الكل يصرخ. الكل يغضب. الكل يشير إلى العدو، في الداخل كما في الخارج. وكل ذلك، بطريقته، مُحق. الصراخ هنا ليس فوضى عابرة، بل فعل دفاعي. هو ردّ فعل غريزي أمام خطر الانهيار، وأمام الموت الذي يهدّد عائلاتنا وكل ما نحب. الصراخ هو “ما تبقّى من أدوات المقاومة” (كما يُقال) لدى فئاتٍ رفضت الخضوع، حين ضاقت الخيارات وانغلقت السبل.
الجنوبي المنحاز إلى حزب الله، والداعم للكفاح المسلّح في مواجهة احتلال إسرائيلي قائم اليوم في جنوب لبنان، يصرخ في وجه قوّةٍ تمارس المحو، وفي وجه جنون عسكري قاتل يطال جزءاً كبيراً من اللبنانيين. والجنوبي المعارض لحزب الله يصرخ بدوره، في وجه قوة طائفية مسلّحة وعنيفة، صادرت قراره وصوته، وفرضت عليه حرباً مدمّرة على كل المستويات. الماروني الذي يطالب بالفدرالية، ولا سيّما بعد مقتل بيار معوّض بنيران إسرائيلية، يصرخ في وجه نظام أمر واقع فرض عليه خيارات لا يريدها.
واليساري الذي يسند حزب الله سياسياً وعسكرياً، رغم معارضته الثقافية والعقائدية، يجد نفسه اليوم يتنازل عن جزءٍ من فكره أمام دم أخيه في الوطن في حربٍ إجرامية. أما اليساري المناهض لهذا الخيار، فيحاول أن يبحث عن أدواتٍ جديدة للصراع، من أجل تحرر “أشمل” في منطقةٍ يتصاعد فيها العنف والتسلّط والفاشية يوماً بعد يوم، خصوصاً بحق المهمّشين في الاقتصاد والمجتمع والسياسة.
الكل يصرخ. الكل بطلٌ في روايته في مواجهة خائنٍ ما. الكل يقدّم تضحيةً، كما يراها. نعم، يهيمن الصراخ على الساحة اللبنانية، في لحظةٍ يدافع فيها الجميع عن أنفسهم أمام وحوشٍ حقيقية أو متخيّلة. ماذا نقول أمام هذا القدر من الوجع المشروع، وهذا التمرّد الصادق؟ كيف نفكّر، أصلًا، بإمكانية “عقلانيةٍ سياسية” بعد كل ما جرى، بعد إبادة، وحروب إلغاء، واغتيالات، وبراميل متفجرة، وعنف شوارعي محتمل.
كل المظلوميات محقّة
الكل يملك سرديةً للمظلومية، وكلّها سرديّاتٌ محقّة ومادّية وملموسة. لا نستطيع فهم تكوين حزب الله من دون أن نفهم معاني القهر والبطولة التي كرّست أفكار قادته، وتحديداً في قراءتهم لدور الجنوب المهمّش في الاقتصاد السياسي اللبناني، وعلاقته بالتوتّر الدائم مع الهجمات الإسرائيلية المتكرّرة تاريخياً. حتى عندما يدرك الجنوبي الشيعي أخطاء منظمة التحرير وخيار تحويل الجنوب إلى ساحة قتال، يدرك ويعيش أيضاً وحشية إسرائيل، من خلال الجثث المتراكمة في عيون الأطفال الذين تربّوا مع هذه الحالة الثقافية والتنظيميّة العامة.
المسيحيون الذين يرون في الحرب الإسرائيلية فرصةً لضرب حزب الله أيضاً خسروا قياداتٍ عبر الاغتيالات، بالتوازي مع قمعٍ وعنفٍ ممنهج خلال فترة الوصاية السورية. وهم يدركون معنى أن يكون هناك ميليشيا تنطلق من الطائفة الشيعية في بلدٍ يتغيّر من حيث الديموغرافيا. ويُقال لهذا الماروني إن المشهد يتكرر، وإن حزب الله هو ببساطة الحلقة الثانية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووصاية الأسد.
