كل المؤشرات تدل على أن وقف النار على جبهة الجنوب الذي أعلن في اتفاق واشنطن لا يزال مؤجلاً وسط تصعيد إسرائيلي واسع ومحاولات تقدم إلى منطقة النبطية، وعودة استهداف الضاحية الجنوبية، واستمرار “حزب الله” في عملياته بدعم إيراني متمسكاً بمسار إسلام آباد. ورغم اتصالات الدولة بالولايات المتحدة لدفعها إلى الضغط على إسرائيل لتثبيت وقف النار كمدخل لتطبيق الاتفاق وانتشار الجيش في المناطق التجريبية، إلا أن إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية لرفع شروطها على لبنان، وهو ما يطرح تساؤلات حول النقاط التي ستناقش في الجلسة الخامسة للمفاوضات في 22 حزيران في واشنطن.
دخلت عوامل عديدة عطّلت إمكان تطبيق الاتفاق الثلاثي الذي عكسه بيان واشنطن عن نتائج المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية، إذ ينشدّ لبنان أكثر إلى الصراع الإقليمي، مع التصعيد المستمر واستهداف الجيش اللبناني، والضغط الإيراني لإسقاط الاتفاق وإعلان “حزب الله” رفضه المطلق لما نص عليه، إذ أن ذلك لا ينفصل عن الصراع الأميركي الإيراني، ومحاولات إسرائيل فرض أمر واقع تضعه في وجه الدولة اللبنانية، ومن ضمنه استهداف الجيش اللبناني لتحديد دوره في الترتبيات الأمنية المقبلة جنوباً.
استغلت إسرائيل عدم موافقة “حزب الله” على الاتفاق، فواصلت عملياتها العسكرية في العمق وتسعى لتنفيذ خطتها بالاجتياح حتى 30 كلم، فيما تواجه الدولة اللبنانية ضغوطاً إيرانية وتشدد من “حزب الله” ما يعطل إمكان التفاهم الداخلي على تطبيق اتفاق واشنطن. كما أن إسرائيل تضغط على الدولة للسير سريعاً في الصدام مع “حزب الله” الذي يتمسك بمسار التفاوض الإيراني الأميركي كي يكون وقف النار عبره ويعيد ربط لبنان به.
لا يبدو حتى الآن أن اتفاق وقف النار سيطبق وفق الإعلان الذي لا يزال ورقة تفاوضية تحتاج الى دفع أميركي ليتحول إلى مسار تنفيذي فعلي، إذ أن إسرائيل تواصل حربها وكأن لا اتفاق أو مفاوضات مع لبنان، فتسعى الى تحقيق انجازات في الميدان لفرض شروط أوسع على الجيش اللبناني في خطة تحركه للمناطق التجريبية، ما يعني أن إسرائيل تريد تنفيذ الاتفاق وفق ما يناسب مصالحها وما تحققه من مكاسب على الارض.
تحاول الدولة اللبنانية رغم ما تتعرض له من ضغوط ، التوصل الى وقف النار لسحب لبنان من الصراع الإقليمي ومنع تحويله إلى ورقة أو ساحة تجاذب إقليمية، والعمل على استعادة السيادة تدريجياً، وسط معوقات تتمثل في رفض “حزب الله” للتفاوض المباشر واستمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية بما يعني تحويل لبنان إلى ساحة صراع ومساحة للتفاوض .
وتأخذ الدولة اللبنانية وفق مصادر ديبلوماسية على الولايات المتحدة أنها لا تدعمها بشكل كاف، فهي بقدر ما تريد فصل لبنان عن إيران، إلا أنها تعود وتربط ملفه بالتفاوض مع إيران، فالدولة وإن كانت تسعى للقطع مع إيران التي تتدخل في الشأن اللبناني، تريد التوصل الى تطبيق اتفاق وقف النار وليست بوارد الصدام العسكري مع الحزب، وتحاول رغم المعوقات والضغوط منع تحوّل لبنان إلى ساحة تستخدم في المفاوضات الإيرانية الأميركية، إذ أن استمرار لبنان ساحة تجاذب في إسلام آباد وبين مسار التفاوض في واشنطن، سيكون له تداعيات بالغة وخطيرة على البلد.
* نشرت بتاريخ 7 حزيران 2026 على موقع جريدة النهار
