الدكتور زهير هواري
بيروت 4 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
طغت الحملة التي أطلق عليها تسمية “صولة الفجر العراقية” التي شهدتها العاصمة بغداد الأحد الماضي نهاية شهر حزيران المنصرم على الكثير من الأخبار العربية. ومرد هذا الاهتمام أنها طالت حتى تاريخه أكثر من 50 شخصية “مرموقة” تضم وزراء ونواب وكبار مسؤولي الوزارات ورجال أعمال. ومن المتوقع أن تطال المزيد من الشخصيات المتهمة بالفساد. وخلال الحملة صادرت السلطات القضائية والأمنية من منازل المسؤولين هؤلاء حوالي 20 مليون دولار أميركي وحوالي 750 مليار دينار عراقي ومجوهرات وحلي وسيارات وأسلحة.
رافق الحملة تأييد شعبي واسع مقرون بالخوف من بقائها عند المستوى الذي بلغته، أي اقتصارها على سياسيين من الدرجة الثانية تقريبا دون “قطف الرؤوس الكبيرة”، التي طالما سيطرت على الحياة السياسية والإدارية منذ أكثر من عقدين من الزمن، عندما أطاحت القوات الاميركية بالرئيس صدام حسين في العام 2003 ، وتولى الحاكم العسكري برايمر هندسة النظام على أسس طائفية تقارب ما هو عليه النظام اللبناني، لجهة توزيع المواقع والمناصب بين الطوائف، وكل ما هو مسجل تحت خانة “المحاصصة” بين المكونات الطائفية، التي وإن توزعت بنسب معينة على كل من الطوائف والجماعات الرئيسية ( الشيعة والسنة والاكراد )، فهي انتهت إلى مقاسمة المواقع بين الكتل السياسية البرلمانية.
والواقع أن العراقيين ضجوا خلال سنوات تمتد إلى أكثر من عقدين بمستوى ووقاحة قوى الفساد الذي شهدته البلاد، والتي قادت إلى كوارث على الصعد الإنمائية والخدماتية التي طال تدهورها مختلف المرافق من التعليم إلى الصحة والكهرباء والماء والطرقات والجسور وقس على ذلك. وهندسة النظام السياسي وقيامه على مبدأ توزيع المناصب على القوى السياسية دون مراعاة الحد الأدنى من الكفاءة والنزاهة والاختصصاص، أدى ودون مبالغة إلى أضخم حالة فساد عرفتها دولة من دول العالم بما فيه جمهوريات الموز. وعليه بات من الصعب، بل المستحيل نفاذ واحدة من مفاصل الدولة والإدارات العامة من هذا الوباء المستشري في واحدة من أغنى دول العالم بالنظر إلى ثروتها النفطية، وأفقرها في الوقت ذاته بفعل حال “المنهبة” المفتوحة التي أهدرت ثروات البلاد وأبقت على مؤسساتها شبه معطلة.
الفساد سياسي ثم مالي
والواضح أنه منذ أن حط الاميركيون جحافلهم في العراق، وقيامهم بفكفكة الوزارات والإدارات العامة بما فيه القضاء وأجهزة التفتيش وصولا إلى الجيش، جرى تعميم الفساد على نحو غير مسبوق. وتقدر بعض الاوساط الاقتصادية حجم الأموال المنهوبة خلال الاعووام الثلاثة الأخيرة بحوالي 300 مليار دولار، بينما تقدر المبلغ المنهوب في العقدين الأخيرين بأضعاف أضعاف ذلك . ويقال إن منها حوالي 60 مليار دولار مازالت داخل العراق، بينما الباقي بات في الخارج. وقد استعملت بعض الاطراف هذه الأموال في تجديد حضورها وتمثيلها السياسي في معادلات الحكم سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو الإدارات.
