سياسة صحف وآراء

مؤتمر فتح: عام الديمقراطية الفلسطينية

الدكتور هشام دبسي*

في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الثامن لحركة فتح، لخّص الرئيس محمود عباس الرؤية الرسمية للشرعية الفلسطينية في راهنيّتها ومستقبلها القريب، محذّرًا من المخاطر الشديدة لاستمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية وعمليات التهويد المستمرة لمدينة القدس الشرقية، فضلًا عن إصرار حكومة إسرائيل على هدف التهجير والتطهير العرقي للفلسطينيين من البلاد. واصفًا الحالة الفلسطينية الراهنة بأنها تتعرّض لمخاطر وجوديّة استثنائية. مطالباً المجتمع الدولي والأصدقاء والحلفاء ومن يناصر الحق الفلسطيني بضرورة السعي لتمكين دولة فلسطين عبر السلطة الوطنية من تولّي مسؤولياتها كاملة في قطاع غزة، عبر مؤسساتها الرسمية وبالتعاون مع الهيئات الأمميّة واللجنة الإدارية الموكَلة بالعمل في قطاع غزة وفق مخرجات “مجلس السلام العالمي”، ورافضاً أي واقع يكرّس انفصال القطاع عن الضفة الغربية أو يدفع باتجاه ازدواجية لا تخدم الحل السياسي وإقامة دولة فلسطين. هذا و يتزامن عقد المؤتمر مع ذكرى النكبة في 14-15-16\أيار\مايو الجاري كما أشار الرئيس إلى ريادة حركة فتح بما هي الحامل للمشروع الوطني، في الوقت نفسه أوْلى اهتمامًا خاصًا بدور المرأة والشباب في سياق التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية قبل نهاية هذا العام، بما يجعله عام استعادة النظام السياسي الفلسطيني وتمكين شرعيّته وفق معايير دستوريّة، ليصبحَ عام الديمقراطية الفلسطينية المتجدّدة.

بهذا يمكن تلخيص المهمة السياسية لحركة فتح في قادم الأيام، ويمكن استخلاص ورسم معالم المرحلة المقبلة وما يلزمها من استراتيجيات وخطط عمل تُسهم في انتشال الحالة من ضعفها الراهن عبر مقاربة التحدّيات بما يخدم الإنسان والوطن معًا لإعادة بناء دورة الحياة السياسية.

بالتزكية

الناظر لمنصّة المؤتمر يلاحظ خمسة و عشرين صورة تعلوها و تتوسطها صورة الرمز ياسر عرفات، وإلى جانبه شهداء اللجنة المركزية للحركة، وثلثهم فقط من غادر الحياة على فراشه، لأنه نجا من المعارك والاغتيال.

إنّ ظل القيادة التاريخية كبير، إلى درجة لا يمكن تجاوزه ويحتاج إلى دِراية و تبصُّر، و بالعودة إلى المؤتمر المنعقد في تونس العاصمة بعد الخروج من لبنان، لجأ الرئيس عرفات إلى تجنّب عدّ الأصوات التي تنتخبه، لأنه يدرك أن لا خلاف على زعامته يَرقى الى مكانته بعد عام 1982، و بقدر ما كانت لحظة الخروج من لبنان استثنائية، كذلك الانشقاق الذي دعمه النظام السوري “الأسدي” ومَوّله النظام الليبي البائد. و لما كانت معركة الشرعية في أوجّها، تم انتخاب الرئيس عرفات بالتزكية والتصفيق وقوفاً من اعضاء المؤتمر قبل انتخاب اللجنة المركزية. هذا التقليد انتقل إلى المؤتمرات اللاحقة كما حصل في رام الله مؤخراً، حيث شَهِدَ الجميع أنّ الرئيس عباس حمل أمانة أسلافه جميعاً بصبرٍ واقتدار، مجسّدًا مراحل التطور الفتحوي في الصراع من أجل البقاء والاستمرارية وصيانة المكانة التاريخية لهذه الحركة في الوجدان والحياة العامة للفلسطينيين، بعد أن بلغ الانقسام أشدّه مع حركة حماس وبلغت المخاطر ما سمح للأعداء بحرب الإبادة والتهجير والإلغاء؛ و من يتابع أعمال المؤتمر يلاحظ أن جيل المؤسسين ما زال حاضرًا، وكذلك جيل انتفاضة الحجارة والانتفاضة الثانية أيضًا. كما يمكن رصد الجديد في جيل الصراع الراهن من أجل البقاء. كل ذلك ينتمي الى ثلاثة سياسات: الأولى مع البدايات، و شعار التحرير والكفاح المسلّح والحق التاريخي، ثم الانتقال إلى شعار الحق السياسي والسّلطة والدّولة، أما الآن ومنذ حرب الإبادة التي تلت عملية السابع من أكتوبر، فإن شعار “باقون” هو ما يلخص المشهد في مؤتمر فتح الثامن: باقون من أجل دولة لجيل المستقبل.

