اقتصاد سياسة صحف وآراء

أوروبا على مفترق طرق بين واشنطن وبكين

*الدكتور سعيد عيسى

تدور في المكاتب المغلقة في بروكسل نقاشات واسعة، لا تعكس ظاهر العاصمة البيروقراطية الهادئة، وهي غير تلك التي تدور في أروقة البيت الأبيض أو في ممرات قاعة الشعب الكبرى في بكين. هنا في أروقة الاتحاد الأوروبي، بات السؤال المطروح هو كيف تتجنب أوروبا تحولها إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح كل من الولايات المتحدة والصين، وتجاوزت السؤال الذي كان مطروحاً عليها وهو توازن علاقاتها معهما.

اعتقد الأوروبيون خلال العقود الماضية أنهم قد وجدوا معادلة مستقرة، إذ كان حلف شمال الأطلسي (ناتو) يوفر لهم مظلة أمنية بقيادة الولايات المتحدة بينما يؤمن الانفتاح التجاري على الصين الازدهار الاقتصادي، وروسيا كانت تؤمن لهم الغاز والتجارة، وبدا ذلك لوقت طويل وكأنه انتصار للفكرة الأوروبية القائلة بأن القارة لا تحتاج إلى القوة بقدر حاجتها إلى الأسواق والمؤسسات والقانون. لكن ما حصل أنه خلال سنوات قليلة انهارت الركائز ووجدت أوروبا نفسها أمام عالم جديد مختلف تماماً عن الذي بنت مؤسساتها للتعامل معه. فمشاكلها الفعلية بدأت حين غزت روسيا أوكرانيا، وقتها اكتشف الأوروبيون أن الحرب لم تختفِ من القارة كما كانوا يظنون، كما أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أضافت لمشاكلهم تعقيدات إضافية، فهو (أي ترامب) لم ينظر لأوروبا كحليف استراتيجي، بل نظر إليها من زاوية سوق تجارية يصدر إليها فائض منتوجاته، ويستدعيها ساعة يشاء إلى مغامراته وحروبه التي تخدم الولايات المتحدة وبما يخدم المصالح الأميركية.

أدرك الأوروبيون متأخرين أن النموذج الذي اعتمدوه منذ نهاية الحرب الباردة قد انهار، وأن عالماً تشكل من وراء ظهرهم، فالولايات المتحدة لم تعد من يقدم لهم ضمانات بلا مقابل، ولا الصين تمنحهم الإفادة من سوقها دون متطلبات سياسية، ولا روسيا بقيت شريكاً طبيعياً كما كانوا يعتقدون. الأمر مسّ جوهر المشروع الأوروبي القائم على فرضية “أن الترابط البنيوي يحدّ من الصراعات”، ليجد الأوروبيون أنفسهم في عالم يحكمه منطق القوة والمصالح. وجاء هذا متزامناً مع صدمة اقتصادية قاسية أوردها تقرير في سنة 2024 للرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، عن مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية، حين دقّ جرس الإنذار ليكشف عن تراجع القدرة التنافسية الأوروبية مقارنة بواشنطن والصين، وارتفاع تكاليف الطاقة الصناعية وخسارتها موقعها في القطاعات التكنولوجية والطاقة النظيفة. ثم جاءت إجراءات الحماية الأميركية (الرسوم الجمركية) لتزيد الضغط ضغطاً، وبدت أوروبا تدير سباقها مع العملاقين الأميركي والصيني بأدوات قديمة مصممة لعصر انقضى كان أقل تنافسية وأكثر هدوءاً، في حين تتقدم الولايات المتحدة بسياسات صناعية واسعة النطاق وتضخ الصين استثمارات هائلة.

وفي الوقت عينه، بدأت القارة الأوروبية إعادة التسلح فارتفع الإنفاق الدفاعي بوتيرة عالية وتخلت الدول عن تحفظاتها تجاه زيادة الميزانيات العسكرية. واليوم تتحدث برلين بلغة مختلفة، فالمسألة لم تعد مرتبطة بالتزامات الحلف الأطلسي بالنسبة لها بل بضرورة بناء قدرة أوروبية ذاتية. وهي كانت فكرة فرنسية قبل سنوات باتت اليوم تُناقش في العواصم الأوروبية.

