سياسة صحف وآراء مجتمع

الجنوب كموقع متقدم على خط التوتر الاميركي – الايراني: محاولة سياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من عمران

الدكتور زهير هواري

بيروت 20 آب 2026 ـ بيروت الحرية

جاءت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى إيطاليا ضمن محاولة لبنانية لتلافي ما هو أفدح مما نشهده حاليا من تصعيد على جبهة الجنوب مع ما يرافقه من تدمير. وهو التصعيد الذي دفع مطلع الأسبوع الماضي عشرات ألوف الجنوبيين إلى نقل ما خف حمله والتوجه شمالا نحو صيدا والاقليم والعاصمة وما هو أبعد منها.  ويطمح الرئيس عون أن يقود هذا التحرك الذي يعمل على أكثر من خط إلى نزع الفتائل التي باتت شبه جاهزة لتفجير الوضع على نحو واسع. وأهمية الدور الايطالي أنه مطروح من مداخل عدة أولها هو لعب دور في آلية التحقيق اذا ما نجحت الدبلوماسية في دفع حزب الله للانسحاب من مرتفعات علي الطاهر وتسليمها للجيش اللبناني. وثانيها هو الدور الذي يمكن أن تلعبه ايطاليا في حال تأمن توفير قوى دولية متعددة للحلول محل قوات الأمم المتحدة “اليونيفيل”، خصوصا وأنها مشاركة حاليا في هذه القوة التي تنتهي مهلة ولايتها نهاية العام الجاري. أما الثالث فهو  دعم الجيش اللبنانيّ وتعزيز أوضاعه التسليحية. خصوصا وأن ايطاليا تملك ما تقدمه  له في هذا المجال. كذلك يستحضر الموقف الايطالي بحكم استضافة روما الجولات الأخيرة من المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة برعاية أميركيّة. وأخيرا فايطاليا دولة مؤثرة ضمن الاتحاد الاوروبي، وهي مقبولة من أميركا واسرائيل خلاف كل من فرنسا وإلمانيا.

و يبدو من الواضح أن المسألة لم تعد بالنسبة للبنان هي الدفاع عن صيغة “اليونيفيل” الحاليّة التي تنتهي مدة ولايتها قريبا، بقدر ما أصبحت ضمان عدم ترك الجنوب من دون أن تتوافر له ما يشبه المظلّة الدوليّة كالتي تمتع بها منذ العام 1978 والمعززة في العام 2006 . والمشكلة هي أن لبنان والمنطقة يجتازان مرحلة قد تكون الأكثر خطورة منذ بداية الحروب المتتابعة. وفي الحساب اللبنانيّ، من شأن الحضور الدوليّ في الجنوب أن يحقق ثلاث وظائف مترابطة هي: المراقبة والإفادة، التنسيق والاتصال، ومساندة الجيش في تثبيت وجود الدولة. وهي وظائف تصبح حاسمة خصوصا في هذه المرحلة حيث يبلغ التوتر والاستعداد الاقليمي للحرب  أقصى مداه، مع ما يرافقه من استعداد عملياتي  يقود إلى احتمال حدوث مواجهة عسكرية مفتوحة بين كل من اميركا وايران.

حراك سياسي وتحرك ميداني

لكن تحقيق جملة الأهداف اللبنانية ما يزال محفوفا بالمخاطر، ففي مقابل الحراك الدبلوماسي والداخلي اللبناني، بما فيه العريضة التي وقعها 86 نائبا وتطالب ببقاء اليونيفيل في الجنوب، هناك الحركة الإسرائيليّة الميدانيّة المتصاعدة، التي تقطع الطريق على ما سبق وتضمنته ورقة التفاهم لجهة توسيع المناطق التجريبية، وما يستتبعها من تعزيز دوائر انتشار الجيش اللبناني ومتابعة المسار التفاوضي بين لبنان واسرائيل الذي تشرف عليه أميركا لمقاربة باقي النقاط وأبرزها بسط سلطة الدولة وتسليم حزب الله سلاحه وعودة المهجرين من الأهالي وإعمار القرى والبلدات ومسألة تحرير الأسرى. وعليه يبدو الاتفاق وكأنه يترنح بشدة وإن لم يصل بعد إلى حدود الانهيار الكامل. لكنّ المشكلة الواضحة لدى أي مراقب تتمثل في أنّ هذه العناصر جميعها التي جرت صياغتها قبلا لم تؤدي إلى تحصيل مقابل لها من اسرائيل على الارض.