والسني الذي يشعر بفقدان المبادرة السياسية بعد خروج ممثليه التقليديين من السلطة السياسية، بفعل الاغتيال والابتزاز، وبالتوازي مع تهميشٍ ممنهجٍ وأحاديّ لبعض وجوه طائفته في السنوات الأخيرة في ظل روحية تسلّطية منحازة لحزب الله، هو أيضاً يفكّر بمستقبله أمام ثكناتٍ عسكريةٍ مجهّزةٍ شيعياً ومارونياً.
والدرزي الذي شهد مجازر بحقه في السويداء، كيف سيرى مستقبل علاقته مع المنطقة؟ وكيف يستطيع أن يتخيّل معنى التعايش وهو عالق بين طرفٍ إسلامي سوري مركزي وطرفٍ إسرائيلي يدّعي حمايته؟
الهوية ليست كافية
كل هذه المظلوميّات محقّة وحقيقيّة. والكل اليوم ينخرط في تكريس هذه المظلوميّة وتثبيتها، عبر الخبر والموقف والمعلومات وغرف الصدى على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكن المظلومية تُعيد الحاضر والماضي، لكنها ليست قادرة على صنع مستقبل يختلف عنهما. المظلومية قائمة على شعور محق، ولكنه أيضاً شعور عاجز عن فهم الواقع كما هو. يعاني شعور المظلومية من نوع من الجمود التاريخي والإنساني المتمحور حول الفرد وذاته، ولكنه يترافق أيضاً اليوم مع حقل معجمي عقائدي يعبّر عن روحية “العدالة” و”التحرر” بالمعنى الأحادي. هو، تحديداً، شعور المراهق المتمرّد المحق أمام أخطاء والديه. فالكوكب يدور حول همه هذا، وهو لا يعرف من الكوكب سوى حياته التي يعرفها. وهكذا، الهويّاتي المظلوم، كالمراهق في عالم السياسة، لا يعرف شيئاً سوى تجربته الضيقة. لا يستطيع أن يفهم سوى هذه التجربة في كوكبٍ من التجارب الحياتية المتناقضة.
الأزمة الأولى للهوياتية هذه أنها لا تحلّ الظلم، بل تُعيد تكريسه عبر تغييب مسؤولية من يُدّعى “تمثيلهم” و”حماية” الهوية المظلومة. ويتم تغييب الأسئلة حول مسؤولية هذه القوى في تكريس ضعف وعجز أبنائها. يبقى النقد “الذاتي” غائباً، وهو النقد الذي قد يبدو خيانة، لكنه في الواقع أحد أهم السبل نحو النمو والتأقلم في عالمٍ متحوّل.
الأزمة الثانية هي أنّ الهوياتية تكرّس الظلم المعاكس وتبرّره، وتجعل من مجتمعاتنا مجتمعاتٍ انتقامية، غير قادرة على طرح “بيت الحلم” لحركةٍ ما، بل نرى بيوتاً تتنازع على أخلاقياتٍ مجتزأة أمام رأي عام مُنغلق على أبناء الهوية نفسها. الهوياتية تجعل من أبناء الهوية أفرادًا ظالمين، غير قادرين على فهم الآخر.
الأزمة الثالثة هي أزمة المعرفة. فالهوياتية لا تصنع المعرفة، بل تمنعها. تُنتج الأكاذيب والأساطير المعلّبة، وتفرض أخلاقياتٍ مسقطة على كل من يريد أن يعرف. إن موجات الغضب والصراخ هذه تتجه أولاً نحو أبناء الهوية نفسها، لا نحو من يظلمها. فالصراخ يمنع السؤال، وبالتالي يعطّل البحث عن “الحقيقة” في عالمٍ يسوده السرد الأحادي.
الأزمة الرابعة هي أنها لا تُنتج مقوّمات القيادة والحلم والطموح والقوة، بل تُكرّس الضعف كحالةٍ عاطفية وذهنية دائمة. المظلومية غير مشجّعة للعمل السياسي على المدى الطويل، ولو أنها قد تُفعّل ردّ الفعل الغاضب بعد فاجعةٍ محددة. المظلومية هي الدافع وراء العجز، وراء خلق ناشطين لا يريدون حتى التنافس مع القوي. أصبحنا عالقين في مرحلة إعلان الهزيمة بشكلها “الانتصاري”.
