تبدو الطريق من بيروت إلى جنوب لبنان أقل ثقلاً هذه الأيام. يُمكن ملاحظة ذلك من عودة رعونة السائقين إلى طبيعتها. خلال فترة الاستهدافات المكثفة التي كان ينفذها الاحتلال الإسرائيلي على الطرقات، ساد عرف ضمني يقوم على أن تلتزم كل سيارة بمسافة أمان عن التي أمامها، خشية من استهدافها بطائرة إسرائيلية مسيّرة. ومسافة الأمان تلك تزداد أمتارها مع زيادة عمق المنطقة في الجنوب. ومَن يعرف طبيعة السائقين في لبنان، يدرك أن الالتزام بهذه المسافة لا وجود له في الأيام الطبيعية. اليوم عاد السائقون المتجهون إلى الجنوب ليتسابقوا ويتزاحموا وكأنهم يستعجلون اختصار الطريق للوصول إلى بوابة الجنوب صيدا قبل أن يتوزعوا نحو قراهم التي لا تقع ضمن نطاق القرى المحتلة أو يُمنع الوصول إليها.
الدمار في الجنوب اللبناني
على حاجز صيدا، يلوّح جنود الجيش اللبناني بأيديهم للمارة إيذاناً بالمرور لكنهم يكتفون منذ فترة بهذه الحركة من داخل كبائن الحراسة. لم يعد هناك من حاجة إلى تدقيق بشري مكثف وبالعين المجردة أو طلب التوقف يميناً بكثرة للتحقق من الهويات وأوراق السيارات حتى يكاد يخلو الخط المخصص لتلك المهمة من السيارات. منذ فترة، كان يمكن ملاحظة ازدياد عدد كاميرات المراقبة عند الحاجز الذي يسمّى حاجز الأولي (نسبة إلى نهر الأولي) وفي محيطه. الرصد التقني يؤدي مهمته، يمكن تتبع لوحات السيارات ومَن فيها، وعند الحاجة استخلاص كل المعلومات.
وما بعد صيدا لا يطول الوقت حتى تبدأ ملاحظة الدمار الذي قضم أجزاء واسعة من قرى الجنوب وصور الشهداء الذين قضوا في الحرب الأخيرة التي تفجرت في 2 مارس/آذار 2026، والتي تزداد في كل زيارة بعدما تحولت القرى في الجنوب إلى بيوت عزاء لا يكاد يغلق أحدها حتى يُفتح آخرُ لا سيما مع استمرار انتشال الضحايا والعثور على بقايا “مفقودي الأثر” تحديداً من مقاتلي حزب الله الذين قضوا في الحرب وتعذر الوصول إلى جثامينهم وانتشالها.
يمكن ملاحظة ازدياد عدد كاميرات المراقبة عند حاجز الجيش اللبناني في صيدا وفي محيطه
في الخط القريب من صيدا، نسبة الدمار والخراب أقل، ما انعكس في عودة سريعة لأبناء هذه القرى الذين نزحوا خلال فترة الحرب إلى قراهم مستعيدين حياتهم ولو ببطء من دون أن تغيب عنهم أجواء الحرب، إذ لا تزال أصداء التفجيرات والقصف تصل إليهم عندما تكون مكثفة خصوصاً في ساعات الليل، مذكرة إياهم بأهوال الحرب المدمرة التي لا يزال يتعرض لها جنوب لبنان. ينعكس ذلك في بقاء أهالي هذه القرى بما يشبه حالة التأهب الدائمة مع الاحتفاظ بحقيبة مجهزة للمغادرة الفورية متى استدعت الحاجة، فالاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف وإمكانية تفجر الوضع في أي لحظة قائمة على غرار ما حدث يوم السبت الماضي، عندما ارتكب الاحتلال مجزرتين جديدتين في أنصار ودير الزهراني في قضاء النبطية، واضطر الآلاف لمغادرة قراهم سريعاً خوفاً من تصعيد أكبر قبل أن يعودوا إليها تباعاً.
