سياسة صحف وآراء

هندسة الصفقات في قمة أنقرة 2026: كيف أدار ترامب كواليس الناتو لرسم شرق أوسط جديد؟

* أكرم محمود

لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) السادسة والثلاثون، والتي اختتمت أعمالها في العاصمة التركية أنقرة في الثامن من يوليو/تموز 2026، مجرد اجتماع تقليدي لمراجعة العقائد العسكرية المشتركة. بل تحولت، بفضل الأسلوب البراغماتي الحاد الذي يدير به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السياسة الدولية، إلى ما يشبه “بورصة سياسية كبرى” شهدت عقد مقايضات عابرة للقارات. وتحت غطاء العناوين العريضة مثل “وحدة الحلف” و”تقاسم الأعباء”، استطاع ترامب أن يفرض رؤيته الخاصة القائمة على منطق “الصفقة الصفقة” ، محولاً الحلف إلى أداة لخدمة المعارك الإستراتيجية الأمريكية، مع إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط عبر بوابتي دمشق وأنقرة.

أولاً: مضيق هرمز وتدويل المواجهة مع طهران
نجح ترامب في إحداث تحول بنيوي في أولويات الناتو من خلال إجبار الحلفاء الأوروبيين على تبني العقيدة الأمريكية تجاه إيران. فبعد أن سعت العواصم الأوروبية لسنوات طويلة إلى الحفاظ على شعرة معاوية الدبلوماسية مع طهران، تضمن البيان الختامي لقمة أنقرة بنداً صارماً يربط أمن الحلف بحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشدد على منع إيران من امتلاك السلاح النووي.

هذا التحول يعكس “تجييشاً ذكياً” لأوروبا وكندا للوقوف في الخندق الأمريكي والشرق أوسطي. ولم يأتِ هذا التبني مجاناً؛ بل جاء بعد ضغوط أمريكية هائلة أدت إلى رفع ميزانيات الدفاع بشكل غير مسبوق لتصل إلى مستهدف بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء. من خلال هذه المعادلة، ربط ترامب التزام واشنطن بالمادة الخامسة (الدفاع الجماعي) بمدى انخراط الحلفاء في تأمين المصالح الحيوية الأمريكية في مياه الخليج، معتبراً أن الحماية الأمريكية لأوروبا يجب أن يقابلها دعم أوروبي كامل في مواجهة الخصوم الإقليميين لواشنطن.
ثانياً: شبكة الأمان الأوكرانية وتمهيد الطريق للتسوية الكبرى
على جبهة الساحة الأوروبية، شكل إعلان الناتو تقديم حزمة دعم عسكري استثنائية لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو لعام 2026 إشارة إستراتيجية بالغة الدلالة. هذا الضخ المالي الضخم لا يهدف إلى توسيع رقعة الحرب، بل يمثل “شبكة أمان” تمنع انكسار الجبهة الأوكرانية، مما يمنح واشنطن سقفاً تفاوضياً مرتفعاً وقوياً أمام موسكو.

هذه الخطوة تفتح الباب على مصراعيه لملامح تسوية متبادلة ومقايضة كبرى كواليس المشهد الدولي. الرؤية الإمريكية الحالية تقوم على قاعدة “عدم السماح لأوكرانيا بخسارة الحرب”، وفي ذات الوقت، تجميد الصراع وفق الواقع الميداني الحالي تمهيداً لإنهاء النزاع الروسي-الأوكراني عبر قنوات تفاوضية. في المقابل، يبدو أن هذه التهدئة على الجبهة الشرقية لأوروبا تهدف إلى نيل “غض طرف” أو تفاهمات ضمنية مع روسيا تتيح للولايات المتحدة التفرغ الكامل للملف الإيراني وتحجيم نفوذ طهران في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الترابط العضوي بين الملفين في الحسابات الترامبية.