لكن زيادة الإنفاق لا تعني زيادة الفعالية، فأوروبا تعاني من تشتت صناعاتها الدفاعية، وغياب التكامل فيما بين دولها، وهي إن أصبحت تنفق مئات المليارات لكنها لم تحصل بعد على قدرة توازي حجم ما تنفقه، وهذا يجعل النقاش الأوروبي الداخلي أكثر حرارة إذ ليس مجرد رفع أرقام الموازنات العسكرية يعني حكماً تحول الموارد إلى قوة فعلية. وكانت مشكلة غرينلاند قد دفعت النقاش إلى مستوى لم يكن يحصل سابقاً، خصوصاً عندما صدرت تصريحات من واشنطن لم تستبعد استخدام القوة لضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة. وعندها لم يعُد الموضوع بالنسبة لأوروبا مجرد خطاب عادي، بل اعتُبر مؤشرا واضحاً على التغير النوعي في طبيعة العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة. فبالنسبة لكثير من الأوروبيين كان الدرس واضحاً، الضمانات التي كانت موجودة سابقاً لم تعد موجودة، والضغوط التي مورست على الدانمارك وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، معناه أن على أوروبا أن تعيد النظر في أمنها الجماعي.

هنا تكمن المشكلة الأوروبية، فالولايات المتحدة التي كانت ضامناً أمنياً تاريخياً، تتصرف اليوم بشكل أحادي ومتقلب، والصين الشريك الاقتصادي أصبحت منافساً استراتيجياً قادراً على استخدام قوته التجارية كسلاح سياسي، وبين الطرفين تحاول أوروبا أن تقنع نفسها بأنها قادرة على اتباع طريق ثالث. وهذا الطريق الثالث يُعبَّر عنه بتخفيف المخاطر بديلاً عن فك الارتباط، وبعبارة أخرى تقليص الاعتماد على الصين في القطاعات الحساسة مثل أشباه الموصلات والمعادن النادرة والبنية التحتية الرقمية. غير أن هذا يصطدم بخلافات داخلية بين الدول الأوروبية، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدفع باتجاه أوروبا أكثر استقلالية ويشدد على اتخاذ القرارات بعيداً عن القطبين الصيني والأميركي. وفي بولندا ودول البلطيق، يؤرقهم الهاجس الأمني من روسيا، فيما ألمانيا تتردد بين الضرورات الأمنية والمتطلبات الصناعية التي لا تستطيع الانفكاك والانفصال عن السوق الصينية.

غير أن العلاقة مع روسيا التي ظهر أنها دخلت مرحلة القطيعة بعد حرب أوكرانيا، عادت مجدداً إلى النقاش الأوروبي من زاوية مختلفة، فقد برز اتجاه وهو في طور التصاعد داخل الاتحاد الأوروبي، يرى أن بناء نظام أمني أوروبي لن يكون ممكناً دون فتح قنوات حوار مع موسكو. وهذا يعكس إدراكاً متزايداً بأنه مهما بلغت درجة الخلاف معها (أي موسكو) تبقى طرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية للقارة.

هذه الانقسامات تجعل من القرار الأوروبي المستقل أكثر تعقيداً. وما زال مبدأ الإجماع في السياستين الخارجية والأمنية يمنح كل دولة قدرة على تعطيل القرارات الكبرى، ويبدو أن هذا النظام أقل قدرة على مواكبة التحديات في ظل عالم متغير بسرعة. ومن هنا بدأت تتعالى أصوات تدعو إلى إصلاحات مؤسساتية جذرية، مثل توسيع هامش تحرك مجموعات من الدول بصورة مشتركة عندما يتعذر التوافق التام، وتحول هذا إلى جزء من النقاش الوجودي حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على التصرف كقوة استراتيجية عالمية يُحسب لها حساب، أم سيبقى إطاراً تنسيقياً موسعاً في ظل حركته البطيئة والخاملة نوعاً ما. والإجابة لم تتضح بعد، لكن ما يبدو مؤكداً أن زمن الخمول الاستراتيجي قد ولّى، ولم يعد بإمكان الاعتماد على المظلة الأميركية ولا الإفادة غير المشروطة من السوق الصبنية ولا إدارة الانقسامات الداخلية بالنسق البيروقراطي القائم.

إنَّ أوروبا اليوم أمام اختبار تاريخي يشبه اللحظة التأسيسية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فإذا نجحت في تحويل أزمتها الحالية إلى فرصة لإعادة بناء قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والمؤسساتية، عندها يمكن أن تتحول إلى قطب دولي ينتصب إلى جانب الولايات المتحدة والصين وتفاوضهما من موقع الند للند. أما إذا أخفقت في ذلك فإنها ستجد نفسها ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوتين الكبيرتين وستدفع الأكلاف وتتحمل الضغوط وسيرسم الآخرون المستقبل فيما هي تتفرج عليهم.

*نشرت في المدن الالكترونية يوم الأربعاء 2026/05/20