* الدكتور سعيد عيسى
يتردد في الأروقة الدبلوماسية عن مواجهة محتملة بين تركيا وإسرائيل، ويتردد صداها في وسائل الإعلام بين فترة وأخرى، من خلال تصريحات تُنسَب لمسؤولين من البلدين، وهي ليست انعكاساً لتجاذبات دبلوماسية عابرة، أو مجرد تصريحات تفرضها ظروف سياسية مؤقتة، إنما هي تعبير عن تحول بنيوي عميق في طبيعة العلاقات الإقليمية في المشرق العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط، فقد انتقل الطرفان من الخصومة السياسية إلى التنافس الجيوسياسي، وهو تحول تغذيه ملفات شديدة التعقيد والحساسية، تبدأ بثروات النفط والغاز في شرق المتوسط وتمر عبر صراع الممرات الدولية وخطوط التجارة العالمية، ولا تنتهي عند الترتيبات الأمنية الجديدة الحاصلة في المشرق العربي.
ساحة التماس
وفي هذا السياق، تشكل منطقة شرق البحر المتوسط ساحة التماس الأكثر حساسية بين أنقرة وتل أبيب، فقد تحوّلت هذه المساحة المائية من حوض واعد لاكتشاف الطاقة، إلى إحدى أبرز بؤر التوتر العسكري سخونة، نتيجة تبنّي تركيا عقيدة “الوطن الأزرق”، وهي استراتيجية بحرية طامحة، تنطلق من طموح جيوسياسي واقتصادي يهدف إلى بسط النفوذ التركي على مساحة واسعة من الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، مما يتصادم بشكل مباشر مع طموحات إسرائيل ومصالحها وحلفائها الإقليميين، الذين سارعوا إلى تشكيل محور عسكري وسياسي مضاد، يضم إلى إسرائيل، كل من اليونان وقبرص، وترجم هذا التعاون تحالفه بخطط عسكرية مشتركة، ومناورات بحرية وجوية تهدف إلى احتواء النفوذ التركي. وهذا ما دفع أنقرة إلى تعزيز حضورها البحري، ودراسة نشر مقاتلات ومسيرات في قبرص التركية، لمواجهة ما تعتبره محاولة تطويقها وعزلها عن ثروات المنطقة.
ممرات الطاقة
والصراع الذي يدور خلف كواليس التصريحات السياسية حول خطوط النقل والتجارة الدولية وممرات الطاقة، لا يبقى في البحر، بل يتعداه إلى البر، إذ يتزايد الشعور في دوائر صنع القرار في أنقرة بأن هناك ترتيبات دولية جديدة تطبخ برعاية واشنطن، وبدعم مباشر من إسرائيل، تهدف إلى عزل تركيا وتجريدها من ميزاتها التاريخية والجيوسياسية، كجسر بري بين آسيا وأوروبا.
ولعل أبرز تجليات هذا الصراع تكمن في صعود مشاريع بديلة، كالممر الاقتصادي الهندي-الأوروبي، الذي يمر عبر الخليج العربي فإسرائيل، متجاوزاً الأراضي التركية. كما يتجلى في مشاريع خطوط أنابيب الغاز في حوض البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى أوروبا دون المرور بالشبكة التركية. وهي مشاريع تعتبرها أنقرة بمثابة حصار اقتصادي وجغرافي يستهدف دورها الإقليمي، وهذا ما يدفعها للعمل على تعطيل هذه المخططات، وطرح مشاريع بديلة تربط الموانىء التركية بالعمق العربي وصولاً إلى الخليج. لتتحول السيطرة على خطوط النقل إلى قضية أمن قومي وجودية للطرفين (التركي والإسرائيلي)، تتقاطع مساراتها فوق الجغرافيا المشرقية.
قيادة النظام الإقليمي
ويمتد التنافس بين الطرفين إلى قيادة النظام الإقليمي الذي يتشكل في الشرق الأوسط بعد الحروب التي تشهدها المنطقة. فتركيا لا تنظر إلى نفسها كدولة عبور أو قوة متوسطة عادية، بل تعتبر نفسها قوة إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري قادرة على قيادة شبكة واسعة من التحالفات أو ما تصطلح على تسميته بـِ “الناتو السني” في المنطقة.
وفي المقابل تسعى إسرائيل إلى تثبيت موقعها الإقليمي معتبرة نفسها القائد الأعلى لـِ “الحلف الإبراهيمي”. من هنا تتجاوز المنافسة بين الطرفين حدود الملفات الثنائية المتنازع عليها لتتحول إلى تنافس على هوية النظام الإقليمي المقبل وعلى قيادته.
