الدكتور زهير هواري
بيروت 25 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية
رغم أن عمليات التقييم تقدم صورة نسبية لحجم الأضرار، إلا أنها لا تشمل مثلا الأقبية أو المنشآت تحت الأرض، ولا الأضرار التي طالت البنية التحتية الحيوية مثل الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات وما شابه. كما تعكس الأرقام الوضع حتى تاريخ 29 نيسان/أبريل 2026 ولا تأخذ بعين الاعتبار التدمير الذي حدث بعدها، وكذلك أعمال التعافي أو إعادة الإعمار الجارية التي كلفت العائلات أموالا طائلة جاء القصف اللاحق للقضاء عليها. وكانت وزارة الاقتصاد وبالتنسيق مع البنك الدولي وعددٍ من المؤسسات الدولية قد نفذت مسحا ميدانيا لتقييم الأضرار قبل الضربات الأخيرة، أشار إلى أن الأضرار تتجاوز كلفة الحرب الماضية التي قدرها البنك الدولي بـ7 مليارات دولار، بعد أن استهدفت إسرائيل جسوراً وطرقاً رئيسية قطعت فيها أوصال الجنوب والبقاع ، فضلاً عن تدميرٍ واسع في المباني والمؤسسات.
وقدّرت مصادر مالية الخسائر اليومية التي تكبدها لبنان بما بين 60 و80 مليون دولار، ليتجاوز مجمل الخسائر 3 مليارات دولار منذ بداية الحرب، وفي المقابل، تراجعت إيرادات الدولة إلى النصف، وارتفعت كلفة المساعدات الإنسانية. ولقد أدى تراجع النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات إلى:
- انخفاض الإنتاج اجمالا بنسبة تقارب 50%. ، ووصل خلال الصراع في المناطق المستهدفة إلى 100%
- انكماش اقتصادي منذ العام 2024 يُقدّر بنحو 7%.. تبعا لتقديرات وزير الاقتصاد والبنك الدولي. وهذا الرقم لا يقتصر على الجنوب والبقاع والضاحية، بل يشمل لبنان بأسره. وهو ما يعني دخول الاقتصاد في مرحلة ركود.
وتشير التوقعات إلى أن هذا التدهور سيتواصل في ظل غياب أفقٍ الحل السياسي والأمني الواضح والحقيقي. وحتى إن تحقق ذلك دون توافر مصادرالتمويل الخارجي، واحتواء أزمة النزوح، والتحضير لإعادة الإعمار يحتاج التعافي إلى سنوات. ما قد يفاقم الأزمة الاجتماعية ويرفع معدلات الفقر، بخاصةٍ مع استمرار النزوح وتدهور مستوى المعيشة.
قطاعات التجارة والصناعة والسياحة
بدورها تعرضت قطاعات التجارة والصناعة والسياحة إلى 9% من الأضرار، وإلى 48% من الخسائر، و17% من كلفة إعادة الإعمار. أما كلفة الأضرار في قطاعي التجارة والصناعة تبعا لتقديرات البنك الدولي فهي 612 مليون دولار وتساوي الخسائر 3.4 مليار دولار، بينما تقدر حاجات إعادة الإعمار والتعافي يـ 1.849 مليار دولار
وقد مثّلت قطاعات التجارة والصناعة والسياحة نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان قبل الحرب ، وضمّت حوالي 215 ألف منشأة رسمية وغير رسمية بحسب البنك الدولي. وفي حين شكّل قطاع السياحة مصدراً رئيساً لتدفّق العملات الأجنبية إلى البلاد التي تعاني أساساً من أزمة اقتصادية حادّة، بعد أن حدّت الحرب من تدفّق السياح والمغتربين اللبنانيين لزيارة ذويهم.
وتسبب العدوان الإسرائيلي بتدمير ما لا يقل عن 2,099 منشأة بالكامل بحسب تقييم البنك الدولي، فيما تعرّضت 7,094 منشأة لأضرار جزئية. وفي الحصيلة، يصل عدد المنشآت المتضرّرة والمدمّرة إلى 9,193 منشأة أو 4.3% من مجمل المنشآت الموجودة في لبنان. إلى ذلك، لحقت 75.9% من الأضرار بمنشآت تجارية وصناعية (6,974 منشأة) من ضمنها 2% دمّرت بالكامل، ونحو 24.1% لحقت بمنشأت سياحية (2,219 منشأة) من ضمنها 3% دمّرت بالكامل.
