صحف وآراء مجتمع

في الاصولية الدينيّة… رقصة الموت / الحلقة الثانية

* هشام دبسي

انتقلت جماعة الإخوان المسلمين من العمل الدعوي إلى النشاط السياسي – الجهادي في فلسطين، عبر إعادة تشكيل تنظيمها الحزبي، وصارت تُسمّى حركة حماس. وفي هذا الانتقال جرى انفتاح واسع على الحركة الجماهيرية، وسعت إلى تكريس مفهومها الخاص لنظام المصلحة الفلسطينية، كما ورد في الجزء الأول من هذه المقاربة. واعتمدت الحركة، في ظاهر سياستها، على ركيزة إسقاط اتفاق أوسلو وانتقاد أداء السلطة الوطنية وفسادها. وروّجت للدعوة إلى الإصلاح والتغيير، باستهداف السلطة ووزاراتها وأجهزتها ومنظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الكياني وصاحبة التمثيل الرسمي والشرعية الدولية.

أما نشاطها الجهادي – العسكري والأمني، فشكّل للحركة الناشئة بوابة التحول من جماعة حزبية نخبوية مغلقة إلى حركة جماهيرية واسعة. وقد تم لها هذا التحول عبر ممارستها العنفية في انتفاضة الأقصى، حسب تسميتها، إذ صعّدت حماس استخدامها للعنف إلى أبعد حد استطاعته، على أن هذا الجهاد الانتحاري كما توهمت سيحرّر القدس وكامل التراب الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني، ربطاً بالنموذج الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالتحالف مع نظام الأسد الأب في سوريا، بما هما تلخيص يختصر الأمتين العربية والإسلامية معاً!

في نهاية انتفاضة الأقصى ورحيل الرئيس عرفات، كانت موازين القوى الداخلية الفلسطينية تتجه لمصلحة حركة حماس. ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، صدرت الفتوى الدينية التي تُجيز وتُحلّل المشاركة بالانتخابات من دون التوقف أمام قوانينها، أو علاقتها باتفاق أوسلو والتزامات السلطة الوطنية تجاه إسرائيل والمجتمع الدولي. إذ اعتمدت الحركة على جمهورها الواسع والمؤيد للعنف المسلح بكل أشكاله، وعلى تمسكها بشعارها «إسقاط اتفاق الخيانة»، وعلى هويتها الجماهيرية الجديدة للمشاركة بالانتخابات تحت قائمة «الإصلاح والتغيير».

تحوّلات سُلْطَوِيّة

حصدت حركة حماس أربعة وسبعين مقعداً في المجلس التشريعي، من أصل 132 مقعداً، وفازت بالأغلبية، وصار قائدها إسماعيل هنية رئيساً للوزراء، إلى جانب رئيس السلطة المنتخب محمود عباس.

ولم يطالب عباس حركة حماس بتغيير برنامجها الحزبي، شأنها في ذلك شأن سائر الفصائل المشاركة في السلطة، لكنه نبّه إلى ضرورة التزام الحكومة، في مؤسسات السلطة كافة، بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وبالالتزامات القائمة تجاه المجتمع الدولي، انطلاقاً من قاعدة الفصل السياسي بين الأحزاب والفصائل وبرامجها، وبين المؤسسة السلطوية التي يُفترض أن تمثل الكيان السياسي الفلسطيني. وهو مبدأ معمول به، من حيث الأصل، في الأنظمة البرلمانية والدول الحديثة.

وبالعودة إلى البرنامج الانتخابي الذي خاضت حماس الانتخابات من خلاله، تحت يافطة «التغيير والإصلاح»، نجد وثيقة سياسية تضمنت بنوداً تتحدث عن الثوابت الوطنية والمقاومة، وحماية الحريات السياسية والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، ورفض الاقتتال الداخلي، واحترام حقوق الأقليات، ومنع الاعتقال السياسي، ومحاربة الفساد، وإصلاح القضاء، إلى جانب جعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع، فضلاً عن مجموعة من البنود الاجتماعية والاقتصادية التي لا تكاد تثير خلافاً بين القوى السياسية الفلسطينية.