ميدان التنافس في سوريا
وفي خضم هذا التنافس الجيو-اقتصادي، تبرز الساحة السورية كميدان جغرافي مرشح لاندلاع التوتر بين أنقرة وتل أبيب، لا سيما بعد إعادة دمج مناطق الشمال الشرقي ضمن مؤسسات الدولة السورية، وبسط سيطرة الجيش السوري عليه. وعلى الرغم من هذا الاندماج، لا تزال أنقرة تتخوف من أن تفضي التسويات الداخلية إلى مأسسة دستورية تمنح البنى العسكرية السابقة شرعية دائمة تحت غطاء دمشق. وفي المقابل تنظر تل أبيب بعين الريبة لاستعادة الدولة السورية زمام الأمور على المناطق الغنية بالثروات لما يوفره ذلك لها من موارد اقتصادية وأوراق قوة استراتيجية، ولذلك تسعى تل أبيب لاستغلال التوجس التركي لإبقاء جبهة سوريا الشمالية في حالة عدم استقرار، بهدف استنزاف قدرات الدولة السورية وإشغالها، ومنعها من تحويل استعادة هذه المناطق إلى مصدر قوة اقتصادية وسياسية.
ويتزامن هذا الاستنزاف الميداني مع تحول لافت في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية تجاه تركيا، حيث بدأت مراكز الأبحاث الاستراتيجية ودوائر القرار الأمني بصياغة مفهوم أمني جديد، يصنف تركيا “تهديداً استراتيجياً بعيد المدى” يقارب في أبعاده التهديد الإيراني، مستندة في ذلك إلى رفض تركيا للاستراتيجية الإسرائيلية في قطاع غزة واحتضانها لحركة حماس والدفاع عن لبنان ورفض الهجوم على إيران. هذا فضلاً عن التصنيع العسكري التركي المستقل كشبكة الدفاع الجوي المتكاملة المعروفة باسم “القبة الفولاذية التركية”، وتصنيع الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، والمضي قدماً في تطوير منظمات الطائرات المسيرة، ما يمنح صانع القرار التركي هامشاً واسعاً من الاستقلالية الاستراتيجي بعيداً عن تدخلات “الناتو”.
لبنان في قلب الصراع
وارتباطاً بهذا الصراع، يقع لبنان في قلب صراع الخرائط وحسابات المواجهة الصامتة بين تركيا وإسرائيل، إذ تنظر تركيا إلى سعي إسرائيل لفرض حزام أمني في الجنوب اللبناني كسابقة يمكن تطبيقها لاحقاً في الشمال السوري، ما يجعل سيادة لبنان الكاملة على أراضيه خط دفاع متقدم عن امنها القومي، إلى جانب هذا البعد البري، يشكل الساحل اللبناني امتداداً لصراع الطاقة في شرق المتوسط، حيث تخشى تركيا من أن تؤدي الهيمنة الإسرائيلية على المياه والبلوكات النفطية اللبنانية إلى إحكام الطوق البحري عليها لصالح حلف تل أبيب وقبرص واليونان، وهذا ما دفعها لتعزيز حضورها في لبنان كـ”قوة ناعمة” من خلال المساعدات التنموية عبر جمعيات محلية في الشمال والبقاع وجبل لبنان الجنوبي والعرقوب، لموازنة الطموحات الإسرائيلية والنفوذ الإيراني معاً، ولحفظ أوراق تلعبها في أي تسوية إقليمية قادمة.
ولا يقتصر الاهتمام التركي بلبنان على الاعتبارات الأمنية والسياسية، بل يمتد إلى ملف ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة في شرق المتوسط، فقد أبدت أنقرة تحفظها على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، واعتبرت أن ترتيبات الطاقة في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل مصالحها الاستراتيجية. وفي المقابل برزت مؤشرات تشير إلى استمرار التحفظ السوري على بعض ملفات الترسيم البحري مع لبنان، ما يعكس حجم التشابك الإقليمي الذي يحيط بهذا الملف، ويجعله جزءا من الصراع على إعادة رسم خرائط النفوذ في شرق المتوسط؟
تصاعد حرب الظل
وتأسيساً على ما تقدم من معطيات متشابكة، وعلى الرغم من خطورة المؤشرات الميدانية، وخطورة الخطاب المتبادل بين تركيا وإسرائيل، فإن اندلاع حرب تقليدية مباشرة بين الطرفين مستبعدة على المدى القريب، نظراً لتحكم المصالح الاقتصادية وحجم التبادل التجاري القائم، إضافة إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يفرض أدوات كبح من العواصم الغربية ومنع خروج الأمور عن السيطرة.
ومع ذلك، فإن خطورة المشهد لا تكمن في الحرب الشاملة، إنما في تصاعد حرب الظل التي ستشهد بلا شك تكثيفاً للعمليات الاستخباراتية والامنية المضادة داخل الميادين الإقليمية، وتصاعداً في الاشتباك غير المباشر عبر الوكلاء الجغرافيين، وتنافساً عسكرياً في مياه البحر المتوسط للسيطرة على مسارات الطاقة.
* نشرت بتاريخ 8 حزيران 2026 على موقع المدن
