هذه الزيادة شاء أم أبى.

وبالدخول إلى بيوت اللبنانيين نجد أن الهاجس الراهن يتمثل في مسألة تأمين المازوت لموسم الشتاء. وفي البداية نشير إلى أن لا أحد تقريبا في المناطق الجبلية يتحدث عن تموين يغطي استهلاك الموسم الشتوي كما في السابق، إذ تخطط العائلات المستورة للشراء بالتنكة بانتظار “الفرج”، واذا ما قررت “البذخ ” تدفع ثمن برميل يزيد سعره عن 250 دولارا، علما أن البيوت كانت تشتري سنويا ومنذ مطالع الخريف ما يتراوح بين 5 – 10 براميل تبعا لتشغيل بابور أو صوبيا واحدة أو أكثر. وهذا مرهون بوجود مرضى داخل الأسرة وصغار وتلامذة وطلاب بحاجة إلى درس وتدفئة.

الأقساط التعليمية

إلى جانب الأقساط المدرسية في بلد يهيمن القطاع الخاص على حوالي 80 % من تعداد طلابه وتلامذته تبدو مسألة ارتفاع الأقساط بمثابة عامل ضاغط على نفقات الأسرة. والزيادات تتراوح بين 1000 و5000 دولار تبعا لـ ” النجوم” التي تضعها المدرسة على “أكتافها”. ومبلغ الزيادة لا يذهب بأكمله إلى القسط السنوي مقسما على الفصول، بل هناك مبالغ من نوع الأجهزة الذكية وأكلاف التسجيل وفتح بطاقة وثياب رياضة وحقائب وكتب وأقلام ودفاتر ومواصلات وغيرها يجب دفعها. ومثل هذه الاكلاف ستقود حكما إلى عجز نسبة لا بأس بها من الأهالي عن دفع هذه المصاريف، مما يبقي أبناءهم خارج الصفوف الدراسية، خصوصا وأن المدارس الرسمية التي تكتفي برسوم التسجيل السنوية في حال يرثى لها نتيجة الفوضى التي تطغى على العام الدراسي، بفعل التعاقد الكيفي أو المتأخر والتدخلات السياسية والطائفية وضعف المستوى التعليمي، وتواتر الاضرابات من جانب الهيئات التعليمية متعاقدة وبالملاك بسبب فقدان الراتب أو أجر الساعة قيمته الشرائية. وهذه وسواها تنعكس على صورة التعليم في القطاع الرسمي الذي خسر الكثير من سمعته في غضون السنوات السابقة، بعد خسارة التلامذة والطلاب معظم أعوامهم الدراسية. ثم علينا ألا ننسى أنه حتى في المدرسة الحكومية هناك مصاريف لا بد من دفعها كالمصروف اليومي وأكلاف النقل والثياب، والكتب وإن كانت أسعارها متهاودة بالمقارنة مع الكتب التي تفرضها المدارس الخاصة، ولاسيما المستوردة، إلا أنها ليست قليلة بالنسبة لأسر فقيرة أو محدودة الدخل.

على الصعيد الجامعي رفعت كل الجامعات بدلات المقرر – الكريدي (لإنجاز العام الجامعي يجب أن تتراوح المقررات السنوية بين 8 – 15 مقررا)، لتغطية الأكلاف التي تتطلبها العملية التعليمية كالمحروقات والتجهيزات وتحديثها والصيانة والخدمة وغيرها. وهكذا تضاعفت كلفة العام الدراسي عما كان عليه العام السابق أو ما قبله. و يصارع عدد ليس بالقليل من الطلاب من أجل الحصول على منح أو ساعات عمل اضافية في الجامعة لتغطية جزء من الزيادات المفروضة. وضاعف آخرون من اجتهادهم للحصول على منح خارجية تخفف عن ذويهم الأعباء التي تحول دون متابعة البعض لدراستهم. كما أن أعدادا كبرى من الطلاب تؤخر تخرجها وتحدد عدد المقررات التي ستدرسها في كل فصل ما يجعل الاختصاص العادي يتجاوز السنوات المقررة له بالأصل.

إلى أين سنصل؟

سواء تقرر الاضراب العام من جانب الاتحاد العمالي العام، الأسبوع المقبل أم لم يتقرر، يمكن القول، ومع الاعتراف بالعوامل الاقليمية والدولية الضاغطة (الصراع في الخليج العربي والبحرين الأحمر والأسود وبين روسيا وأوكرانيا ومترتبات ذلك على ألاسعار وأكلاف النقل والتأمين و.. )، وتأثيرات ذلك على أسعار المحروقات والقمح والذرة وغيرها، إلا أن ما هو واضح لبنانيا هو غياب الحركة النقابية  والطلابية ومنذ سنوات طويلة عن ميدان المواجهة، حتى أن الناس نسيت وجودهما أصلا،  وكذلك عدم ربطهما دوما بين تحسين الأجور والرواتب مع تفعيل القوانين التي تضبط فلتان الأسعار وتراقب الأسواق، حيث كل تاجر يبيع ما لديه على “هواه” دون حسيب أو رقيب. وعليه، فما قرره مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة من اعطاء ست رواتب مقسمة على عدة دفعات للقطاع العام بدءا من العام المقبل، سيكون غلاء الأسعار قد التهم أضعافه مضاعفة حتى ذلك الوقت. إن تبعية الحركة العمالية والنقابية والطالبية والتحاقهم بمكاتب قوى احزاب الطوائف السياسية، قاد ويقود إلى خراب معيشي يضع أكثر من 40% من اللبنانيين تحت خط الفقر، يعتمدون على المساعدات. وينتظرون أن “تتحنن ” عليهم هذه الدولة وتلك الجهة ببعض الإعانات من مواد معلبة وغيرها تسد رمقهم.