يؤكد ذلك ما يحدث في الميدان. فعمليات التجريف قائمة على قدم وساق والقصف المدفعي والجوي لا يهدا ليلا ونهارا، والاعلام الاسرائيلية ترتفع على المزيد من الاراضي والمواقع اللبنانية. والتصريحات الاسرائيلية تتوعد بإيقاع المزيد من الضحايا والمصابين حتى تحقيق الأهداف المعلنة بسقوط لبنان تحت مظلة الهيمنة الاسرائيلية من مدخل تسليم حزب الله سلاحه في عموم الاراضي اللبنانية. وعليه، تؤكد هذه المواقف دوما على البقاء في المناطق المنزوعة السكان، والتي باتت تصل إلى حدود الـ 80 قرية وبلدة ومدينة حتى الآن.

ولدى النظر إلى ما هو أبعد من جبهة الجنوب يتبين أن ما قامت به الطائرات الحربية الاسرائيلية عندما قصفت مطار أبو الظهور في ريف أدلب في الشمال السوري، أي على بعد مئات الكيلومترات عن جبهة الجولان يحمل دلالات كبرى مع ما رافقه من تحذيرات لتركيا، و يشي بتطور نوعي على صعيد صرعات المنطقة، لا سيما وأن نتنياهو قد يعمد على تنظيم تفجير واسع ينطلق منه لتأجيل الانتخابات المقررة في شهر تشرين الأول المقبل والتي تبدو حظوظ نجاحه فيها ضعيفة. لبنانيا يتأكد أن لا اتفاق على توسيع المناطق التجريبيّة، ولا انسحاب من نقاط إضافيّة وانتشار للجيش، ولا صيغة نهائيّة لآليّة التحقّق.

وبهذا، يتحرّك لبنان على مستوى بناء الأدوات التي يفترض أن تدير التسوية، فيما إسرائيل تتحرّك على الأرض لتعديل الوقائع التي ستفاوض عليها أصلًا. والمفارقة أن لبنان يضع العربة قبل الحصان فسائر الترتيبات التي كان يفترض اعتمادها باتت في حكم المعلقة. وبالتالي فالحلول الدبلوماسية معطلة إلى هذا الحد أو ذاك. ولا يبدو أن المساعي الاميركية العسكرية والسياسية راغبة بتحريك الوضع من خلال تسليط مزيد من الضغط على اسرائيل لاعتماد المسار السياسي. وهو ما لا ينحصر في الوضع على الجبهة اللبنانية، بل يشمل قطاع غزة أيضا. بدليل مواصلة اسرائيل عملياتها على كلا الجبهتين، وإن اختلفت ظروف كل منهما. ويتبين من تصريحات مسؤولي الادارة الاميركية، أنها ليست بعيدة عما تطرحه اسرائيل من أولوية تسليم سلاح كل من حماس وحزب الله قبل أي بحث آخر. بدليل ما يحدث ميدانيا من خلال متابعة الاغتيالات ومزيد من قضم الاراضي، واستكمال الاستعداد الميداني لمتابعة المعارك بعد الهدوء النسبي المنتهي الصلاحية كما يتبين راهنا.

جبهة علي الطاهر

لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب اللبناني عن انتهاء مهلة الـ 60 يوما المحددة في مذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة حول الوضع في الخليج العربي من دون اتفاق نهائيّ، ولا عن محاولة طهران ترتيب أوضاعها الهجومية اقليميا على جبهة البحر الأحمر خصوصا، رغم التخبط الميداني الذي تمارسه تهديدا وتنفيذا، لكن زيارة قاليباف للعراق مثلا بالغة الدلالة معطوفة على ترتيب البيت الايراني الداخلي. فالخلاف على مضيق هرمز والعقوبات والترتيبات النوويّة دفع هذا المسار إلى مأزق، فيما أعلن مسؤول إيرانيّ رفيع انتقال بلاده إلى سياسة “هجوميّة بالكامل” إذا فشلت الدبلوماسيّة.

