سياسة صحف وآراء

ماذا تريد إسرائيل من “سورية الجديدة”؟

* أنطوان شلحت

تتفق جلّ المواقف الإسرائيلية شبه الرسمية، وكذلك معظم التحليلات الصادرة عن خبراء أو معاهد أبحاث، على أنّ سورية بدأت فصلاً جديداً من تاريخها، يبرّر إعلان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، رسمياً، إزالتها من قائمة الدول الراعية لـ”الإرهاب”، في ما يعتبر بمثابة خطوة إيجابية وضرورية لتهيئة ظروف اقتصادية أفضل، وربط سورية بالاقتصاد العالمي، وتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار في البلد. وقد أدرجت الولايات المتحدة سورية على هذه القائمة عام 1979 بسبب تورُّطها في الحرب اللبنانية، ودعمها فصائل فلسطينية مسلحة.

وفي غمرة ذلك يُشار أيضاً إلى أنّ دولاً كثيرة، منها شركاء مقرّبون من إسرائيل، من المتوقع أن تساعد سورية على إعادة الإعمار وتحقيق أهدافها. وهي لا تزال بحاجة إلى معالجة قضايا أمنية، وإعادة بناء مؤسّسات الدولة، وحلّ أزماتها مع الدروز والأكراد. ورجّح بعضهم أن يساعد حبل الإنقاذ الاقتصادي الذي يُفترض أن يصل قريباً، في تخفيف هذه التحدّيات أيضاً، إذ “سيكون لدى دمشق جزرات أكثر لتوزيعها”، كما كتبت إحدى الباحثات.

وبحسب هذه المواقف الإسرائيلية، “استحقت” سورية أن يُنظر إليها أنها تبدأ فصلاً جديداً بسبب ما قامت به من تصدٍّ لشحنات الأسلحة الإيرانية التي كانت تتحرّك على طول ما يُعرف بـ”الجسر البرّي”، من إيران، مروراً بالعراق، وصولاً إلى الحدود اللبنانية. وفي موازاة هذا، عملت بشكل نشط على تعطيل الشبكة اللوجستية لحزب الله داخل الأراضي السورية. وتفصيلياً تجري الإشارة إلى أنّ قوات الأمن السورية اعترضت شحنة أسلحة إيرانية كبيرة عند معبر التنف الحدودي مع العراق، كانت مخبأة داخل ناقلة نفط متجهة إلى مصفاة بانياس، بينما كانت الوجهة النهائية للأسلحة هي حزب الله في لبنان، كذلك صودرت شحنة منفصلة من صواريخ غراد، وصواريخ بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة متطورة، جرى تهريبها، عبر المسار العراقي نفسه، من مستودعات أسلحة كانت تسيطر عليها مليشيات مدعومة من إيران.

وهذا الموقف المناهض لإيران، وبالتالي المناهض لحزب الله أيضاً، من وجهة النظر الإسرائيلية، يعكس في تقييم تل أبيب اتجاهاً سورياً ازداد تشدّداً مع تصاعُد المواجهات الإقليمية. ووفقاً لما ورد في ورقة تقدير موقف لأحد مراكز الأبحاث الإسرائيلية، انتهجت الحكومة الانتقالية في دمشق منذ أيامها الأولى سياسة متعمّدة للابتعاد عن طهران، وهو ما أدّى إلى تهديد إيران سورية.

والخلاصة التي يجري التوصّل إليها ضرورة بناء إسرائيل علاقة مختلفة تماماً مع دمشق. غير أنّ هذه الخلاصة تشدّد على ما يلي أيضاً: على إسرائيل عدم التخلّي عن مواقع ذات قيمة استراتيجية أقدمت على احتلالها داخل الأراضي السورية في مقابل وعود فقط. وبدلاً من هذا، يجب أن يكون أي انسحاب من هذه المناطق مشروطاً بترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ تشمل نزع السلاح، ومنع انتشار قوات معادية، وتوفير ضمانات موثوق بها في ما يتعلق بوجود قوات عسكرية أجنبية.

من ناحية أخرى، لا ينبغي لإسرائيل أن تعتبر ما جرى بأنه ينبئ بتحالف استراتيجي مستقر وطويل الأمد بين البلدَين؛ فلا يزال النظام الجديد في سورية هشّاً من الداخل، وجيشه ما زال مؤلفاً من تشكيلات مسلحة متنافسة، والتوترات الطائفية لم تُحلّ بعد، بينما تعمل تركيا على توسيع حضورها العسكري والسياسي بسرعة. لذلك؛ على إسرائيل متابعة التطورات عن كثب، وتجنُّب تقديم تنازلات إلى دمشق في مقابل تصريحات معتدلة فقط. ويجب أن يقترن كلّ تنازُل إسرائيلي بالتزام سوري ملموس وقابل للتحقق.

علاوةً على هذا، يجري تأكيد أن على إسرائيل أن توضح أن استبدال النفوذ العسكري الإيراني بوجود عسكري تركي هو بمثابة نتيجة استراتيجية غير مقبولة؛ ويجب أن يكون الهدف الذي تتطلّع إسرائيل إليه “قيام سورية مستقرة، تمنع إيران وحزب الله من استخدام أراضيها، وتحترم مجتمعاتها من الأقليات، ولا تتحوّل إلى منصّة عسكرية متقدّمة لقوة إقليمية أُخرى”، كما ورد في إحدى أوراق السياسات الجديدة.

* تم النشر بتاريخ2 ىيلول 2026 على موقع العربي الجديد