ويعتبر قضاء مرجعيون الأكثر تضرراً، حيث بلغت قيمة الأضرار فيه نحو 121 مليون دولار، يليه قضاء النبطية بنحو 101 مليون دولار، ومن ثم صور الذي تكبد أضراراً بقيمة 88 مليون دولار.
و القطاع الزراعي
تعتبر الزراعة من القطاعات المهمّة لتوفير الأمن الغذائي في لبنان للبنانيين والمقيمين، كما تعتبر مصدر دخل رئيسي لسكّان الأرياف والمناطق القريبة من السهول الزراعية. بحسب منظّمة الفاو، شكّل القطاع الزراعي نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان في العام 2020، وترتفع حصته إلى 13% إذا أضفنا الصناعات الغذائية، كما أمّن العمل لنحو 4% من مجمل العمالة. إلى ذلك، تضمّ محافظة الجنوب 64% من أشجار الحمضيات في لبنان، ونحو 94% من مزارع الموز، فضلاً عن 15% من أشجار الزيتون، ونحو 44% من أشجار الفواكه الاستوائية، بما في ذلك 63% من أشجار الأفوكادو. في المقابل، تنتج منطقة البقاع 70% من عنب لبنان بحسب وزارة الزراعة، علماً أن 30% منه يُستخدم في صناعة النبيذ. وأيضاً يشير المجلس الوطني للبحوث العلمية إلى أن 40% من الأنشطة الزراعية مرتبطة بالثروة الحيوانية، و60% من مربّي الثروة الحيوانية يعتمدون على إنتاج الألبان كمصدر رئيس لدخلهم.
وتقدر أضرار هذا القطاع بنحو 79 مليون دولار، لحق معظمها بالبنية التحتية وإنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية والمصايد وأنظمة الريّ، ما أدّى إلى تدهور سبل العيش وعرقلة إمكانات التعافي اللاحق. وتعبّر الأضرار عن الأكلاف الحالية لاستبدال الأصول المدمّرة، وتشكّل 1% من مجمل الأضرار. وبحسب تقييم «البنك الدولي»، فقد تكبّدت المحاصيل المروية النسبة الأكبر من الأضرار، وقد قدّرت قيمتها بنحو 34 مليون دولار أو 43% من مجمل الأضرار اللاحقة بالقطاع الزراعي، وقد نتجت عن جرف المحاصيل الرئيسة مثل الزيتون والأفوكادو. تليها الأضرار اللاحقة بأنظمة الريّ، التي تعرّضت بعضها لاستهداف مباشر من الجيش الإسرائيلي، وقد قدّرت قيمة الأضرار فيها نحو 16 مليون دولار (20.3% من مجمل الأضرار). فيما بلغت الأضرار اللاحقة بالثروة الحيوانية نحو 11 مليون دولار (14%). إلى ذلك، توقّفت الكثير من أنشطة الصيد على طول الساحل الجنوبي، وتضرّر 472 مركب صيد، تشمل القوارب التي دُمرت بسبب القصف المباشر (12 قارباً)، والقوارب التي تعرّضت للصدأ وأضرار أخرى نتيجة التوقّف المطوّل عن العمل في خلال فترة الحرب (460 قارباً). وتضرّرت 13 بركة لتربية الأسماك وبلغت كلفة الأضرار نحو 1.2 مليون دولار.
بالإضافة إلى الأضرار، تسبّبت الحرب في خسائر في القطاع الزراعي تقدّر بحوالي 742 مليون دولار. وتشمل حوالي 693 مليون دولار من عائدات إنتاج المحاصيل، و25 مليون دولار من الثروة الحيوانية، و24 مليون دولار من المصايد. ُويقدر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع الزراعة بحوالي 412 مليون دولار، من ضمنها 165 مليون دولار لقطاع الزراعة مباشرة، و247 مليون دولار لتأمين المساعدات الغذائية الطارئة لنحو 550 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي بسبب الحرب. تتضمّن حاجات القطاع الزراعي، إعادة بناء البنية التحتية، وإعادة تأهيل الأصول، وإصلاح أنظمة الريّ، والبرك المائية المخصّصة لتربية الأسماك، وقوارب الصيد، ومعدّات معالجة المحاصيل لاستعادة الخدمات والوصول إلى السلع بما فيها الثروة الحيوانية والمحاصيل، فضلاً عن تقديم إمدادات الأعلاف الحيوانية وتأمين احتياجات العمالة الزراعية.