تعج هذه القرى في هذه الأيام بأبنائها من المقيمين الدائمين وسكان العاصمة الذين يقضون فترات منقطعة من الصيف فيها والمغتربين الذين عادوا بزيارات سريعة تشبه التقاط الأنفاس للاطمئنان على ذويهم، إلى جانب نازحين من قرى الخط الأول والخط الثاني التي يستحيل العودة إليها، إما بسبب احتلالها أو نتيجة فقدان المنازل. ولهؤلاء مأساتهم الخاصة والممتدة، يعيشون اللايقين والفقد. بعضهم لا يزال إلى اليوم لا يملك خبراً مؤكداً عن حال منزله وأرضه وبعضهم الآخر يتجرع مرارة الخسائر التي تكبدها والتي تشكل جنى عمره وهو لا يدري ماذا ينتظره ومتى يمكن له أن يعود إلى قريته ليستعيد بعضاً من حياة فقدها طيلة الأشهر الماضية.
بصمة الحرب عند الجنوبيين
تركت هذه الحرب بصمتها الخاصة في نفوس الجنوبيين، أينما توزعوا، فهي الأكثر إيلاماً حتى أنها تكاد لا تغادر أحاديث أهالي القرى كلما اجتمعوا في مَصَاطِب منازلهم يحاولون التخفف من حرارة صيف أغسطس/آب القاتلة هذا العام.
جزء لا يستهان به من الجنوبيين لم تغير الحرب، بكل الإجرام والحقد الإسرائيلي الذي أفرزته، آراءه بل جعلته أكثر قناعة بضرورة المواجهة التي جرت ويرى في كلفتها أمراً متوقعاً مسبقاً ولا مفر منها في ظل اختلال موازين القوى مع الاحتلال. من وجهة نظر هذه الشريحة، لم تكن المسألة يوماً تنطلق من اعتقاد بتفوّق عددي أو تسليحي على إسرائيل، بل من وقوف في وجه الظلم. وعند هذه النقطة من الحديث، سرعان ما تُستحضر واقعة كربلاء شديدة الأهمية بالنسبة إلى الشيعة لتتردد على الألسن عبارة شبه مكررة عن كيف كانت نصرة الحق مقدمة على أي اعتبار آخر. كما يستفيضون في الحديث عمّا يرونه تخلياً من الدولة عن الجنوب وتركهم لمصيرهم مستدلين بما يصفونه “هرولة للتطبيع مع إسرائيل” وتقديم التنازلات مقابل العجز الكامل عن وقف الحرب والتدمير في دلالة على صوابية أهمية استمرار المواجهة لمحاولة تغيير المعادلة الحالية المذلة. بالنسبة إليهم، لا حاجة إلى إقناع الآخرين بامتلاك الحق في الدفاع عن الأرض التي كان تحريرها هو الإنجاز الأكبر في عام 2000 قبل أن تتغير المعادلة في الحرب الأخيرة.
وهذه الأحاديث لا ينطق بها مناصرون حزبيون لحزب الله، بل يمكن وصفهم بأنهم أقرب إلى “البيئة” من الطائفة الشيعية، أي ليس لديهم أي ارتباط تنظيمي به.
لكن في أحاديث فئة أخرى يمكن هذه المرة تلمس نبرة مختلفة عن الحروب السابقة، تحديداً عقب حرب الإسناد التي بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الثاني 2023 ومن ثم تفجر المواجهة الواسعة بين سبتمبر/أيلول 2024 حتى 27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه التي كانت تطغى عليها الحماسة الزائدة والاستعداد لمعركة سحق إسرائيل ونصر جديد منتظر. تكاد تختفي لدى كثر منهم أي إشارة إلى نصر تحقق بل يستعاض عنها بـ”صمود” في أحسن الأحوال.
وتراجُع حديث النصر يفتح فرصاً أكبر للنقاش عن المستقبل، ليس للبنان بلداً جامعاً لأبنائه بالدرجة الأولى، بل عن مستقبل الطائفة الشيعية. يبدو ذلك وكأنه المشترك الجامع الذي يلتفون حوله من مختلف المشارب، بعدما خسرت هذه الطائفة في الحرب الأخيرة أكثر من أي معركة سابقة مع إسرائيل، ليس فقط على مستوى تدمير المنازل بل على مستوى احتلال قرى بأكملها وترميدها. و”الترميد” هو المصطلح الذي يحضر بقوة في محاولة لتصوير حجم الجرح القائم.