التمسّك بالسياسة
هذا الصراخ ليس فراغاً ولا عبثاً، بل يمثّل حالةً سياسيةً محددة وواضحة وهادفة: التفكك “العام” والولاء “الخاص”. التفكك العام يتمثّل بانهيارٍ قيمي شامل، وترجمةٍ عنيفة للحداثة من دون أي حصانة أخلاقية. في الواقع، الشكل السياسي والاجتماعي الراهن للطوائف يتمحور حول “القبائل” من دون أعرافٍ أخلاقية وقوانين وعادات وُجدت في القبائل تقليدياً وتاريخياً. فنرى حالات عنفٍ لفظية تذكّرنا بما حصل من “زعرنات” في الحرب الأهلية اللبنانية، من دون انضباط أو حد.
من المؤسف أن التعددية في لبنان تنحدر نحو خطاب التفكك والفراغ و”الزعرنة”، في وقت توجد فيه فرصة كبيرة لأن يكون لبنان مركزاً لصدام فكري منتج حول الأسئلة العالمية العميقة المتعلقة بالهوية، والتعددية الثقافية، والتحرر الوطني، والاستعمار الجديد.
أعتقد أن النقاش الحاد والمكثف حول حزب الله والحرب الأخيرة كان يمكن أن يشكّل نموذجاً لشعوبٍ قد تصل إلى تفاهم تاريخي مشترك، حتى عندما تتناقض سردياتها حول الضحية والبطولة بشكل كامل. لقد كان، ولا يزال، هناك احتمال لصياغة سرد لبناني أكثر شمولاً.
هذا السرد البديل كان يمكن، ولا يزال يمكن، تعميمه لاستخلاص دروس أوسع على المستوى العالمي، حتى فيما يتعلق بقضايا أكثر حساسية وأثراً، مثل الصهيونية، والاستعمار الاستيطاني، والإسلام السياسي. لبيروت القدرة على احتضان نقاش قوي وضروري حول مستقبلنا الجماعي كبشر، في سياق صراعات الإلغاء التي غالباً ما تُؤطَّر بصيغة “حضاروية”. وكان بإمكانها أيضاً أن تساهم في بلورة حل أكثر كونية واتزاناً لهذا الصراع. كان بإمكاننا أن نترك بصمتنا على العالم بالسياسة.
ما نشهده بدلاً من ذلك هو تفريغ كامل للثقافة والتاريخ: أخلاقوية سطحية، صراخ بلا مضمون، نزعة ضحية مراهِقة، استفزازات مقصودة لكنها غبية، غياب للانتباه المتبادل، وانعدام لأي طموح نحو نهضة لبنانية أوسع للمستقبل.
التمسك بـ”السياسة” كسلةٍ من الخيارات المستقبلية، بدلاً من حالة التفكك العارمة المسنودة بانهيارات أخلاقية، هو التصرّف المطلوب للانقلاب على المراهقة والدخول في مسؤولية الرشد. ولكن السياسة ليست فقط النطق، أو إطلاق موقفٍ أيديولوجي يعزز تماسك أفكارنا. السياسة هي الفعل والانخراط، ورفض عزلة الفردنة، وطرح الحوار المجتمعي العنيد والعمل الجماعي المتعب. السياسة هي أن نتحوّل جميعاً إلى حالاتٍ “كشفية” مجتمعية لا عسكرية، ومفضّل أن لا تكون حالات طائفية مغلقة و”مريحة”.
علينا أن نقاوم هذه الموجة إذا كنا معنيين بالحفاظ على موقع بيروت في العالم، كمصدر للعمق والثقافة والتناقضات و”الخناق”، وكديمقراطية حاضرة رغم عيوبها، وكممارسة سياسية مفتوحة وقابلة للتجديد. وإلا، سنصبح جميعًا أكثر غباءً وسط الصراخ.
* نشرت بتاريخ 16 أيار 2026 على موقع المدن