بدورها اسرائيل أعدت عدتها لمتابعة دورها الهجومي على ايران.  وكان سلاح طيران الجيش الاسرائيلي على أهبة الاستعداد للمشاركة في هجوم اميركي كبير جرى إرجاؤه في اللحظة الأخيرة. لكن ذلك لا يمنع اسرائيل من متابعة عمليّاتها جنوبًا بما يتخطّى إدعاء الردّ المباشر على “حزب الله” الذي كانت تكرره القيادة العسكرية الاسرائيلية كلما قررت متابعة  سياستها الهجومية على لبنان. فمنطق تل أبيب، كما يظهر في القراءة العسكريّة التي نقلتها “معاريف” عن أوساط قيادية، يقوم حاليًّا على مبدأ الحفاظ على المكتسبات الميدانيّة التي تحققت خلال المواجهات السابقة وتثبيتها. ويترافق ذلك مع الحرص على عدم التسبب بعودة العلاقت الاميركية – الاسرائيلية إلى التدهور نتيجة تجاوز الحدود المقررة . أي إن اسرائيل تحاذر في الوقت نفسه التسبب بانفجار اقليمي واسع يتعارض مع الأولويّات الأميركيّة التي تحرص على بقاء جبهتي لبنان وغزة  تحت سقف يمكن التحكّم به، فيما تتركّز المواجهة الأساسيّة على إيران ومضيق هرمز.

قرار الانضباط وحدود التوسع

الانضباط  الاسرائيلي لا يعني الانصياع للطلبات الاميركية بالكامل، وبالتالي العودة عما حققته من مكتسبات على الارض. ولذلك تحاول استخدام الوقت المتاح لتحسين شروطها الميدانيّة، بما يجعل المرحلة الحاليّة أقرب إلى تثبيت خطوط ما قبل المواجهة الكبرى منها إلى مرحلة تهدئة. وهو ما يمنح نتنياهو وفريقه أفضلية في الانتخابات القريبة. وعليه تأتي هنا أهمية مرتفعات علي الطاهر التي تشغل موقعًا محوريا في الحسابات الإسرائيليّة. فصحيفة معاريف الإسرائيليّة تصفها بموقع مركزيّ في المنظومة الدفاعيّة لـ”حزب الله”، وترى أنّ السيطرة عليها تمنح إسرائيل، في حال انتقال العمليات إلى مستوى برّيّ أوسع، إمكانات حركة باتجاه البقاع وبيروت، وغربًا نحو الساحل. وبناء عليه تصبح هذه المرتفعات مفتاحا لمزيد من التقدم باتجاه البقاع والنبطية مدينة وقضاء والخط الساحلي إلى صيدا وبيروت. أي أن هذه المرتفعات ستكون رأس جسر نحو تحقيق المزيد من التقدم . لذلك يجري التأكيد على أهمية حسم السيطرة عليها من خلال التمهيد لذلك عبر القصف الجوي والمدفعي الكثيف بما فيه استعمال القذائف الفوسفورية، ومحاولات التقدم وإحكام الحصار على مداخله ومخارجه. كل هذا يدخل في باب االتمهيد لمواكبة حدث انفجار الوضع بين الولايات المتحدة وايران.

والواضح أن إسرائيل تريد، قبل مشاركتها في حرب إقليميّة محتملة أكثر اتّساعًا، تقليص مناطق هيمنة حزب الله كي لا يملك أوراقا يمكنه استخدامها  للضغط على قواتها أو إعادة بناء قدرة هجوميّة جنوب الليطاني في حال صدور أمر العمليات من الحرس الثوري. وعلى الرغم من تحركها تحت سقف سياسيّ أميركيّ يطالبها بعدم إشعال الجبهة اللبنانيّة بحسب “معاريف”، تحاول المؤسسة الإسرائيليّة حماية ما تعتبره “إنجازاتها العسكريّة” مع تجنّب عمليّات واسعة تؤدّي إلى الانفجار الكامل.

لكنّ هذه المعادلة تحمل تناقضها في داخلها. فكلّ استخدام إضافيّ للقوّة يجعل الانزلاق إلى الحرب أكثر احتمالًا. ولعل تجربة الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 خير دليل. ففيما أعلنت اسرائيل بداية على لسان وزير الدفاع ارييل شارون عن عزمها التقدم 40 كلم اندفعت بقواتها نو العاصمة وخط بيروت دمشق في كل من الجبل و البقاع. إن تجربة غزو ذلك الصيف يدلل على نحو لا يقبل النقاش أن ما تعلنه اسرائيل راهنا حول عزمها البقاء في المناطق التي تقدمت نحوها في كل من قطاع غزة وسوريا ولبنان هو مدخل لمزيد من التوسع، طالما أن شهية حكومة المستوطنين مفتوحة على المزيد من مضغ الاراضي العربية وفي المقدمة منها اللبنانية.