سياسة صحف وآراء

تعثّرالمفاوضات مع إسرائيل… إخفاق لبناني مزدوج

* رندة حيدر

إذا كان الهدف الأساس لجولات المفاوضات المباشرة الدائرة منذ أشهر بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركية، التوصل الى انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي التي احتلتها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان بعد حرب الإسناد الثانية التي خاضها حزب الله دعماً لإيران في 2 مارس/ آذار، فإن الوقائع على أرض الجنوب والمعلومات والتقارير الواردة من أكثر من مصدر تؤكد عدم وجود أي مؤشّرات تدل على أن إسرائيل تنوي الانسحاب في وقت منظور، لا بل على العكس تؤكد العملومات أنها تعمل على ترسيخ احتلالها وتوسيع منطقة سيطرتها.

وفي الواقع، تحوّل ترسيخ الاحتلال وتعميقه وتوسيعه إلى ورقة مساومة وضغط في يد إسرائيل في المفاوضات مع لبنان التي يبدو أنها وصلت إلى حائط مسدود. ويجب الاعتراف بأن إسرائيل في المفاوضات نجحت في تكريس معادلة خطرة للغاية، تسعى من خلالها إلى شرعنة احتلالها بربط الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال بنزع سلاح حزب الله وبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ويبدو هذا الأمر شرطاً تعجيزياً في الوقت الحالي لأسباب كثيرة، في طليعتها قدرة الجيش اللبناني على القيام بهذه المهة فعلياً، وعدم الاتفاق على قيام آلية دولية تشرف على عملية نزع السلاح والتحقق من خلو المنطقة من السلاح، ناهيك بالجدل الداخلي اللبناني بشأن رفض نزع سلاح حزب الله الذي يعتبره لبنانيون كثيرون هو الذي يحميهم من مزيد من الاعتداءات الإسرائيلية.

يضاف إلى هذه المعادلة الخطرة التي كرّستها إسرائيل مبدأ آخر فرضته، منع المدنيين اللبنانيين من العودة إلى قراهم وبلداتهم، من خلال إطلاق النار على العائدين، وعملية التدمير الكامل أو الجزئي للمباني في القرى والبلدات الموجودة ضمن الخط الأصفر الذي رسمته في جنوب لبنان. منح هذا كله إسرائيل هامشاً كبيراً للمناورة وأوراق ضغط مهمّة تستخدمها في مفاوضاتها مع الوفد اللبناني الذي يطالب، في كل مرة، بجدولة زمنية للانسحاب تواجهه إسرائيل بشرطها التعجزيزي: من دون نوع سلاح الحزب، لا انسحابات في المدى المنظور، ولا توسيع للمناطق التجريبية التي تحولت إلى أداة لصرف الأنظار والاهتمام عما تقوم به إسرائيل في أرض الجنوب، مثل بناء التحصينات، وشقّ طرقات لتقدم قواتها بهدف السيطرة تدريجياً على أراض جديدة في الجنوب، تقع خارج الخط الأصفر الذي رسمته.

وفي الواقع، تطبق إسرائيل تحت غطاء المفاوضات “خطة الجنرالات” التي سبق وطبقتها في شمال القطاع، وتدعو هذه الخطة التي وضعها جنرالات متقاعدون في الجيش، وكان أول من تحدث عنها هو غيورا آيلند، إلى ترحيل السكان المدنيين من المناطق التي تشهد عمليات عسكرية شمال القطاع إلى جنوبه، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلى المنطقة والقضاء على مقومات العيش وتجويع السكان وتعطيشهم لدفعهم إلى النزوح نحو جنوب القطاع. وتقضي المرحلة الأخيرة من الخطة فرض حصار على جنوب القطاع.

هذا ما يقوم به الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وتدلّ كل المؤشرات على أنه يخطط لتوسيع مناطق سيطرته شمال نهر الليطاني تدريجيّاً من خلال التوغل والسيطرة على “أراض جديدة”، المبدأ الذي يعتبره بنيامين نتنياهو من أهم إنجازات الجيش الإسرائيلي في سنوات حربه ضد حركة حماس وضد حزب الله.

تقوم إسرائيل بما تقوم به، ومن جهة أخرى تحرص على ألا تبدو الطرف الذي يجهض المفاوضات، أو الذي يدفع إلى فشلها. ففي النهاية، لا يريد نتنياهو إغضاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو قبل بالقيود التي فرضها الأخير، مثل تحييد بيروت والضاحية الجنوبية ومنع تعرضهما للقصف. لا يكاد يمر يوم من دون أن يعبر فيه نتنياهو أو وزير الحرب يسرائيل كاتس عن رفض إسرائيل الانسحاب من شبر واحد من لبنان. وفي الوقت نفسه، يحاولان الظهور بمظهر من يتمسّك بالمفاوضات مع لبنان، واعتبارها “إنجازاً سياسياً” يجب توظيفه لصالح إحداث تغيير كامل للواقع الأمني في لبنان كله. ولكن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية الحالية على الأرض عملياً هو تقويض أي فرصة للحكم في لبنان، لإظهار نفسه بأنه الذي نجح في تحرير الجنوب وإعادة سكانه من خلال المفاوضات والعمل الدبلوماسي، وليس السلاح. على الأرض، تفرّغ إسرائيل الجهد الدبلوماسي الذي يقوم به الحكم في لبنان من محتواه، ما يُحول المفاوضات إلى “طبخة بحص” تدور في دوامة من الشروط الإسرائيلية، وبعد كل جولة تعود إلى الصفر.

في هذا الوقت، تخسر العملية الدبلوماسية مصداقيتها إزاء الجمهور اللبناني المقتنع بأن الحوار هو الوسيلة الفضلى للتوصل الى حل، وليس القتال المسلح. لكن نيات إسرائيل العدوانية ومحاولاتها إجهاض المساعي اللبنانية للتوصل إلى انسحابات ولو جزئية، يؤدّي إلى تآكل التأييد الشعبي لمبادرة الرئيس اللبناني لإجراء مفاوضات مباشرة، ويقدّم ذريعة أكبر للحزب للاستمرار في رفضه نزع سلاحه.

بهذا المعنى، ليس فشل المفاوضات المباشرة فشلاً لبنانياً على الصعيد الدبلوماسي فحسب، بل فشل على الصعيد الداخلي أيضاً. فهذا الإخفاق يعني، بالدرجة الأولى، بقاء الاحتلال الإسرائيلي جنوب لبنان إلى أمد غير محدّد، وهو يعني فشل العهد الحالي والحكومة الحالية في تحقيق وعودها بفرض سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، ويعطي حزب الله ذريعة للاحتفاظ بسلاحه لزمن غير منظور.

*  تم النشر بتاريخ 15 آب 2026 على موقع العربي الجديد