سياسة صحف وآراء

فائض الإنكار: غطرسة بلا قوّة

* شهيد نكد

تكمن أهميّة الذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية في اللغة التي رافقته. ففي حين دعت حملة “أميركا 250” الناس لمشاركة قصصهم في كتابة معنى الاستقلال، جاءت حملة “حرية 250” للاحتفال بانتصار الروح الأميركية. وبين الدعوة ولغة الانتصار تكمن فجوة كبيرة، فحين يتحوّل الانتصار الى خطاب نهائي تصبح منظومة التفكير القائمة على التجربة والخطأ في خطر، ويُستبدل سؤال المراجعة بجواب معلّب عن العظمة. ومنظومة التفكير هذه، هي خاصيّة تأسيسيّة لفرادة التجربة الأميركية. وبهدف توخّي الدقّة والانصاف، لا بدّ من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ليست هي من أوجد مؤسّسة التجربة والخطأ، بل هي من أعادت تعريف العلاقة الثقافية بين التجربة والخطأ محوّلة الخطأ من فشل ووصمة، إلى فرصة ومرحلة جديدة. والملفت هذه السّنة، أن إعلان انتصار الرّوح الأميركية الذي شاءه دونالد ترامب، يأتي على وقع استطلاعات الرأي التي تُظهر أن الفخر الشديد بالانتماء الأميركي بلغ مستوى متدنياً قياسياً.

وحين أعلن فوكوياما “نهاية التاريخ” على أثر انتهاء الحرب الباردة، تعاملت واشنطن مع هذا الانتصار كأنّه نهائي، فأخفقت في إدارة العالم في لحظة الأحادية القطبية. غابت المراجعة، واستمرّ هذا النّمط من خلال التحيّز في أكثر الملفّات حساسيةً في منطقتنا: القضيّة الفلسطينية.

وحين تحوّل غياب المراجعة إلى نمط، دخلت الولايات المتحدة طور العنجهيّة، وهذا ما وصفه منذ أيام الاقتصادي جيفري ساكس وزميلته سيبيل فارس “بفائض الغطرسة” التي رافقت السياسة الخارجية الأميركية منذ لحظة الأحاديّة القطبيّة، وأنّ على واشنطن أن تتخلّى أخيراً عن وهم هيمنة لم تعد قط في متناولها.

وهكذا تكون الولايات المتّحدة، في عيدها المئوي الثاني والخمسين، قد استبدلت السؤال حول بماذا أخطأنا وكيف نُصحّح، بجواب محسوم: إنّنا انتصرنا.

من أميركا إلى لبنان

بالرّغم من فارق الحجم والقوّة بين التجربتين، يُصبح الانتقال من الولايات المتّحدة إلى لبنان مُمكناً إذا ما تناولنا مبدأ التجربة والخطأ لا بوصفه مؤسّسة تُقاس بحجم الدول واقتصادها، بل كعلاقة ثقافية- معرفية مع الخطأ ذاته، علاقة تنطبق على أي دولة، أو مجتمع، أو حتّى فرد. وفي هذا المضمار يبدو أن المسألة اللبنانية تُعاني من مشكلة عميقة، مشكلة عدم الاعتراف بالخطأ الذي يجب أن يتحوّل إلى قاعدة في الحياة العامّة. فنحن لا نتعامل مع الخطأ كواقعة يجب التدقيق فيها، بل كشيء يجب إبعاده عن الجماعة، لذلك يبدأ النقاش بالسؤال حول من فَعَلَ بنا، بدل ماذا فَعلنا؟

وفي هذا مفتاح لفهم جزء كبير من العجز اللبناني، حيث أن الخطأ لا يُراجع، بل يُعاد إنتاجه، والأهمّ توزيعه تارةً على الخارج، وطوراً على الخصم الداخلي، أو على التاريخ أو المؤامرة، أو الظروف. من هنا تُصبح الحقيقة غير مهمّة، وتتحوّل إلى مادّة تفاوض بين الجماعات. بهذا المعنى، إن غياب الاعتراف بالخطأ هو بنية فكريّة لا يُقرأ فيها الاعتراف كخطوة نحو التصحيح، بل كتنازل أمام الموازين الطائفية والسياسية. فمن يعترف بخطئه في ظلّ هذا النظام يُعطي خصمه نقاطاً إضافية، فيُصبح الانكار هو الملاذ الآمن، والمكابرة أقلّ كلفة من التصحيح.

