سياسة صحف وآراء

فجوة التفاوض بين خطط إسرائيل وأوراق إيران؟

* ابراهيم حيدر

يمر الجنوب بمرحلة مصيرية، في ظل الحرب الإسرائيلية ضد “حزب الله” وأهدافها السياسية حول لبنان، وإن كانت المفاوضات التي افتتحت بين لبنان وإسرائيل في واشنطن مفتوحة على كل الاحتمالات، من دون أن يعني أن إسرائيل ستوافق على وقف النار الذي يصر عليه لبنان قبل تحقيق أهدافها المعلنة بـ”نزع سلاح” حزب الله، بما يعني أن مسار التفاوض سيكون صعباً في ضوء استمرار العمليات العسكرية جنوباً، مع ممارسة ضعوط على الدولة لتنفيذ مهمة يعجز عنها الاحتلال، لكنه يفرض مقابلها أمراً واقعاً بعدما تكشفت خطة إنشاء منطقة أمنية عازلة تمتد بين 8 و15 كلم جنوب الليطاني.

اليوم ومع وقف النار بين إيران وأميركا، تبقى جبهة لبنان الوحيدة المشتعلة باندفاع إسرائيلي تدميري، وتوظيف إيراني لا يرى في لبنان غير ساحة تركها للنار خلال تفاوض إسلام آباد، إذ أن نتائج اجتماع واشنطن لن تترجم وقفاً للنار إسرائيلياً قبل أن تسجل حكومة نتنياهو ما تطمح إليه عبر جيشها من تقدم تسميه انتصاراً جنوب الليطاني خصوصاً في بنت جبيل والخيام، والتي يخوض فيهما الحزب قتالاً مصيرياً وانتحارياً، فإذا بقي تحييد بيروت قائماً بضغط أميركي، سيقال أن المعركة تقتصر جنوباً، فيما قدمت إسرائيل تنازلاً بوقف تدمير البنية التحتية واستهداف بيروت.
الأرجح ألا يكون هناك وقف للنار شاملاً كل لبنان، في ضوء التجاذبات القائمة، وما لم يتحقق شيء على الأرض يتم توظيفه في المفاوضات اللاحقة.

وبينما تندفع إسرائيل لاحتلال جنوب الليطاني كهدف رئيسي، فإن شروطها سترتفع ليس لما تعتبره أولوية لها أي “نزع سلاح الحزب” إنما ستضغط للتوصل إلى اتفاق مع لبنان، للتحكم به، فيما الدجولة تسعى لوقف النار كأولوية وتريد أيضاً فصل لبنان عن جبهة إيران، ليس وفق المفهوم الإسرائيلي، إنما لاستعادة سيطرتها والإمساك بملف الجنوب بعيداً من الرهانات الخارجية، والأهم إخراج البلاد من كرة النار الإقليمية التي لا تزال إيران تريد لبنان عبر “حزب الله” في قلب معركتها مع إسرائيل وأميركا.

أما الحسابات في وضع الجبهة، فهي أيضاً مختلفة وفق كل طرف، فبينما تسعى الدولة عبر اتصالاتها وبما تملكه من خيارات إلى العمل على منع إسرائيل من احتلالها، يستمر “حزب الله” في رهاناته الإيرانية، وإن كان مقاتلوه يخوضون مواجهات باللحم الحي في بنت جبيل والخيام، إلا أن الحزب لا يسهل مهمة الدولة، لا في التفاوض ولا في فصل الملفات، وهو ما يعتبر أنه يرفع في السياسة المصالح الإيرانية على حساب موقعه اللبناني.

يرفض “حزب الله” مفاوضات لبنان مع إسرائيل، وهو ما أعلنه رسمياً أمينه العام نعيم قاسم، لكن الخطير اتهام الدولة بتحوّلها إلى أداة ضغط تخدم العدو، علماً أن الحزب بادر إلى إسناد إيران مغلباً مصلحتها على حساب لبنان، وهو لم يبدأ معركته بالدفاع عن لبنان، إذ أن رفضه المفاوضات بالمطلق لا يصب في مصلحة البلاد، وهو يعرف أن تصليب موقف الدولة يحتاج إلى موقف وطني شامل لإدارة التفاوض ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها.

يستمر الحزب في القتال إلى آخر نفس وفق تعبير قاسم، لكن للتذكير حزبه وافق على اتفاق تشرين 2024 وبنوده التي جاءت بمثابة استسلام، إذ لا يمكن إنكار أن إسناد إيران عندما بدأ كان حرباً بالنيابة عنها، قبل أن تندفع إسرائيل ضد لبنان كله، وتدمر وتقتل، فلا مخرج قبل أن يتنبه الحزب إلى أخطائه ويلتف حول الدولة ويعود إلى اللبنانيين الذين احتضنوا المقاومة ضد الاحتلال قبل إنجاز التحرير عام 2000.

* نشرت بتاريخ 16 نيسان 2026 في جريدة النهار