اقتصاد صحف وآراء

 علي بابا والأربعون حراميًا: لبنان كما رآه صندوق النقد

الدكتور رياض أسعد هلال

عندما نشر صندوق النقد الدولي تقريره الأخير بعنوان:  لبنان: “تشخيص الحوكمة والفساد”

(Lebanon: Diagnostic of Governance and Corruption)

بدا للوهلة الأولى وكأنه تقرير تقني عن الحوكمة والفساد والإدارة العامة، لكن من يقرأ صفحاته بعناية يكتشف أنه ليس مجرد تشخيص إداري، بل رواية كاملة عن دولة أُنهِكت بفعل منظومة متكاملة من المصالح والامتيازات والإفلات من العقاب.

ولعل أفضل طريقة لفهم ما يقوله التقرير ليست عبر لغة الأرقام وحدها، بل عبر استعارة أدبية يعرفها الجميع: قصة علي بابا والأربعين حراميًا.

في الحكاية الشعبية، كانت هناك مغارة مليئة بالكنوز لا تُفتح إلا بكلمة سر يعرفها اللصوص وحدهم. أما في لبنان، فلم تكن المغارة كهفًا مخفيًا بين الجبال، بل دولة كاملة بمؤسساتها وإداراتها ومواردها وأموالها العامة. لم تعد كلمة السر في لبنان “افتح يا سمسم”، بل “افتحي يا منظومة”، وما إن تُقال حتى تُفتح أبواب الدولة والمال العام والامتيازات والحصانات أمام المحظيين، فيما يبقى المواطن العادي واقفًا خارج المغارة، يموّل الكنز من جيبه، ثم يُطلب منه لاحقًا أن يتحمل كلفة اختفائه.

على مدى عقود، تحولت الدولة تدريجيًا من مؤسسة يُفترض أن تحمي المصلحة العامة إلى مساحة تتقاطع فيها المصالح الخاصة. لم يعد الوصول إلى الموارد أو العقود أو التعيينات أو الامتيازات مرتبطًا بالكفاءة أو القانون، بل بالقرب من مراكز القرار، وهكذا نشأ نظام مغلق أعاد إنتاج نفسه مرة بعد مرة، حتى بدا وكأن أبواب المغارة مفتوحة لفئة محددة فقط، فيما يُطلب من بقية اللبنانيين تمويل الكنز ثم الوقوف خارجه.

ما يلفت في تقرير صندوق النقد أنه لا يبحث عن أسماء أو أفراد بقدر ما يشرح كيف عملت المنظومة نفسها، فهو يتحدث عن ضعف المؤسسات الرقابية، وتداخل المصالح السياسية بالإدارية، وغياب المساءلة الفعلية، واستمرار شبكات النفوذ في التأثير على القرارات العامة، وبعبارة أخرى، فإن التقرير لا يكتفي بالسؤال: من سرق؟ بل يطرح سؤالًا أكثر أهمية: كيف أُتيح للسرقة أن تستمر كل هذا الوقت؟

في قصة علي بابا كان عدد اللصوص أربعين، أما في النسخة اللبنانية، فالعدد رمزي لا أكثر، فالأربعون حراميًا ليسوا أربعين شخصًا، بل أربعين نمطًا من الاستفادة، إنهم كل من استفاد من نظام يقوم على الهدر بدل الإنتاج، وعلى الاحتكار بدل المنافسة، وعلى الحماية بدل المحاسبة.

إنهم الذين استفادوا من صفقات الكهرباء التي استنزفت مليارات الدولارات من دون أن تؤمّن التيار، والذين استفادوا من التلزيمات العامة التي تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات توزيع نفوذ لا مشاريع تنمية، والذين استفادوا من التهرب الضريبي والتهريب والدعم العشوائي والفوائد غير الطبيعية والهندسات المالية، إنهم نتاج منظومة أكثر منهم أفرادًا بعينهم.