الأرقام تشرح ذلك بوضوح. الإحصاءات الرسمية عن الخسائر في جنوب لبنان ليست حديثة بالكامل ما عدا أرقام الضحايا التي بلغت حتى 16 أغسطس، 4346 شهيداً و12301 جريح.
وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، في أواخر يونيو/حزيران الماضي نتائج تقييم سريع للأضرار على مستوى المباني في جنوب لبنان حتى تاريخ 29 إبريل/نيسان 2026. وأظهرت النتائج أن إجمالي الأضرار المباشرة في المباني في جنوب لبنان يُقدَّر بنحو 1.38 مليار دولار أميركي، مع حجم ركام يُقدَّر بحوالي 3.1 ملايين متر مكعب. وقد سُجِّل تدمير كامل لـ11 ألفاً و95 مبنى، ما أثّر على 17 ألف و891 وحدة سكنية، فيما تضرر 2242 مبنى بشكل جزئي (5219 وحدة سكنية)، وتعرض 9311 مبنى لأضرار طفيفة (18 ألفاً و282 وحدة سكنية). وشمل الرصد المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما في ذلك أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا، مستثنياً الأقبية أو المنشآت تحت الأرض، والأضرار التي طاولت البنية التحتية الحيوية مثل الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.
وفي تقرير للمجلس منشور على موقعه الإلكتروني يرصد عدد الوحدات المدمّرة والمتضرّرة وحجم الردميات على مستوى الأقضية، استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية منخفضة الدقة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، خلال الفترة الممتدة من 2 مارس حتى 2 يوليو 2026، يتبين أن عدد الوحدات المتضررة والمدمرة 100 ألف بينما حجم الردميات يتراوح بين 10 و14 مليون طن، لكن الجزء الأكبر منها يتركز في محافظات الجنوب بنحو 86 ألف وحدة إذا ما تمّ احتساب الأرقام المذكورة في التقرير. وهنا الرقم أكبر مما ذكره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ليس فقط بسبب الفارق الزمني بين الرصدين، بل أيضاً بسبب المنهجية وكيفية حساب المباني المتضررة.
وقبل أيام أيضاً، نشرت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية تقريراً بعنوان “حملة إسرائيل لجعل جنوب لبنان غير صالح للعيش” قدّم صورة أكثر قتامة عن الوضع، استندت فيه أيضاً إلى أرقام من وزارات ومجالس رسمية لبنانية مع حرص المعدين على الإشارة إلى أن الخسائر المفندة، خصوصاً في ما يتعلق بالدمار تحديداً، ناقصة لأن ما بين 20 و30% من المباني لم يكن قد خضع للتقييم بسبب استمرار العمليات العسكرية في بعض المناطق.
ونقلت الصحيفة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية أن 62 قرية وبلدة ومزرعة تقع ضمن ما يسمى “الخط الأصفر” الذي استنسخه الاحتلال من غزة وطبّقه في لبنان، ويُقدّر عدد سكانها بنحو 270 ألف شخص ممن مُنعوا من العودة إلى مناطقهم. ووفقاً لمعطيات وزارة الزراعة اللبنانية التي نقلها التحقيق، فإن أكثر من 20% من الأراضي الزراعية والغابات في جنوب لبنان تضررت أو دُمّرت، فيما عدت بساتين الزيتون، التي تسهم بنحو 40% من إنتاج الزيتون اللبناني.
أما تقرير مركز البحوث بالتعاون مع وزارة البيئة اللبنانية بشأن الأثر البيئي للاعتداءات الإسرائيلية 2023-2025، فيعطي لمحة عن حجم خسائر هذا القطاع بما أن الأرقام قديمة، ويشير إلى تضرر خمسة آلاف هكتار من الغطاء الحرجي. وكما في كل حرب يتعمد الاحتلال حرق أوسع مساحات ممكنة ضمن نظرية أن الغطاء يشكل ستاراً يستخدمه حزب الله في أنشطة عسكرية. ومنذ نحو ثلاث سنوات تعرضت منظمة “أخضر بلا حدود” لعقوبات أميركية بدعوى ارتباطها بـ”حزب الله” وتشكيلها غطاء ودعماً لأنشطته في جنوب لبنان.
