*الدكتور سعيد عيسى
قد يكون من المغري النظر إلى “اتفاقيات إسحاق” باعتبارها مجرد امتداد لاتفاقيات أبراهام، إلا أن هذا التوصيف لا يكشف سوى جزء من الصورة. فهذه المبادرة لا تستهدف إضافة دول جديدة إلى دائرة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل فحسب، بل تعكس انتقالاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من مفهوم تطبيع الجوار إلى مفهوم تدويل النفوذ، أي بناء شبكة من الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية تمتد إلى أقاليم بعيدة جغرافياً لكنها مؤثرة في موازين القوة الدولية. وفي هذا السياق، تصبح أمريكا اللاتينية أكثر من مجرد ساحة دبلوماسية جديدة؛ إنها حلقة ضمن إعادة هندسة المجال الحيوي الإسرائيلي في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
من التطبيع
منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، بدا أن إسرائيل انتقلت من استراتيجية كسر العزلة الإقليمية إلى استراتيجية بناء منظومات تحالف عابرة للأقاليم. فقد أثبتت تلك الاتفاقيات أن العلاقات مع الدول العربية لم تعد مرتبطة حصراً بمسار التسوية الفلسطينية، وهو تحول استراتيجي منح صناع القرار في تل أبيب هامشاً أوسع لإعادة صياغة سياستهم الخارجية.
لكن السنوات اللاحقة كشفت أيضاً أن الاكتفاء بالشرق الأوسط لم يعد ينسجم مع طبيعة النظام الدولي الجديد. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، وصعود التكتلات الاقتصادية، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، أعاد الاعتبار إلى المناطق التي كانت توصف سابقاً بأنها هامشية، ومنها أمريكا اللاتينية.
من هنا جاءت “اتفاقيات إسحاق” بوصفها محاولة لإنشاء إطار سياسي جديد يضم الدول اللاتينية الراغبة في توسيع علاقاتها مع إسرائيل، ليس فقط على المستوى الدبلوماسي، بل في مجالات التكنولوجيا، والأمن السيبراني، والزراعة، وإدارة المياه، والابتكار، والتعاون الاستخباراتي. وهي قطاعات تمتلك فيها إسرائيل ميزات تنافسية تجعلها شريكاً جذاباً لكثير من الحكومات اللاتينية.
اختيار اسم “إسحاق” لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل يحمل بعداً رمزياً واضحاً. فإذا كانت “اتفاقيات أبراهام” استندت إلى شخصية جامعة في الديانات الإبراهيمية الثلاث، فإن الانتقال إلى إسحاق يعكس تركيزاً أكبر على البعد اليهودي في بناء السردية السياسية الإسرائيلية، وهو ما ينسجم مع توجهات الحكومات الإسرائيلية اليمينية التي تسعى إلى ربط التحالفات الدولية بالهوية الحضارية والدينية، وليس بالمصالح الأمنية وحدها.
المجال الحيوي
لطالما ارتبط مفهوم “المجال الحيوي” في الفكر الجيوسياسي بامتداد النفوذ خارج الحدود المباشرة. وفي الحالة الإسرائيلية، تطور هذا المفهوم تدريجياً من السعي إلى تأمين الحدود العسكرية إلى بناء شبكة مصالح عالمية تجعل أمن إسرائيل جزءاً من أمن شركائها.
ضمن هذا المنظور، لا تبدو أمريكا اللاتينية مجرد سوق اقتصادية أو كتلة تصويت داخل الأمم المتحدة، وإنما فضاء استراتيجي تتقاطع فيه عدة اعتبارات.
أولها، أن القارة تمثل ساحة تنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين. فبكين أصبحت الشريك التجاري الأول لعدد من الدول اللاتينية، بينما تحاول واشنطن استعادة نفوذها التقليدي هناك. وفي هذا السياق، تستطيع إسرائيل أن تقدم نفسها بوصفها شريكاً تكنولوجياً مقرباً من الولايات المتحدة، بما ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء النفوذ الصيني.
وثانيها، أن العديد من دول أمريكا اللاتينية تمتلك موارد طبيعية هائلة من الليثيوم والنحاس والمعادن النادرة، وهي عناصر أساسية في الصناعات الرقمية والعسكرية والطاقة النظيفة. ومن ثم فإن توثيق العلاقات مع هذه الدول يمنح إسرائيل فرصاً للوصول إلى سلاسل الإمداد المستقبلية، سواء بصورة مباشرة أو عبر الشراكات الغربية.
