سياسة مجتمع

معركة بناء الدولة وأزمة اليسار والحركة الديمقراطية

زكـي طـه

بيروت 18 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية

لم يعد ممكناً التعامل مع الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة عابرة أو مجرّد تعثر سياسي قابل للاحتواء ضمن التسويات التقليدية التي اعتادها اللبنانيون منذ تأسيس الكيان.

فلبنان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية شديدة الخطورة، تتداخل فيها نتائج الانهيار المالي والاجتماعي مع تداعيات الحرب الإسرائيلية المفتوحة، وتفاقم الانقسامات الطائفية، وتحوّل البلد إلى ساحة تجاذب للمشاريع الإقليمية والدولية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال الدولة بوصفه القضية المركزية التي تختصر مصير الكيان والمجتمع معاً.

وطرح سؤال الدولة في لبنان، يقود بالضرورة إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: أين اليسار والقوى الديمقراطية من هذه المعركة؟ ولماذا تبدو هذه القوى، رغم عمق الأزمة واتساع النقمة الاجتماعية، عاجزة عن التحول إلى قوة سياسية واجتماعية منظمة فاعلة وقادرة على تقديم بديل وطني ديمقراطي؟

مسؤولية اليسار

إن أزمة اليسار اللبناني ليست تفصيلاً منفصلاً عن أزمة البلد، بل هي جزء عضوي منها. خاصة وأنّ اليسار، على امتداد عقود، لم ينجح في بناء مقاربة تاريخية متوازنة لمسألة الدولة اللبنانية، ولا لطبيعة الانقسامات الأهلية والطائفية التي حكمت تطور الكيان منذ نشأته. وقد دفع هذا الخلل قوى واسعة من اليسار إلى الاستهانة بمسألة الدولة نفسها، أو التعامل معها بوصفها مجرد إطار برجوازي ثانوي، فيما جرى التعويل على الشعارات القومية والثورية والكفاح المسلح باعتبارها الطريق المختصر للتغيير والتحرر.

وفي هذا السياق، اندمج قسم كبير من اليسار اللبناني في صراعات المنطقة، من القضية الفلسطينية إلى المحاور الإقليمية، من دون امتلاك رؤية واضحة لكيفية حماية المجتمع اللبناني الهش من تداعيات تلك الصراعات. والأسوأ أنّ اليسار، الذي رفع شعارات تجاوز الطائفية، وقع هو نفسه في فخ الانقسامات الأهلية، سواء عبر الاستقواء بالسلاح الفلسطيني خلال الحرب الأهلية، أو من خلال التصنيفات الأيديولوجية التبسيطية للطوائف والجماعات اللبنانية.

لقد خاض اليسار الحرب الأهلية تحت شعار إصلاح النظام وإلغاء الطائفية السياسية، لكن النتيجة كانت العكس تماماً: تكريس نظام المحاصصة الطائفية، تفكك المجتمع، انهيار الدولة، وتراجع الحياة الديمقراطية والنقابية والمطلبية. ولم تكن تلك الهزيمة مجرد تعثر سياسي، بل شكلت بداية أزمة تاريخية عميقة لا يزال اليسار اللبناني يعيش تداعياتها حتى اليوم.

نظام المحاصصة وقوى السلطة

والنقد الجدي لتجارب اليسار لا يعني القفز فوق طبيعة النظام اللبناني نفسه، ولا فوق التحولات التي شهدتها المنطقة. فلبنان لم  تنتظم فيه يوماً دولة مستقرة بالمعنى الفعلي، بل استمر كياناً هشاً قامت توازناته دائماً على تقاطع الانقسامات الداخلية مع التدخلات الخارجية. من المارونية السياسية إلى السنية السياسية وصولاً إلى الشيعية السياسية، بقيت الطوائف الكبرى تستقوي بالخارج وتعيد إنتاج السلطة عبره، فيما كانت الدولة تتراجع تدريجياً لمصلحة المحاصصة والعصبيات والسلاح ونهب المال العام وودائع اللبنانيين وتبيض الاموال.

واليوم، بعد عقود من الحروب والانهيارات والتسويات الفاشلة، تبدو الأزمة اللبنانية وقد بلغت ذروتها. فهناك دولة عاجزة ومفككة، واقتصاد منهار، ومجتمع يتفكك تحت ضغط الفقر والهجرة والخوف، وسلاح خارج الدولة يعمّق أزمة السيادة، مقابل احتلال إسرائيلي وعدوان دائم يهددان الكيان نفسه. وفي الوقت عينه، تستمر قوى السلطة الطائفية في إعادة إنتاج نفسها، مستفيدة من الانقسام الأهلي ومن ارتهان كل فريق لمحور خارجي.

في مواجهة هذا الواقع، وبعيداً عن التبشير بالشعارت والبرامج الانقاذية وتكرار الدعوات لتشكيل الاطر والتشكيلات، سواء بين من يدّعون الحياد أو الذين يبحثون عن مواقع لهم بين معسكرات السلطة المتصارعة والمأزومة في آن. فإن لبنان يحتاج إلى مشروع وطني ديمقراطي يعيد بناء السياسة نفسها على أسس مختلفة.