وتفاقم ظاهرة الفساد ليس أمرا تفصيليا إذ يرتبط بالأداء السياسي الذي شهدته البلاد في غضون المرحلة التي عرفتها البلاد، خصوصا وأن من أداروا الفساد هم أنفسهم الذين أداروا الدولة، وجعلوا من مقدراتها بمثابة أموال مستباحة لهم، يتصرفون بها وكأنها أموال تخصهم. والجدير ذكره أن العديد من رجال الدين خريجي الحوزات الايرانية أصدروا فتاوى تجيز وضع اليد على الأموال العامة باعتبارها مالا سائبا لا صاحب له.
المثير هذه المرة أن رئيس الحكومة علي الزيدي بالتعاون مع الجهاز القضائي وبموجب إجازة سياسية من السلطة التشريعية قد تجرأ على دق باب المواجهة، دون أن يعني ذلك أن قدراته مطلقة على متابعة هذا الطريق حتى النهاية. مصدر التخوف على نكوص هذه الحملة هو أن “رؤوس الفساد ” يحظون بتغطية اقليمية ودولية.أي من ايران أولا ومن اميركا ثانية. فقد تولت ايران دوما تغطية الاطراف التي سبق و”استضافتها ” خلال حكم صدام حسين واستنزفت مقدراته وحالت دون عقاب أيى من رموزه. أما أميركا التي تتصارع مع ايران على اقتسام ثروة العراق فتمارس النهب بطرق “قانونية منظمة”، وليس من خلال وسائل وأساليب ميليشياوية كالتي جرت في مختلف الإدارات العامة.
وعليه فقد مولت ايران جزءا رئيسيا من تدخلاتها ومشاريعها الخارجية من الاموال العراقية، وبعضها تحت عناوين اقتصادية كبيع الكهرباء وما شابه . والأهم من ذلك كان تسريب النفط الايراني المحظور وبيعه على أنه عراقي. والحجر الثاني في الرحى كما قلنا هو أميركي . وكي يتحقق ذلك هناك أصول وقواعد تعتمدها الشركات الاميركية الكبرى في استخراج وتكرير النفط. وقد اضطرت هذه الشركات إلى الامتناع عن الاستثمار في بلد لا وجود لسلطة قضائية ولا احترام للقوانين أو أمن فيه.
ويقال أن الجهاز القضائي العراقي استعان بوحدات مساندة من أجهزة “الإف. بي. آي” الاميركية لمساعدته على تنفيذ المواجهة، ما أدى إلى كشف الكثير من عالم الفساد المنظم الذي هيمن على الحياة السياسية، برعاية من كبار المسؤولين، الذين طالما تقاسموا ما يتم نهبه مع اتباعهم، وحالوا مرارا وتكرارا عن سوقهم ومحاكمتهم أمام القضاء وايداعهم في السجون. أما المشاريع التي جرى وضعها واللجان الذين تم تشكيلها لتحقيق النزاهة، فقد ظلت في الجوارير أو ذهبت أدراج الرياح . لذلك يؤكد عدد كبير من المحللين العراقيين أن أصحاب النفوذ الكبار محميون بمواقعهم السياسية، وهنا نتحدث عن رؤساء حكومات ورؤساء كتل ووزراء وضباط كبار وقضاة وغيرهم.
أين أموال العراق المنهوبة؟
خلال السنوات الماضية عانى العراقيون من حرب داعش وتعرضت مناطق واسعة منه للتدمير، فضلا عما لحق بالمرافق نتيجة الحروب المتلاحقة عليه من خراب، وبدلا من أن تذهب الأموال الناجمة عن بيع النفط إلى تنفيذ المشاريع الملحة كانت تتسرب إلى قوى الفساد المحمية بالميليشيات العاملة تحت مسمى المحاصصة والحشد الشعبي، الذي جرت شرعنته لاحقا وبات جزءا من أجهزة الدولة ويتقاضى رواتبه وثمن سلاحه منها. في الجانب الموازي كانت المعادلة واضحة وتقوم على ثنائية النهب : ميليشيات = فساد. وعليه كان الطرفان في حصن حصين عن المس بأي منهما.