إنقاذ

مشهد المرأة الغزّيّة الباحثة عن أثرٍ يُذكّرها بمنزلها المدمّر حتى و لو كان طبقًا مكسورًا في مطبخها، يشبه ما يفعله راعي الغنم المطرود من أرضه والفلاح المتشبث بشجرة ورثها عن أبيه. من أجلهم جميعًا نسمع صوت الرئيس عباس يسعى مع الإدارة الأمريكية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “اتفاق أوسلو”، حيث يُحاول نوّاب الكنيست التلموديين إقرار مشروع قانون يُجيز إلغاء “اتفاق اوسلو” والدعوة للاستيطان في المدن الفلسطينية بعد السيطرة على “المنطقة  “B  الخاضعة للحكم الذاتي.
هذا المشهد وتلك الخلفية تجعل المهام المباشرة للسياسة اليومية الفلسطينية مهام إنقاذية ليس إلا. كما أن برنامج عمل اللجنة المركزية المنتخبة لن يخرج عن هذا السياق أو يتجاوزه.
لذا، وفق تركيبة أعضاء المؤتمر وتنوّعهم ندرك أن اللجنة المركزية الجديدة بنصف أعضائها التسعة القدامى يحملون إرث التأسيس ونضال الكفاح المسلّح وانتفاضة الحجارة، وأن نصف أعضائها الجدد هم جيل لحظة الانتفاضة الثانية التي اختلط فيها الفعل الجماهيري مع العنف المسلّح بعد أن نبذناه. كما أن منهم من يحمل فكر الدولة الحديثة وما ينبغي أن تكون عليه دولة فلسطين المستقبليّة في المدى المنظور.

إلا أن هذه الإمكانات والطاقات المخضرمة والوسيطة والحديثة لا يمكن أن تُجدي نفعًا الا إذا عملوا بصفتهم فريقاً واحداً ، من أجل تطوير حركة فتح أوّلًا نحو الانسجام السياسي مع أطروحة الرئيس عباس، في فتح مسارات جديدة لتعظيم الحضور  الفلسطيني في الفضاء الأمريكي أوّلًا، بهدف وقف الحرب الإسرائيلية المفتوحة علينا في كل الأراضي المحتلة عام 1967. و من دون إنجاز هذه المهمّة لا يُمكن الحديث عن نجاحنا في حماية حقوقنا السياسيّة المشروعة و المُعترَف بها من أغلبية دول العالم.
إنّ الواقعية السياسيّة التي يتّسم بها الرئيس عباس ليست مسألة ذاتية بقدر ما تعكس تراكمًا نضاليًا شاملًا في الحالة الفتحوية وتحوُّلاتها من الشعارات العامّة التي تلبي رغبة العامّة منذ نكبة عام 1948، إلى تحسُّس الاحتياجات المُلِحّة للناس بعد حرب الإبادة. فإذا نجحت السلطة الوطنية في هذا العام بتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، حينها يمكن القول أنّ شعار “باقون” تحقق من خلال أعلى نسبة مشاركة، وأن ما يمكن أن نحصل عليه بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية يسمح بالقول إن العبور إلى المرحلة الجديدة ممكن مع تظهير كامل للتحديات الصعبة الماثلة أمام الشعب الفلسطيني.

* نشرت بتاريخ 19 أيار 2026 على موقع  Levant Time