اليسار وتحدي الانتساب إلى أزمة البلد

وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى إعادة تأسيس دور اليسار والقوى الديمقراطية، لا بوصفها نخباً احتجاجية أو مجموعات ثقافية معترضة، بل بوصفها قوة اجتماعية وسياسية معنية بخوض معركة بناء الدولة والسيادة والعدالة الاجتماعية معاً.

إن أي مشروع يساري ديمقراطي فعلي في لبنان، لا يمكن أن يقوم على إنكار أزمة الدولة أو التقليل من شأنها، كما لا يمكن أن يقوم على اختزال الأزمة بالسلاح وحده أو بالهيمنة الخارجية وحدها. فالمطلوب رؤية شاملة تربط بين:

 استعادة الدولة لقرارها السيادي،

 وبناء اقتصاد منتج وعادل،

وتفكيك النظام الطائفي،

 واستعادة الحركة النقابية والمطلبية،

 والدفاع عن الحريات العامة والديمقراطية،

 وإيلاء قضية النازحين الوطنية والاجتماعية وإعادة الإعمار اولوية خاصة،

 ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي وكل أشكال التبعية الخارجية في آن واحد.

وهذا يعني أن معركة بناء الدولة ليست قضية إدارية أو تقنية، بل هي معركة سياسية واجتماعية وثقافية طويلة المدى، هدفها إعادة تكوين المجال الوطني اللبناني خارج منطق الطوائف والمحاور.

ديمقراطية الحركة الاجتماعية والعمل النقابي

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار تحت راية الديمقراطية لدور الحركة الاجتماعية والنقابية التي جرى تدميرها أو تدجينها على يد أحزاب السلطة. فالقوى القادرة على بناء الدولة ليست الطوائف ولا زعاماتها، بل الفئات الاجتماعية المتضررة من الانهيار: العمال والموظفون والأساتذة والطلاب وصغار المودعين والعاطلين عن العمل والمتقاعدين وسكان المناطق المهمشة والمتضررين من الحرب والانهيار وفي مقدمة هؤلاء النازحين والمهجرين.

هؤلاء جميعاً يشكلون القاعدة الاجتماعية الفعلية لأي مشروع تغييري ديمقراطي. لكن تحويل هذا الواقع الاجتماعي إلى قوة سياسية يحتاج إلى ما هو أبعد من الشعارات العامة أو الخطابات الأخلاقية. إنه يحتاج إلى تنظيم سياسي طويل النفس، وإلى مراجعة نقدية جدية لتجارب اليسار السابقة، وإلى الخروج من اللغة العقائدية الجامدة نحو الانخراط الفعلي في أزمات الناس وقضاياهم اليومية.

إن أحد أبرز مظاهر أزمة اليسار اللبناني اليوم هو استمرار الهروب من النقد الجدي للتجربة التاريخية، سواء في علاقتها بالحرب الأهلية أو بالسلاح أو بالخارج أو بالدولة نفسها. والحال أنّ أي دور مستقبلي لليسار يبدأ أولاً من الاعتراف بفشل رهانات الماضي، وبأن الاستقواء بالخارج أو بالسلاح أو بالعصبيات لم ينتج سوى المزيد من التفكك والانهيار.

النقد مدخلاً لاستعادة الدور

لكن هذا النقد لا ينبغي أن يتحول إلى جلد للذات أو إلى تخلٍّ عن فكرة التغيير. بل على العكس، المطلوب إعادة تأسيس مشروع يساري ديمقراطي جديد ينطلق من الواقع اللبناني كما هو، لا كما تتخيله الأيديولوجيات المغلقة والشعارات الشعبوية. مشروع يرى في الدولة الديمقراطية المدنية شرطاً للتحرر الوطني والاجتماعي معاً، على النحو الذي يربط بين السيادة والمواطنة والعدالة الاجتماعية.

صحيح أنّ الطريق إلى ذلك طويل وصعب، خصوصاً في ظل السيطرة الأميركية على المنطقة، والحرب الإسرائيلية المفتوحة، والتدخل الايراني المستمر، وتعمق الانقسامات الأهلية، وضعف القوى الديمقراطية. لكن البديل عن هذا المسار ليس سوى استمرار الانهيار، وتحوّل لبنان أكثر فأكثر إلى ساحة مفتوحة للوصايات والحروب والخراب الاجتماعي.

لهذا، فإن المهمة المطروحة اليوم أمام اليساريين والديمقراطيين المستقلين ليست البحث عن تموضع سياسي عابر أو عن تسوية ظرفية بين المحاور، بل الشروع في إعادة بناء السياسة نفسها من موقع الدفاع عن الدولة والمجتمع معاً.

إنها معركة طويلة ومعقدة، لكنها تبقى المعركة الوحيدة التي يمكن أن تفتح أفقاً حقيقياً أمام اللبنانيين للخروج من زمن الطوائف والانهيار والارتهان، نحو دولة القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.