زكي طه
بيروت 10 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية
لم يعد من السهل على أي متابع للشأن اللبناني أو العربي أن يتجاهل حجم التحولات التي تعصف بالمنطقة، ولا حجم المآزق التي تكشفت خلال السنوات الأخيرة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
فالحروب تتوالى، والدول تتفكك أو تضعف، والمجتمعات تتعرض لموجات متلاحقة من العنف والتهميش والانقسام، فيما تتراجع السياسة بوصفها مجالاً عاماً لإنتاج الحلول، لمصلحة منطق القوة والمحاور والاستقطابات الحادة.
وفي قلب هذا المشهد يقف لبنان، مرة جديدة، بوصفه أحد أكثر النماذج تعبيراً عن أزمة بلدان ومجتمعات المنطقة كلها.
فالأزمة اللبنانية لم تعد مجرد أزمة حكم أو اقتصاد أو إدارة أو توازنات طائفية، على خطورتها جميعاً، بل أصبحت تعبيراً عن مأزق تاريخي أعمق يتعلق بوجود الدولة وعلاقتها بالمجتمع، وعلاقة الداخل بالخارج، وعلاقة الوطني بالإقليمي.
ولعل التطورات الأخيرة، وما رافقها من حروب ومفاوضات واتفاقات ومشاريع تسويات متعثرة، أعادت طرح أسئلة كانت حاضرة منذ سنوات، لكنها تكتسب اليوم إلحاحاً إضافياً: إلى أين يتجه لبنان؟ وما هو الأفق السياسي الممكن للخروج من دوامة الانهيار والصراعات المفتوحة؟ وهل ما زال اللبنانيون محكومون بالاختيار بين مشاريع متصارعة لا يملكون التحكم بها، أم إن ثمة إمكانية للبحث عن طريق مختلف؟
مأزق الخيارات القائمة
كشفت الوقائع المتراكمة، على نحو لا يحتمل الالتباس، أن القوى الأساسية المتصارعة في المنطقة، على اختلاف مواقعها وشعاراتها، تواجه حدوداً متزايدة في قدرتها على إنتاج حلول مستدامة.
فالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي، الذي يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق موازين قوى جديدة، لم ولن ينجح في تقديم نموذج للاستقرار العادل أو للتنمية أو للسلام القائم على الحقوق.
وعلى الرغم من تفوقه العسكري والسياسي، ما زالت المنطقة تشهد دورات متتالية من الحروب والأزمات والانفجارات الاجتماعية، فيما تتعمق مشاعر اليأس والاحباط والاغتراب لدى قطاعات واسعة من شعوبها.
وفي المقابل، فإن المشروع الإيراني، الذي قدم نفسه لعقود طويلة باعتباره مشروع مقاومة لاسرائيل ومواجهة للهيمنة الاميركية، يواجه بدوره أسئلة متزايدة حول نتائجه الفعلية ومضاعفاته التدميرية، على الداخل الايراني، وعلى مستوى البلدان والمجتمعات التي توسع نفوذه داخلها.
ففي أكثر من ساحة، تداخلت قضية مقاومة الاحتلال مع حسابات النفوذ الإقليمي، وتراجعت أولوية بناء الدولة والمؤسسات لمصلحة منطق المحاور والتوازنات العسكرية، الأمر الذي أسهم في إضعاف الكيانات الوطنية وتفكيك مجتمعاتها وتعميق انقساماتها الداخلية.
إن الاعتراف بهذه الوقائع لا يعني المساواة بين هذه التجارب المختلفة، أو تجاهل الفوارق القائمة بينها، لكنه يعني الإقرار بأن أياً من المشروعين لم يتمكن من تقديم أفق تاريخي قادر على الجمع بين بناء الدولة والتحرر الوطني والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية.
لبنان مختبراً للأزمة
في لبنان تتجسد هذه التناقضات بصورة أكثر وضوحاً.
فالبلاد تعيش منذ سنوات حالة انهيار غير مسبوقة، وفيما تتآكل مؤسسات الدولة، تتعمق الانقسامات السياسية والاجتماعية والطائفية.
وفي الوقت نفسه، يبقى لبنان ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، بحيث تتحول معظم القضايا الداخلية الكبرى إلى امتداد لصراعات تتجاوز حدوده.
وقد أظهرت النقاشات التي رافقت الحرب الأخيرة ومشاريع وقف إطلاق النار والتسويات المقترحة حجم المأزق الذي يواجهه اللبنانيون جميعاً.
فريق واسع يطالب بالإنقاذ، غير أنه يخشى أن يؤدي أي اعتراض على المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي إلى استمرار الانهيار والحروب المفتوحة، وفريق آخر ينشد التحرير، لكنه يخشى أن يؤدي أي اعتراض على دور إيران وحزب الله إلى فتح الطريق أمام الهيمنة الإسرائيلية الكاملة.
وبين الخوفين، يتعمق الانقسام، ويتوه الإنقاذ ويضيع التحرير، والأفدح تراجع النقاش أو الهروب منه، حول المسألة الأساسية: كيف يمكن بناء دولة قادرة وسيدة وديمقراطية في آن واحد؟
الحاجة إلى خيار بديل
من هنا تبرز الحاجة إلى التفكير بما يمكن تسميته، بصورة أولية ومفتوحة للنقاش، الخيار البديل أو الخيار الثالث.