وغالباً ما نحتار في لبنان لماذا لا تُحاسِب الناس الطّبقة السياسية في الانتخابات بعد كلّ المآسي والويلات التي جلبتها علينا. مفهومة هذه الحيرة ومهمّة ولكنّها تبقى ناقصة إذا ما حصرنا المحاسبة في صندوق الاقتراع وحده. وإذا ما فكّرنا خارج الصندوق، فإن المشكلة أعمق من الانتخابات، وتَسبقُها. نحن بمواجهة بنية فكرية واجتماعية تجعل من المحاسبة أمراً مُلتبساً، وليس خياراً بديهيّاً. فصندوق الاقتراع ليس للمحاسبة على قرار أو كارثة أو فشل، بل هو صندوق تعاضد جماعي ضدّ محاسبة الزعيم أو الحزب ظنّاً أنّها إضعاف للجماعة ولموقعها في توازن زبائني- طائفي- سياسي هشّ. من هنا، يُصبح الخطأ قابلاً للتبرير، وتتحوّل الكارثة إلى نزاع حول رواية، وليس حقيقة تستدعي الاعتراف والمحاسبة. في هذا المعنى، تفشل الانتخابات (من البلدية الى النيابة) في أداء وظيفة المحاسبة، ليس بسبب التزوير والفساد فقط، بل لأن كشف الخطأ لم يتحوّل إلى قيمة عامّة، والمحاسبة ليست حماية للناس، بل خيانة للجماعة.

غطرسة القعر

نعود إلى مبدأ التجربة والخطأ. فمشكلة لبنان أن الخطأ لا يتحوّل إلى معرفة مشتركة، فنحن نخرج من التجربة كما دخلنا إليها، لذلك لا تُنتج الكوارث اللبنانية والمصائب مراجعات، بل روايات، وتبريرات، واتهامات متبادلة. وفي حين يحتاج ظهور الغطرسة إلى فائض قوّة، فإن الحالة اللبنانية تولّد الغطرسة من فائض الانكار. يمكن فهم الغطرسة في الحالة الأميركية، أمّا في لبنان فهي قمّة البؤس، تأتي ممّن هم في القعر. لا نملك فائض قوّة، ولا فائض نجاح، ولا نموذجاً قابلاً للتصدير، ومع ذلك لا نرى ضرورة للاعتراف بالخطأ، ولا كارثة تُجبرنا على المراجعة.

وهذا الإنكار يتغذّى من معضلة عميقة: الادّعاء الدائم بالتفوّق الأخلاقي؛ كلّ طرف يدخل النقاش العام بوصفه صاحب القضية الأنقى، كأن الأخلاق وصلت إليه وتوقّفت عنده. وبطبيعة الحال، من يرى نفسه أعلى أخلاقياً، لا يرى نفسه بحاجة إلى مراجعة، بل يرى النّقد اعتداء، والمحاسبة استهدافاً، والاعتراف خدمة للخصم. هكذا يتحوّل التفوّق الأخلاقي بدوره إلى آليّة تعطيل للحقيقة.

وإذا انتقدنا العنجهية الأميركية، فإن الانصاف يقتضي أن نفصل الفكرة عن أصلها: فمنظومة التجربة والخطأ، وكأي منظومة فكرية أخرى، ليست ملكاً لدولة، بل هي مبدأ انساني عابر للحدود وللمواقف السياسية. ولبنان، بغضّ النّظر عمّن يحبّ أميركا فيه أو يكرهها، محتاج لهذه المنظومة الفكرية. فالتجربة والخطأ في لبنان لم تكن يوماً منظومة تَعلّم، بل كانت أداة لإعادة تدوير الفشل. فنحن لا نفتقر إلى التجارب، بل إلى التواضع الذي يجعل التجربة قابلة لأن نتعلّم منها شيئاً.

 * تم النشر بتاريخ 11 تموز 2026 على موقع المدن