الخسائر وأكلاف إعادة الإعمار
في تقرير البنك الدولي عن «التقييم السريع للأضرار والحاجات في لبنان» الذي أعدّه بطلب من الحكومة اللبنانية، ويعتبر التقييم الأول الأكثر شمولاً لتداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان وآثاره الاقتصادية، قدّر الحاجات المطلوبة لإعادة إعمار وتعافي القطاعات الأساسية في لبنان، أي الزراعة والصناعة والتجارة، بنحو 2.26 مليار دولار، وهو ما يساوي 21% من مجمل كلفة إعادة الإعمار والتعافي جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان، والتي قدّرها البنك الدولي بنحو 11 مليار دولار.
وقد تسبّبت الحرب بنحو 3.4 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية، من ضمنها 1.3 مليار دولار (38%) في قطاع السياحة علماً أن 45% من الخسائر السياحية سجّلت في المناطق المتأثرة بالحرب مباشرة، بالإضافة إلى 2.1 مليار دولار في التجارة والصناعة، من ضمنها 990 مليون خسائر في تجارة الجملة والتجزئة، و829 مليون دولار خسائر في قطاع التصنيع، و254 مليون خسائر في الخدمات.
تشكّل الخسائر في هذه القطاعات نحو 48% من مجمل الخسائر المُسجّلة في 10 قطاعات قيّمها البنك الدولي، وهي تأتي من الإيرادات الفائتة الناجمة عن إغلاق الأعمال بسبب تضرّر المنشآت، أو نزوح الموظّفين وأصحاب الأعمال من المناطق المتأثرة بالحرب، بالإضافة إلى تغيّر أنماط الاستهلاك في المناطق غير المتأثرة بالحرب حيث تركّز الإنفاق على السلع الأساسية بدلاً من الكمالية. فضلاً عن تراجع عوائد الإيجارات وتراجع عدد السياح والإشغال الفندقي.
يقدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع التجارة والصناعة والسياحة بحوالي 1.8 مليار دولار، من ضمنها 34% مخصّصة لقطاع السياحة، و66% لقطاعي التجارة والصناعة. ويقدّر احتياجات إعادة إعمار البنية التحتية بنحو 796 مليون دولار وتشمل 532 مليون دولار لإصلاح المنشآت المتضررة جزئياً، ونحو 264 مليون دولار لإعادة بناء المنشآت المدمّرة بالكامل. أما احتياجات استعادة الخدمات فتقدّر بنحو مليار دولار، وتشمل توفير رأس المال العامل لشراء الإمدادات وإعادة بناء المخزون، وتغطية التكاليف التشغيلية العاجلة وقصيرة الأجل، بما في ذلك تعويض الأجور والإيجارات للمساحات التشغيلية المؤقتة.
اذن طال التدمير والانهيار قطاعات أساسية مثل التجارة والصناعة والسياحة والزراعة. ومن المتوقع أن تنعكس الكوارث التي حلت بها تزايدا في نسبة الذين يعيشون في فقر إلى 94 في المائة في محافظة النبطية وإلى 87 في المائة في محافظة جنوب لبنان… وهلمجرا. وفي ظلّ النقص المتواصل في الأموال العامة وعدم كفاية المساعدات الدولية ووهن سيادة القانون وفعالية الحكومة، ضعفت بشدّة قدرة مؤسسات الدولة على مواجهة التحديات المعقدة الناجمة عن الحرب المندلعة. من هنا الحاجة إلى تخطيط متكامل ومنسق وقائم على الأدلة للتعافي وإعادة الإعمار لتجاوز محنة الوضع القائم والحد من مضاعفاته.
ودون شروحات طويلة يحذر الخبراء من التداعياتٍ الاجتماعية الخطيرة التي ستنجم عن الحرب ومار افقها، وأبرزها تفكك الروابط الاجتماعية والعائلية. وتراجع التماسك الداخلي. وزيادة المخاوف من اضطراباتٍ أمنية أوسع نتيجة الاحتقان بين النازحين والمجتمعات المضيفة، والذي يهدّد بانفجارٍ اجتماعي. وكذلك هناك تحذيرات من العودة إلى الانهيار المالي المتصاعد على ضوء الوضع المالي للدولة ومجمل الاقتصاد.