وهذا المنحى من نهب المال العام كانت طلائعه قد حدثت منذ الغزو الاميركي، وعندها بات ما يسمى بالدولار العراقي مثله مثل الدولار الليبي معتمدا في أسواق المنطقة، بعد أن جرى تهريب مئات الملايين منه إلى الخارج، وتم تبييضه وشراء عقارات وغيره من خلال وسطاء حصلوا على حصة كبيرة منه.
يمكن القول إن الاشتباك الاميركي – الايراني القائم كان المناخ الملائم لتوجيه الضربة لجانب من منظومة الفساد. فقد ثبت أن ما شهده العراق من تجاذب مزدوج حول مختلف القضايا، وفي المقدمة منها مصير سلاح وهيكلية الميليشيات أيضا يدخل في باب تقليم اظافر ايران، التي تمددت في غضون اعتماد نظرية “تصدير الثورة ” إلى اليمن وسوريا ولبنان… وبوابة كل ذلك هو العراق دون سواه. ومن المعلوم أن رئيس الوزراء على الزيدي سيتوجه إلى واشنطن منتصف الشهر المقبل للقاء الرئيس دونالد ترامب في أول زيارة خارجية له. ويريد أن يحصل منه على درع التثبيت ، لكن شرط تحقق ذلك كان أن يحمل معه ما يمكن وصفه بأنه انجازات في ملفين حساسين هما الفساد وحصر السلاح. وهما ملفان سيجدان صدى ايجابي لهما لدى الإدارة الاميركية بالنظر إلى تبعيتهما لإيران على نحو شبه كامل. هذا مع العلم أن بعض الفصائل المسلحة سبق ووافقت على تسليم سلاحها، بينما ظلت الأخرى الأقرب إلى ايران ترفض ذلك على غرار حزب الله اللبناني. وقد حدد الزيدي موعد تسلمه من الفصائل الباقية في الأشهر المقبلة. ومثل هذا التطور أنعكس ايجابا على علاقات العراق العربية مع سوريا بعد أن زار وزير خارجيته دمشق والتقى الرئيس أحمد الشرع، واتفقا على توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين مستقبلاً.
خلال جلسة لمجلس الوزراء أعلن الزيدي أن الحكومة ماضية في مكافحة الفساد، مشدداً على أنها “صولة أولى” وستتبعها خطوات. وقال إن أي فاسد في هذه الحكومة “لن يتمتع بأي حصانة”. وفي إطار تجديد التأكيد على أولويات حكومته، لا سيما في ملف السلاح، شدد على أن العراق سيبدأ صفحة جديدة، وأن السلاح سينحصر بيد الدولة، وستكون حقوق استعمال القوة حكراً على الدولة فقط. لكنه قرن قوله هذا باعتبار أن كل من يعيد ما سرقه ستخفف عنه الأحكام القضائية.
وختاما يمكن القول إن أي حملة على الفساد في العراق، لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية تشمل تحديث أنظمة الرقابة المالية، وأتمتة (التحوّل الرقمي) الخدمات الحكومية، وتعزيز الشفافية في العقود العامة، وربط قواعد بيانات المؤسسات الحكومية. فالوقاية من الفساد لا تقل أهمية عن ملاحقة مرتكبيه الذين فر بعضهم إلى تركيا أو الاردن أو الامارات العربية وغيرها. ويبقى مقياس النجاح في المرحلة المقبلة مرهونا بقدرة المؤسسات العراقية على التعامل مع ملفات الفساد الكبرى بعيداً عن الضغوط السياسية. إذ الأهم هو بناء منظومة قانونية تمنع تكرار الفساد مستقبلاً. أما إذا توقفت الحملة عند حدود معينة أو استثنت شخصيات نافذة، فإنها ستتلاشى وتفقد أثرها السياسي والاقتصادي والشعبي كما حدث مع سابقاتها.
السؤال المطروح: هذا في العراق فمتى لبنان وأموال الخزينة والمودعين مقيمين ومغتربين التي نهبت أيضا بالكامل ؟
