سياسة صحف وآراء

حين يلتقي الأعداء على احتقار الداخل

* شهيد نكد

في عالمٍ صارت فيه حتى الثنائية الجندرية، وهي من أكثر الثنائيات رسوخاً في المخيّلة البشرية، موضع نقاش فلسفي واجتماعي وقانوني، لا يزال لبنان أسير ثنائيات سياسية بدائية. العالم يناقش ما كان يُعتبر من المسلّمات، ونحن لا نزال عاجزين عن الخروج من ثنائية سيادي/ممانع، ووطني/خائن.

لماذا يخاف الجميع من صوت ثالث؟

ليست المشكلة في وجود اختلاف سياسي، المشكلة أن هذا الاختلاف تحوّل إلى ديكتاتورية فكرية. ديكتاتورية لا تكتفي بأن تطلب منك تحديد موقفك، بل تريد أن تحدّد لك طريقة التفكير، وحدود السؤال، ونبرة الاعتراض. فإذا انتقدت حزب الله، صرت حكماً في معسكر السيادة كما يعرّفه السياديون. وإذا انتقدت اتفاق واشنطن، صرت حكماً في معسكر الممانعة كما يعرّفه الممانعون. لا يهم مضمون الكلام، المهم أن يجدوا لك خانة. وكأي هويّة جماعية، فإن الثنائية تقوم على رسم الحدود وليس على بناء المضمون الفكري، وأي رأي ثالث يُعتبر تهديداً لهذه الحدود لأنّه يكشف أن الانتماء لم يكن قائماً على قناعة بل على اصطفاف، لهذا يتمّ تهميش الأصوات الخارجة عن هذه الثنائية وتُلحَق قسراً بالمعسكر المقابل.

هذا ما يحصل اليوم مع اتفاق الإطار في واشنطن. بدل أن يُفتح نقاش لبناني جدّي حول الاتفاق، حول بنوده، حول منطقه، حول مخاطره، وحول ما إذا كان يخدم فعلاً بناء الدولة أو يضعها داخل هندسة أمنية خارجية، تحوّل الاتفاق إلى امتحان ولاء جديد. المطلوب، وفق جزء من الخطاب السيادي، أن نصفّق، أن نعتبر أي خطوة تضغط على حزب الله إنجازاً بحدّ ذاتها. أن نرى في الاتفاق عودة للدولة، ولو لم تكن الدولة قد شاركت مجتمعها في أي نقاش، ولم تشرح رؤيتها، ولم تحدّد سياستها الخارجية، ولم تقل للبنانيين إلى أين تأخذهم.

إرادة الدولة لا تُقاس بالخطابات، بل بإنتاج مشروع، والذين احتكروا الحديث باسمها طوال سنوات لم يُقدّموا سوى تعريف سلبي لها: الدولة هي ما ليس حزب الله، والسيادة هي ما يُزعج الممانعة، وبناء الدولة هو كلّ ما يُضعف الخصم الداخلي. بهذا المعنى، لم تتحوّل الدولة إلى مشروع سياسي جامع، بل إلى شعار يُستعمل في المعركة الداخلية. لذلك، لا يكفي أن يُرفع شعار الدولة في وجه حزب الله كي يُصبح كلّ اتفاق جيّداً، ولا يكفي أن يُضعف الاتفاق خصماً داخلياً،هذا إذا كان يُضعفه فعلاًً، كي يتحوّل إلى مكسب وطني. الدولة ليست راية تُرفع لتطويق النقاش، بل مشروع يُقاس بما يُنتجه من حماية للمجتمع، وتماسك داخلي، وقدرة على تحويل السيادة من خطاب إلى ممارسة.

بين شعار القضية وشعار الدولة

تعبنا من الاستبداد، تعبنا من شعار “لا صوت يعلو فوق صوت القضية” حين رفعه حزب الله ليمنع النقاش حول السلاح والحرب والكلفة والقرار، وليحصل على رخصة دائمة للتعطيل. اتُّخذ قرار فتح الحرب في 8 تشرين الأول 2023 من دون أي تفويض شعبي أو نقاش وطني، ثمّ طُلب من المجتمع (خصوصاً الجنوب والبقاع) أن يدفع الثّمن بإسم القضيّة متحوّلاً إلى احتياط دائم لحروب لا يملك قرارها ولا يرى أفقَها. وتعبنا اليوم من نسخة أخرى من الشعار نفسه، يرفعها بعض السياديين باسم الدولة، كأن الدولة صارت قضية لا يُناقش باسمها شيء، وكأن انتقاد الاتفاق خيانة للدولة لا محاولة لإنقاذ فكرتها من تحويلها إلى ملحق أمني في تفاهم خارجي.

الأخطر أن الفريقين، رغم عدائهما الظاهر، يلتقيان عند احتقار الداخل. فحزب الله ينظر إلى الداخل كساحة تعبئة خلف القضيّة، وبعض السياديين ينظرون اليه بوصفه جمهوراً يجب أن يلتحق بخطاب الدولة كما يصوغونه هم. في الحالتين، المجتمع ليس شريكاً في إنتاج القرار، بل مادة تُستدعى عند الحاجة: مرّة للصمود، ومرّة للتصفيق، ومرّة لتسديد الفاتورة. لذلك، لم يلتقط أحد اللحظات القليلة التي كسر فيها الناس حدود الاصطفاف، حين فُتحت البيوت والمناطق أمام النازحين، وظهرت إمكانية اجتماعية كان يمكن البناء عليها. بدل تحويل تلك اللحظة إلى نقاش وطني حول السلاح والدولة والأمن المشترك، عاد الجميع إلى لغته القديمة: الخارج أولاً، والداخل صندوق بريد.

هنا تحديداً تظهر هشاشة الخطاب الديبلوماسي لدى كثير من السياديين. فالديبلوماسية التي يتحدّثون عنها بقيت، في معظم الأحيان، عنواناً عاماً لا خطّة عمل. لم نرَ عملاً جدياً على الديبلوماسية الشعبية، ولا على تحضير الملفّات، ولا على بناء رواية لبنانية قادرة على مخاطبة الخارج بلغته ومصالحه، ولا على تدريب الدولة على فنّ التفاوض بدل الاكتفاء بانتظار الوسيط الأميركي. لم نرَ ديبلوماسية مكوكية بين العواصم، ولا محاولة لبناء شبكة علاقات متوازنة في زمن لم يعد فيه العالم أحادي القطب ولا الإقليم أحادي الاتجاه. عن أي ديبلوماسية نتحدّث إذا كانت الدولة تضع كلّ بيضها في سلّة واحدة، وتنتظر الخارج بدل أن تتحرّك، وتشرح، وتفاوض، وتراكم، وتبني أوراق قوّة؟

الديبلوماسية ليست صورة في واشنطن، ولا توقيعاً تحت رعاية أميركية، ولا شعاراً نرفعه في وجه سلاح حزب الله. الديبلوماسية فعل يومي، مكوكي، عنيد، طويل النفس. وإذا لم تكن كذلك، فهي ليست ديبلوماسية، بل انتظار.

فمن الذي يخاف عملياً من الديبلوماسية؟ أهو حزب الله الذي قد يخسر شرعية قائمة على الاستهداف والتهديد، أم السيادة التي تملأ فراغها الفكري بالشعارات؟

* تم النشر بتاريخ 4 تمو 2026 على موقع المدن