وعلى صعيد المدارس في الجنوب، والتي كانت مجمعاتها المنتشرة بكثرة، فنالت نصيبها مع تضرر ما لا يقل عن 340 مدرسة، تشمل مدارس رسمية وخاصة ومؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني، تعرضت لأضرار، من بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل، معظمها في الجنوب، بحسب بيان لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في 2 يوليو الماضي. وحذّر البيان يومها من أن 100 ألف طفل في لبنان يواجهون خطر عدم العودة إلى مقاعد الدراسة مع بداية العام الدراسي المقبل. حتى أن البعض من الجنوبيين لا يتردد في القول بحسرة إن ما شيّد على مدى عقود عبر مجلس الجنوب الذي يديره محسوبون على حركة “أمل” (بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري) تدمر في أشهر.
وتغيب عن هذه الإحصاءات أرقام المقابر التي جرفها الاحتلال في القرى الجنوبية. ولهذه الجريمة الأثر الأكبر في نفوس الجنوبيين بعدما تعرضت قبور ذويهم للتجريف وبات جل ما يشغلهم قبل المنازل والأراضي معرفة ما إذا كانت عظام أمهاتهم وآبائهم وإخوتهم وأبنائهم لا تزال تحت التراب أم بعثرها الاحتلال في الطرقات، وهو ما لا يمكن لأموال أو أي شيء آخر تعويضه كما يكررون في جلساتهم.
مرحلة أصعب
كل هذه الخسائر لا يوجد بين الجنوبيين، مهما اختلفت آراؤهم من الواقع الراهن، من يُنكرها بل يتحسرون عليها، وهم المرتبطون بأرضهم ويدركون أن الصمود ليس خياراً بل واجب لكن يصعب تحقيقه بمقومات تبدو شبه معدومة حالياً، بعدما استنفد تتالي الحروب مواردهم. وحتى المبالغ التي قدّمها حزب الله للمتضررين بعد حرب 2024 لم ترق إلى تعويض أجزاء بسيطة من الخسائر، قبل أن تأتي الحرب الأخيرة لتشكل ما يشبه الضربة القاصمة للجنوبيين، مع قناعة سائدة لديهم أن المرحلة أصعب سواء بما يتعلق بالتعويضات من الحزب أو أي عملية إعادة إعمار تحت إشراف الدولة، لا سيما أنها ستكون بشروط صارمة وتكلفة سياسية مرتفعة بدأت أثمانها تظهر في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية.
تتنامى قناعة لدى كثر أنّ هذه الحرب غيّرت على نحو جذري وواسع مواقف فئات واسعة من الجنوبيين من حزب الله، لكن المشهد في تفاصيله الصغيرة يبدو أكثر تعقيداً. وبقدر اللوم الذي يُلقى من أعداد متزايدة من جنوبيين على الحزب على خلفية خوضه الحرب الأحدث، بقدر الرغبة في عدم انكساره، لأن في ذلك، كما يعتقد أصحاب هذا الرأي، انكساراً للطائفة مدفوعين بالخوف من تكرار ما حصل مع طوائف أخرى خلال العقود الأخيرة من تاريخ لبنان، حيث مرّت طوائف بحقبة الهيمنة أو “العصر الذهبي” قبل التراجع.
ووسط صخب هذه الأفكار والهموم المتزاحمة، يمكن الاستماع حالياً في الجنوب إلى من يقول إنه بعد هذه المرحلة لن تكون هناك أي حروب قادمة مع إسرائيل، ومرة أخرى تُستحضر لأجلها روايات دينية، حتى يبدو أنها تتجاوز بذلك حدود الرغبات إلى ما يعتقد أنه يُراد للجنوبيين أن يتعايشوا معه في هذه المرحلة، وبما يلخّص حجم تداعيات هذه الحرب والتحولات التي قد تحدثها عندما تضع المواجهة الحالية أوزارها نهائياً.
* تقرير نُشر بتاريخ 19 آب 2026 في العربي الجديد
