صحف وآراء مجتمع

حين يتقاعد الضابط ويظهر الانقسام: أزمة المؤسسة أم أزمة المجتمع؟

د. زياد منصور

يثير المشهد الإعلامي اللبناني ظاهرة تستحق التأمل أكثر من الجدل؛ فمع كل أزمة أو حرب أو تطور أمني، تتسابق الشاشات إلى استضافة عشرات الضباط المتقاعدين والخبراء العسكريين لتفسير ما يجري على الأرض وتقدير ما قد تؤول إليه الأحداث. وهذا أمر طبيعي في حد ذاته، فالمجتمعات الحديثة تلجأ إلى المختصين وأصحاب الخبرة لفهم الوقائع المعقدة، كما أن التحليل العسكري بات جزءًا أساسياً من صناعة الرأي العام، شأنه شأن التحليل السياسي والاقتصادي.

غير أن الملاحظة اللافتة في الحالة اللبنانية لا تكمن في كثرة الضيوف العسكريين، بل في حجم التباين بينهم، ليس فقط في تقدير الموقف العسكري، بل في الخلفيات السياسية والانتماءات الفكرية والرؤى الوطنية التي تحكم قراءاتهم. فالمشاهد يكاد ينسى أحياناً أن هؤلاء الرجال أمضوا عقوداً في مؤسسة واحدة، وتلقوا التدريب نفسه، وخضعوا للعقيدة العسكرية ذاتها، وخدموا تحت العلم نفسه، قبل أن يتحولوا بعد التقاعد إلى معسكرات فكرية وسياسية متباعدة، بل ومتخاصمة أحياناً.

في كثير من دول العالم، يختلف العسكريون المتقاعدون في تقييم الوقائع والخيارات الاستراتيجية، وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن الاختلاف هناك يبقى غالباً ضمن إطار مدرسة مهنية واحدة، فيما يبدو المشهد اللبناني في أحيان كثيرة أقرب إلى انعكاس مباشر للانقسامات السياسية والطائفية التي تحكم المجتمع برمته. وكأن المؤسسة تنجح في ضبط هذه التباينات داخل أسوارها، لكنها لا تستطيع محوها أو تجاوزها نهائياً.

هنا يبرز سؤال جوهري: هل تكشف هذه الظاهرة عن أزمة داخل المؤسسة العسكرية نفسها، أم أنها مجرد انعكاس لأزمة المجتمع اللبناني الذي لم ينجح بعد في بناء فضاء وطني يتجاوز الانتماءات الأولية؟ فحين نرى ضباطاً خدموا معاً سنوات طويلة ثم لا يجمعهم بعد التقاعد سوى الخلاف والقطيعة، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرة المؤسسات العامة في لبنان على إنتاج هوية مهنية ووطنية تتقدم على الهويات الطائفية والسياسية.

ولعل ما يزيد من أهمية هذا السؤال أن الظاهرة لا تقتصر على المؤسسة العسكرية وحدها. فالانقسامات ذاتها تظهر بدرجات متفاوتة في المؤسسات الأمنية والإدارية والقضائية والجامعية، وحتى في أبسط الوظائف العامة. إنها صورة مصغرة عن دولة ما زالت التوازنات الطائفية تشكل أحد أهم معايير توزيع المناصب فيها، بحيث يبقى الانتماء الأهلي حاضراً في الخلفية حتى عندما تفرض القوانين والأنظمة المهنية نوعاً من الانضباط الظاهري.

أما الجانب الآخر من القضية فيتعلق بقيمة التحليل نفسه. فالمتابع يلاحظ أن كثيراً من التوقعات العسكرية التي يطلقها بعض الضباط المتقاعدين لا تصيب أهدافها، وأن نسبة كبيرة من القراءات تنتهي إلى نتائج مغايرة لما يحدث على الأرض. وهذا ليس عيباً في ذاته، لأن الحروب من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً وصعوبة في التنبؤ. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التحليل إلى منصة لتأكيد المواقف السياسية المسبقة، أو عندما تصبح الرغبة في الانتصار للرأي أهم من السعي إلى فهم الوقائع.

فالتحليل العسكري الحقيقي يقوم على المعلومات والمعطيات والاحتمالات، لا على الأمنيات والانحيازات. وهو يفترض قدراً كبيراً من التواضع العلمي، لأن الميدان كثيراً ما يفاجئ حتى أكبر القادة والخبراء. أما حين يصبح الخبير أسير موقعه السياسي أو الطائفي، فإن تحليله يفقد تدريجياً صفته المهنية ويتحول إلى جزء من الضجيج الإعلامي الذي يزيد المشهد ضبابية بدلاً من أن يضيئه.

إن المشكلة في لبنان ليست في وجود ضباط متقاعدين على الشاشات، ولا في اختلاف آرائهم، فذلك حق طبيعي ومشروع. المشكلة الأعمق هي أن الانقسامات التي نجحت المؤسسات في احتوائها خلال الخدمة تعود إلى الظهور بقوة بمجرد الخروج منها، وكأن المجتمع يستعيد أبناءه من الدولة لا العكس. عندها لا يعود المشاهد أمام خبراء عسكريين ينظرون إلى الميدان من زاوية مهنية واحدة، بل أمام ممثلين غير معلنين لانقسامات سياسية وطائفية مزمنة، تتحدث أحياناً بلغة الاستراتيجية، لكنها تعكس في جوهرها أزمة وطن لم ينجح بعد في توحيد رؤيته إلى ذاته ومستقبله.

وفي هذا تكمن المفارقة المؤلمة: فالمؤسسة التي يُفترض أنها أحد أبرز رموز الوحدة الوطنية تبدو قادرة على جمع أبنائها تحت سقف واحد أثناء الخدمة، لكنها تعجز عن إبقائهم كذلك بعد مغادرتها. وكأن الانضباط كان صفة للمؤسسة لا ثقافة راسخة في المجتمع، وكأن الوحدة كانت وظيفة إدارية أكثر منها قناعة وطنية عميقة. ولهذا فإن ما نشاهده على الشاشات ليس مجرد اختلاف في التحليل العسكري، بل مرآة تعكس أزمة أوسع وأعمق تتجاوز الأفراد والمؤسسات إلى بنية النظام السياسي والاجتماعي اللبناني نفسه.

* نشرت بتاريخ 6 حزيران 2026 على موقع منصة