والمقصود بذلك ليس موقعاً وسطياً بين محورين متصارعين، ولا محاولة للتوفيق بين مشروعين مختلفين. فالخيار البديل أو الثالث، لا ينطلق من فرضية أن الحقيقة موزعة بالتساوي بين الطرفين، بل من قناعة بأن المأزق القائم يرتبط، في أحد أوجهه الأساسية، بعجز الاستقطاب الحالي نفسه عن إنتاج مستقبل أفضل للمجتمع الذي تدور في فلكه.
وحاجة اللبنانيين لخيار بديل، تستدعي محاولة البحث عن مقاربة مختلفة تنطلق من مصالح المجتمع والدولة، لا من مصالح المحاور المتصارعة. مقاربة ترفض الاحتلال والهيمنة الإسرائيلية، وترفض في الوقت نفسه بقاء لبنان أو أي من البلدان العربية ساحة نفوذ وصراعات بالوكالة، إيرانية كانت أو تركية أو اي جهة أخرى.
مقاربة تدافع عن حق اللبنانيين، وسائر الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان، لكنها تدافع أيضاً عن حقها في بناء دول ديمقراطية حديثة تحتكر وحدها القرار الوطني العام والسلاح المشروع.
ومقاربة تربط بين الاستقلال الوطني والحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، باعتبارها عناصر متكاملة لا يمكن الفصل بينها.
تحديات بلورة هذا الخيار
والقول بالحاجة إلى بديل، كما الاقرار بصواب الدعوة له، لا يعني أن شروطه أصبحت متوافرة. فالأزمات التاريخية لا تنتج بدائلها بصورة تلقائية.
ولعل أحد أسباب استمرار الاستقطاب القائم يتمثل في أن قوى المحاور نجحت، على مدى عقود، في فرض ثنائيات قطعية وحادة على الوعي العام: مقاومة أو استسلام، سيادة أو تبعية، شرق أو غرب، أمن أو فوضى، وطنية أو خيانة.
وفي ظل هذه الثنائيات جرى التعامل مع أي محاولة للخروج من الاصطفافات القائمة باعتبارها موقفاً غامضاً أو تردداً سياسياً أو شكلاً من أشكال الحياد المستحيل.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في قوة المشاريع المتصارعة، بل أيضاً في ضعف القوى التي يفترض أن تحمل البديل. فأحزاب اليسار العربي، ومعها قطاعات واسعة من القوى الديمقراطية والمدنية، عاشت خلال العقود الماضية أزمات وانقسامات متلاحقة، وفي كثير من الأحيان فقدت استقلاليتها الفكرية والسياسية، خاصة من استسهل منها الاختيار بين هذا المحور أو ذاك. ومن انكفأ من مواقع الاعتراض المبدئي، أو الأخلاقي خسر قواه وقدرته على التأثير.
ومن هنا، فإن المهمة المطروحة اليوم لا تتمثل في إعلان ولادة مشروع جاهز أو قوة سياسية مكتملة، بل في إعادة فتح النقاش حول الأسئلة التي يفرضها المأزق الراهن، والعمل على بناء المجال الفكري والسياسي الذي يسمح بتبلور بدائل جديدة.
مساهمة في فتح النقاش
إن هذه المقاربة لا تدعي امتلاك أجوبة نهائية. ولا تزعم أن ما يسمى الخيار البديل أو الثالث، أصبح مشروعاً متكاملاً أو قوة اجتماعية وسياسية قائمة بالفعل. بل لعل أهميتها تكمن في اعتبارها دعوة إلى النقاش أكثر منها إعلاناً عن بلوغ نتائج نهائية.
فالمطلوب اليوم ليس إنتاج شعارات جديدة، بقدر ما هو إنتاج مساحة جديدة للتفكير السياسي، تسمح بإعادة طرح الأسئلة التي جرى تهميشها طويلاً.
كيف يمكن الجمع بين مقاومة الاحتلال وبناء الدولة؟
كيف يمكن الدفاع عن السيادة الوطنية من دون الارتهان للمحاور؟
كيف يمكن الخروج من الطائفية السياسية من دون إعادة إنتاج الاستبداد أو الفوضى؟
وما هي القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على حمل مشروع ديمقراطي وطني مستقل في لبنان والمنطقة؟
هذه الأسئلة وسواها لا تخص اليسار وحده، وإن كانت تعنيه بصورة خاصة، ولا تخص لبنان وحده، وإن كان يعيشها بصورة حادة.
إنها أسئلة ترتبط بمستقبل المجتمعات العربية كلها في لحظة يبدو فيها أن الخيارات التي حكمت العقود الماضية بلغت حدودها التاريخية.
ومن هنا، فإن المساهمة في بلورة هذا النقاش لا تشكل ترفاً فكرياً، بل محاولة متواضعة للمشاركة في البحث عن مخارج ممكنة من مأزق تتجاوز آثاره حدود لبنان لتطال المنطقة بأسرها.
أخيراً، ربما تكون الخطوة الأولى في هذا المسار هي الاعتراف بأن البديل لا يولد جاهزاً، بل يتشكل عبر الحوار والنقد والتجربة والتراكم، وأن المهمة المطروحة اليوم ليست إعلان الوصول إليه، بل المساهمة في فتح الطريق نحوه.
والسؤال الاول والملِّح هو: هل من شركاء؟