ثالثاً: المحور السوري المفاجئ وإعادة تمحور أحمد الشرع
لعل الحدث الأكثر إثارة للجدل والمفاجأة في كواليس القمة كان الحضور اللافت للرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة بناءً على دعوة تركية، واللقاء الرسمي والتاريخي الذي جمعه بالرئيس ترامب. لم يكن اللقاء بروتوكولياً؛ إذ تزامن مع إعلان الإدارة الأمريكية عن نيتها شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد تقديم دمشق “ضمانات رسمية” بعدم دعم الإرهاب الدولي، في خطوة تمهد لرفع العقوبات وفتح الباب أمام الاستثمارات الأمريكية لإعادة الإعمار.
هذا الانفتاح الأمريكي المفاجئ على الإدارة السورية الجديدة يحمل في طياته أهدافاً إستراتيجية واضحة تتعلق بملف حزب الله في لبنان. تسعى واشنطن بوضوح إلى توظيف التحول السياسي في دمشق لقطع شريان الإمداد البري واللوجستي الأساسي للحزب القادم من إيران عبر الأراضي السورية. وتشي تصريحات ترامب وإشادته بالشرع بأنه يرى في السلطة السورية الجديدة شريكاً محتملاً لضبط الحدود وإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة، كجزء من صفقة متكاملة تضمن دمج سوريا دولياً وإعادة إعمارها مقابل فك ارتباطها العضوي القديم مع طهران وحلفائها.
رابعاً: ترتيب البيت الداخلي للحلف.. إعادة الدفء لأنقرة واحتواء مدريد
لم تغفل هندسة القمة ترتيب العلاقات الثنائية المتوترة داخل البيت الأطلسي لتأمين الجبهة الخلفية للمخططات الأمريكية:

  • معالجة الفتور التركي: جاء اختيار أنقرة لاحتضان القمة بمثابة بوابه للمصالحة بين واشنطن وتركيا. وأثمرت اللقاءات عن حلحلة العقدة التاريخية المرتبطة بصفقة طائرات F-35، فضلاً عن الثناء الكبير الذي كالَهُ ترامب للرئيس رجب طيب أردوغان واصفاً إياه بـ “القائد العظيم”، مما يعكس رغبة واشنطن في تأمين حليف إقليمي قوي ومحوري يمتلك حدوداً مباشرة مع مسارح العمليات الإستراتيجية في روسيا والشرق الأوسط.
  • تدوير الزوايا مع إسبانيا: ظهر أسلوب الصدمة والاحتواء الترامبي بوضوح مع مدريد؛ فبعد أن هدد ترامب قبل القمة بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا ومنع زيارات مواطنيها بسبب ضعف إنفاقها الدفاعي ورفضها السابق لاستخدام قواعدها العسكرية، عاد على متن طائرته الرئاسية ليشيد بها مؤكداً أنها “عادت بالكامل وكانت كريمة جداً”. هذا التحول يثبت أن الضغط الأقصى يتبعه دائماً الرضا بمجرد الحصول على التعهدات المالية والعسكرية المطلوبة خلف الأبواب المغلقة.
  • خاتمة المقال: الناتو تحت مظلة “أمريكا أولاً
    في المحصلة، رسخت قمة أنقرة 2026 معادلة جديدة لعمل التحالفات الدولية. لقد أثبت دونالد ترامب أنه استطاع تحويل الناتو من حلف دفاعي تقليدي ذي أهداف أوروبية مشتركة، إلى منظومة إستراتيجية تدار بعقلية تجارية صارمة تقودها واشنطن. من خلال ربط الملف الأوكراني بالتسوية مع روسيا، وتدويل المواجهة مع إيران عبر مضيق هرمز، وإعادة رسم الدور الإقليمي لسوريا الجديدة، خرج ترامب من هذه القمة كنجم أوحد نجح في إعادة صياغة الجيوسياسة العالمية وفق شروطه الخاصة وبما يخدم مشروعه لشرق أوسط جديد متحلل من النفوذ الإيراني التاريخي.

* تم النشر بتاريخ 9 تموز 2026 على موقع أخبارنا ـ أخباركم