أما الاعتبار الثالث، فيتعلق بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية. فالدول اللاتينية تشكل كتلة تصويتية مهمة، وقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً نسبياً في الإجماع التقليدي داخل بعض هذه الدول تجاه القضية الفلسطينية، مع صعود حكومات يمينية أو ليبرالية أكثر انفتاحاً على إسرائيل. ومن هنا فإن توسيع العلاقات الثنائية يهدف أيضاً إلى إعادة تشكيل التوازنات الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية.
وفي البعد الأمني، تنظر إسرائيل إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها سوقاً متنامية للتكنولوجيا الأمنية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة، والأمن السيبراني. وهذه المجالات تمنحها نفوذاً طويل الأمد يتجاوز حدود العلاقات السياسية التقليدية، لأن الدول التي تعتمد على البنية الأمنية الإسرائيلية تصبح أكثر ارتباطاً بها على المستوى الاستراتيجي.
هندسة النفوذ
تكشف “اتفاقيات إسحاق” عن تحول أعمق في الاستراتيجية الإسرائيلية، يتمثل في الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة صناعة البيئات الجيوسياسية الملائمة. فبدلاً من التركيز فقط على مواجهة الخصوم، تسعى إسرائيل إلى بناء منظومات مصالح تجعل استمرار التعاون معها أكثر جدوى من معارضتها.
هذه المقاربة تشبه إلى حد بعيد ما قامت به قوى كبرى تاريخياً عندما اعتمدت على شبكات التجارة، والتكنولوجيا، والاستثمار، لتثبيت النفوذ السياسي. فالقوة لم تعد تُقاس بعدد القواعد العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على أن تصبح جزءاً من البنية الاقتصادية والتكنولوجية للدول الأخرى.
وفي هذا الإطار، تبدو “اتفاقيات إسحاق” إحدى أدوات القوة الناعمة الإسرائيلية. فهي لا تطرح نفسها بوصفها تحالفاً عسكرياً، وإنما منصة للتعاون الاقتصادي والابتكار والتكنولوجيا. غير أن هذه المجالات تحمل بطبيعتها أبعاداً استراتيجية، لأن التكنولوجيا أصبحت اليوم جزءاً من الأمن القومي، كما أن الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والاتصالات لم تعد قطاعات مدنية خالصة.
في المقابل، تواجه هذه المبادرة تحديات ليست قليلة. فالمشهد السياسي في أمريكا اللاتينية شديد التقلب، وتتعاقب فيه الحكومات اليمينية واليسارية بوتيرة سريعة، ما يجعل استدامة أي مشروع إقليمي رهينة بالتغيرات الانتخابية. كما أن استمرار الحرب في غزة وما تثيره من انتقادات واسعة للسياسات الإسرائيلية يدفع بعض الحكومات إلى إعادة النظر في مستوى انخراطها مع تل أبيب، وهو ما يحد من فرص تحول “اتفاقيات إسحاق” إلى إطار مؤسسي واسع على غرار اتفاقيات أبراهام.
إلى جانب ذلك، فإن تنامي النفوذ الصيني والروسي في القارة يفرض على إسرائيل منافسة معقدة، لأن عدداً من الدول اللاتينية يفضل تنويع شراكاته الدولية بدلاً من الانخراط في محاور جيوسياسية حادة.
مع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقيات لا تكمن في عدد الدول المنضمة إليها، بل في ما تكشفه من تطور في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية. فتل أبيب لم تعد تنظر إلى أمنها باعتباره قضية شرق أوسطية فحسب، وإنما باعتباره مشروعاً عالمياً يتطلب بناء دوائر نفوذ تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، ومن إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، مروراً بأوروبا وآسيا.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم “اتفاقيات إسحاق” باعتبارها حلقة جديدة في مشروع أوسع لإعادة تموضع إسرائيل داخل النظام الدولي. فهي تسعى إلى تحويل التفوق التكنولوجي والعلاقات مع الغرب إلى أدوات لبناء شبكات نفوذ عالمية، تجعل إسرائيل لاعباً يتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي. وإذا كانت اتفاقيات أبراهام قد أعادت رسم جزء من خريطة الشرق الأوسط، فإن اتفاقيات إسحاق تمثل محاولة لتوسيع هذه الخريطة نحو نصف الكرة الغربي، حيث تصبح الدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجيا والتحالفات العابرة للقارات أدوات موازية للقوة العسكرية في تثبيت المكانة الدولية لإسرائيل.
* تم النشر بتاريخ 14 آب 2026 في مجلة بوليتيكا الشهرية