وقد بلغ البرنامج ثمانية عشر بنداً، تفرّع عن كل منها عدد من النقاط التفصيلية. غير أن هذه الوثيقة، التي مثّلت أول اختبار ديمقراطي واسع لحماس في ممارسة السلطة، لم تصمد طويلاً أمام واقع ازدواجية السلطة التي نشأت بين رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة، وانتهت بعد أقل من عام ونصف إلى الصدام المسلح، ثم إلى سيطرة حماس بالقوة على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007.

وقد كشفت أحداث الانقسام المسلح آنذاك عن مفارقة صارخة بين ما نصّ عليه البرنامج الانتخابي من حماية للتعددية ورفض للاقتتال الداخلي والتداول السلمي للسلطة، وبين ممارسة سياسية انتهت إلى استخدام القوة لحسم الصراع على السلطة. وسقط خلال تلك المواجهات مئات القتلى والجرحى من عناصر الأجهزة الأمنية والفصائل والمدنيين، لتدخل الساحة الفلسطينية منذ ذلك الحين مرحلة الانقسام السياسي والجغرافي بين سلطتين.

ولم تكن المشكلة في انتقال حماس من موقع المعارضة إلى موقع الحكم بحد ذاته؛ فهذا هو جوهر العملية الديمقراطية. وإنما في أن انتقال الحركة إلى السلطة وضع خطابها الأيديولوجي أمام امتحان مختلف تماماً: كيف تتحول العقيدة السياسية إلى مشروع حكم؟

فهناك فارق جوهري بين امتلاك خطاب تعبوي قادر على استقطاب الجمهور في زمن المعارضة، وبين إدارة مجتمع مثقل بالفقر والبطالة والحصار والاحتلال وتدهور الخدمات، ويحتاج قبل كل شيء إلى التعليم والصحة والعمل والتنمية والقضاء والإدارة الرشيدة.

وهنا ظهرت إحدى المعضلات البنيوية في تجربة الأصولية الدينية: قدرتها على إنتاج خطاب سياسي يستمد جزءاً كبيراً من قوته من المرجعية الدينية، مقابل صعوبة تحويل هذه المرجعية إلى برنامج متكامل في الاقتصاد والتنمية والثقافة والإدارة العامة. وهي معضلة لا تقتصر على التجربة الفلسطينية، بل ظهرت، بدرجات مختلفة، في تجارب إسلامية أخرى، من إيران إلى السودان والصومال وتونس، حين اصطدمت الأيديولوجيا بوقائع المجتمع وتعقيداته، وحين تحولت السياسة إلى امتداد للعقيدة، بدلاً من أن تكون مجالاً لإدارة المصالح المتعارضة داخل المجتمع.

وفي الحالة الفلسطينية، كانت المعضلة أكثر تعقيداً. فحماس لم تتسلّم سلطة في دولة مكتملة السيادة، بل في سلطة محدودة الصلاحيات، تحت الاحتلال، وفي مجتمع محاصر، بينما بقيت إسرائيل تسيطر على الحدود والمجال الجوي والمياه والمعابر، وتمتلك القدرة على فصل المناطق الفلسطينية والتدخل في حركة الأفراد والبضائع والموارد.

وفي ظل هذه البيئة، كان يُفترض بأي مشروع سياسي يسعى إلى الحكم أن يضع التنمية وتحسين شروط الحياة وإدارة المؤسسات في مقدمة أولوياته، وأن يحدد بوضوح العلاقة بين المقاومة وبين متطلبات الحكم. لكن تجربة حماس اتجهت، تدريجياً، إلى جعل إدارة الصراع المسلح مع إسرائيل محوراً مركزياً في عملها السياسي والأمني.

وهكذا بدا أن الانتقال إلى السلطة لم يؤدِّ إلى فصل الوظيفة الحزبية والأيديولوجية عن وظيفة المؤسسة الحكومية، بل أعاد إنتاج الصراع من داخل السلطة نفسها. ومن هنا بدأت تتضح المفارقة التي ستلازم تجربة حماس: حركة جاءت إلى السلطة عبر الانتخابات، لكنها لم تستطع أن تفصل بصورة مستقرة بين مشروعها الأيديولوجي كحركة، ومتطلبات الحكم كسلطة.