لكن النسخة اللبنانية من الحكاية تحمل عنصرًا إضافيًا لم يكن موجودًا في الرواية الأصلية، ففي قصة علي بابا كان اللصوص يحرسون المغارة بأنفسهم، أما في لبنان، فقد نشأ مع الوقت واقع سياسي وأمني أكثر تعقيدًا، حيث تداخلت منظومة الفساد التقليدية مع وجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة تمتلك تأثيرًا مباشرًا في التوازنات الوطنية.

لم يكن الفساد وليد السلاح، كما أن السلاح لم يكن مسؤولًا عن كل ملفات الفساد، لكن اجتماع الاثنين خلق بيئة يصعب فيها بناء دولة طبيعية، فالمنظومة السياسية وجدت في غياب التوازن المؤسساتي فرصة للاستمرار، فيما وجد السلاح في ضعف الدولة بيئة تسمح له بالتمدد، وهكذا نشأت معادلة جعلت الإصلاح أكثر صعوبة، والمحاسبة أكثر تعقيدًا، والدولة أكثر هشاشة.

ولهذا السبب تبدو الأزمة اللبنانية أكبر بكثير من مجرد انهيار مصرفي أو إفلاس مالي، فالانهيار الذي انفجر عام 2019 لم يكن حادثًا مفاجئًا، بل لحظة انكشاف لنظام كامل استنزف موارده بنفسه، لقد تآكلت المالية العامة، وتضخمت الديون، وتراجعت الإنتاجية، وجرت الاستعانة بالودائع لتمويل نموذج اقتصادي غير قابل للاستمرار، وعندما نفدت الأموال، ظهرت الحقيقة دفعة واحدة.

لكن الحكاية لا تكتمل من دون مرجانة

في الحكاية الأصلية، كانت “مرجانة”، الجارية الذكية، هي بطلة النهاية، فهي من كشفت اللصوص، وأحبطت مكائدهم، وقضت عليهم واحدًا تلو الآخر، فاستعاد علي بابا حقه وعمّت العدالة.

لكن في النسخة اللبنانية، مرجانة غائبة تمامًا، فالقضاء الذي يُفترض أن يكشف اللصوص ويحاسبهم إما تواطأ مع المنظومة أو عجز أمام نفوذها، والرقابة التي يُفترض أن تحمي المال العام غُيّبت أو دُجّنت، وهذا بالضبط ما يوثّقه صندوق النقد حين يرصد تقصير الجهات الرقابية وانعدام الشفافية والمساءلة والمحاسبة في المؤسسات العامة.

وكلما اقترب قاضٍ شجاع من الحقيقة، اصطدم بجدار من الحماية السياسية يحول دون الوصول إلى اللصوص الكبار، فإما يُقصى القاضي، أو تُطمس القضية، أو يُحاصر التحقيق بالضغوط، وهكذا، في غياب “مرجانة”، بقي اللصوص أحرارًا يتنقلون من شاشة تلفاز إلى أخرى بوعودهم الكاذبة، فيما تستقر أموالهم في عواصم العالم، بينما يقف “علي بابا” اللبناني عند باب المغارة، يردد الكلمة السحرية عبثًا.

في النهاية، إن إغلاق المغارة واستعادة الكنز المنهوب لا يحتاجان إلى كلمة سحرية، بل إلى ما هو أصعب وأثمن: إرادة سياسية صادقة، وقضاء مستقل لا يخشى المتنفذين، ومحاسبة حقيقية تعيد الحقوق إلى أصحابها، وقد رسم صندوق النقد الطريق، ووضع الشروط، وكشف الأبواب المفتوحة، فهل ينطق اللبنانيون أخيرًا الكلمة السحرية الحقيقية التي طال انتظارها: “افتحي يا عدالة”.

وإلى أن تنطق هذه الكلمة، ستبقى الدولة اللبنانية مغارة مفتوحة، وستبقى حكاية “علي بابا والأربعين حرامياً” أصدق تعبير عن مأساة وطن نُهبت ثرواته على مرأى من العالم، فيما بقي ضحاياه ينتظرون نهاية عادلة لحكاية طالَت فصولها الحزينة.

* نشرت بتاريخ 6 حزيران 2026 على موقع ليبانون ديبايت