وهذه المفارقة هي التي ستقود، في المحصلة، إلى التحول من «التغيير والإصلاح» بوصفهما شعاراً انتخابياً، إلى سلطة الأمر الواقع بوصفها نتيجة للانقسام والحسم العسكري.

السلطة والحرب

خاضت حركة حماس، منذ سيطرتها على السلطة في قطاع غزة، أربع حروب كبيرة وعشرات الاشتباكات المتقطعة، فضلاً عن حربين كانت تتفرج فيهما على حركة الجهاد الإسلامي في مواجهتها المنفردة مع جيش الاحتلال. وبقدر ما كانت العمليات الإسرائيلية الكبرى تحمل أسماء رمزية مستمدة من الفكر الصهيوني الديني، جاءت أسماء المعارك أيضاً تحمل الدلالات الدينية الإسلامية، مثل «الفرقان» 2009، و«حجارة السجيل» 2012، و«العصف المأكول» 2014، و«سيف القدس» 2021، وآخرها «طوفان الأقصى.

في سجل القتال، طوّرت «كتائب القسام» قدراتها الصاروخية وأنفاقها، وصرفت أموالاً طائلة، فضلاً عن الجهد والإعداد البشري. إلا أن الخسائر الإجمالية لمجموع أيام الحروب الأربع الأولى، وهي تقارب المائة يوم، بلغت أكثر من أربعة آلاف قتيل، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى، من العسكريين والمدنيين، والدمار الواسع للمباني والمنشآت والبيوت السكنية.

إذا أُخضِعت هذه الحروب للدراسة والتحليل في أسبابها ونتائجها المباشرة والبعيدة، لأدركنا أنها العامل الأول في تماسك الجهاز العسكري والأمني لحركة حماس، الذي يمكنها من الاستمرار في السلطة من خلال المواجهات المستمرة مع الجيش الإسرائيلي، ويعفيها في الوقت نفسه من مسؤولية الفشل في إدارة الشأن العام في القطاع المحاصر، الذي اعتمد على اقتصاد الأنفاق والتهريب، بينما بلغت نسبة الفقر في القطاع 60%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 45%، أي ثلاثة أضعاف مثيلتها في الضفة الغربية.

وفي الوقت الذي كان الناتج المحلي للقطاع يساوي 31% من الناتج الفلسطيني الإجمالي عام 2006، انخفض الناتج المحلي للقطاع عام 2022 إلى نسبة 17% من الاقتصاد الفلسطيني في ظل سلطة حماس.

تلك الأرقام تكشف حقيقة الفشل في إدارة الشأن العام، عندما تُنسب السياسات وتُرفع إلى مرتبة التكليف الشرعي والديني، وترتبط بشعارات على صلة بالآخرة، حيث يتحول الموت إلى عملية ارتقاء يجب المباركة بها وتهنئة تنظيمه وأهله إذا كان مقاتلاً، والأسف عليه إذا كان مدنياً ومات عرضاً من دون تكليف ومن دون استشارته، سواء كان أعزب أم رب أسرة، فقد حياته وحياة عائلته من غير إرادته.

هكذا يتم تصدير مشكلات السلطة المستعصية وربطها بحركة الصراع الدائمة مع الاحتلال، بما يجعل أي نقد أو اعتراض أو مطالبة يُدرج في خانة المساس بالمقدس، وفي خانة التخلي عن النضال ضد الاحتلال بالحد الأدنى، وبالخيانة العظمى في غالب الأحيان.

وأياً تكن النتائج قاسية ومريرة، فإن قادة الحركة، في خطابهم السياسي والجماهيري، يحشدون المصطلحات الدينية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإقناع الناس بأننا نسير على درب هزيمة إسرائيل وتحرير القدس، بل يبشّرون بـ”حتمية زوال الكيان الصهيوني”، كما كان بعض القوميين واليساريين “يبشّرون بـ”هزيمة الإمبريالية العالمية وربيبتها إسرائيل”.

هكذا يتم إعادة إنتاج المشهد اليومي لسلطة حماس في القطاع طيلة السنوات الماضية، حتى وصلنا إلى لحظة «طوفان الأقصى» في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

* تم النشر بتاريخ 18 آب 2026 على موقع   Levant time