* شهيد نكد
ليست المشكلة اليوم فيما إذا كان لبنان مشمولاً باتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران أم لا. المشكلة الحقيقيّة هي في أن يبقى لبنان مرّة أخرى ورقة على طاولة الآخرين، لا طرفاً يُفاوض على مصيره. فنحن لسنا أمام خلاف تقني، بل أمام سؤال حول من يملك الحقّ في أن يتكلّم بإسم لبنان، ومن يحوّل دماءَه وخرابَه إلى مادّة تفاوضيّة. مُحقّة الدولة حين تُعلن أن لا أحد مخوّلاً بالتفاوض عن لبنان، لكنّ إعلان المبدأ ليس كافياً، هي مُطالبة بتحويله إلى قدرة حقيقيّة لفرض شروط التفاوض ذاته.
مسار جديد
حتّى الأمس القريب، كانت الدولة اللبنانية عاجزة وضعيفة وغير قادرة على التعامل مع حزب الله، فلم تكن تلّ أبيب تُعير التفاوض المباشر معها أي أهميّة. أمّا اليوم، فالمشهد تبدّل على أثر المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل، حيث أعلن نتانياهو أنّه يريد محادثات مباشرة مع لبنان “في أسرع وقت ممكن”. فجريمته وضعت مسار التفاوض الأميركي-الإيراني تحت ضغط واضح، وهذا ما لا تريده واشنطن على ما يبدو. طبعاً، لم تكتشف إسرائيل فجأة ضرورة اجراء مفاوضات مع الدولة اللبنانية، لكنّها غير قادرة على تجاهل المسار الذي تريده وتحتاجه حليفتها الأساسية، إن لم نقل الوحيدة. إذن، أمام حرص واشنطن، وفرملة إسرائيل، على لبنان قراءة هذا التحوّل بعناية حتّى يتمكّن من تفادي الوقوع داخلياً في فخّ المفاوضات.
والفخّ ليس في الجلوس إلى الطاولة، بل في الذهاب اليها تحت النار والدمار والمجازر. فتكون إسرائيل، إلى جانب انتزاعها تنازلاً سياسياً، قد دفعت أيضاً نحو إمكانية حصول مواجهة داخلية في بلد مشظّى اجتماعياً ووطنياً، بلغ فيه خطاب الكراهية مستوى غير مسبوق. لكن تجنّب الفخّ لا يعني الهروب من التفاوض، بل فرض ترتيب لبناني للمسار عبر التمسّك بما أعلنه الرئيس عون حول ضرورة وقف إطلاق النار قبل أي مفاوضات مباشرة. وتكمن أهميّة هذا الشرط في أنّه ليس فقط الورقة اللبنانية الأقوى في وجه إسرائيل، بل هو أيضاً النقطة الداخلية الأقلّ تفجيراً. ففي بلد يكاد يختلف على كلّ شيء، يوفّر هذا الشّرط الحدّ الأدنى من الأرضيّة المشتركة: فقبل الاختلاف على التفاوض، وعلى السلاح، وعلى شكل المرحلة المقبلة، هناك أولويّة لا يجوز تخطّيها، وهي وقف القتل. وهذا بحدّ ذاته مدخل أذكى لأي سياسة حكوميّة تريد أن تفاوض من موقع الدولة، وليس على أنقاض مواجهة داخليّة.
وإذا كانت الدولة قد أعلنت أن لا أحد يُفاوض عن لبنان، عليها هي أن تفرض شروط بداية هذا التفاوض، وأن تنتزع أولاً شرط وقف إطلاق النار. وإذا ما قرأنا اللحظة الإقليمية والدولية، نرى أن واشنطن لا ترغب في نسف مسار التفاوض مع طهران قبل أن يبدأ، وما ترغب فيه أيضاً هو سحب الورقة اللبنانية من يد طهران أو الحدّ من قدرتها على احتكارها. بالمقابل، تبدو إيران متمسّكة بوقف إطلاق النار في لبنان كشرط للمفاوضات في إسلام آباد. بين هاتين المصلحتين، على الدولة اللبنانية أن تُحسن استخدام التناقضات، وتأخذ من “التقاطع” ما يخدم مصالحها، أي وقف إطلاق النار أوّلاً، والذهاب إلى طاولة المفاوضات ثانياً.
معنى السيادة الحقيقية
هكذا تشتغل الدول، لا بشعارات متصلّبة وخشبيّة، ولا بالإنجرار الأعمى لما تريده واشنطن، ولا أيضاً بالتعامل مع إيران كأنّها إمّا عدوّ مطلق أو مظلّة بديلة. فلبنان، كما أي دولة، لا يمكنه أن يعتمد مبدأ الحبّ والكراهية في السياسة الخارجية، بل مبدأ المصلحة. وبراغماتيّة الدولة لا تعني أن تذوب في هذا المحور أو ذاك، بل أن تمنع المحورين معاً من التفاوض على لبنان بدلاً من لبنان. هذا هو المعنى الحقيقي للسيادة، لا الخطابات الّتي تُكثر من ترداد الشعارات الجوفاء. فالحرب لم تُخرج إيران من المشهد، ولم تجعل حزب الله خارج المعادلة اللبنانية. فإيران على الطاولة مع الولايات المتّحدة، وحزب الله ما زال يرفض التفاوض مع إسرائيل لكنّّه يصرّ بدوره، على أن وقف إطلاق النار يجب أن يسبق أي خطوة أخرى. من هنا، إن السياسة اللبنانية لا يمكن أن تُبنى على أوهام، بل على قراءة موازين القوى ومحاولة توسيع هامشها داخلها.
وفي هذا السياق، تصبح الأولويّة اللبنانية واضحة: ليس رفض التفاوض من حيث المبدأ، بل فرض ترتيب لبناني للمسار. أي وقف إطلاق النار أوّلاً، ثمّ التفاوض، لا العكس. فوقف إطلاق النار ليس تفصيلاً بسيطاً ولا مطلباً إنسانياً فقط، بل هو الورقة اللبنانية الأولى، وربّما الأخيرة. فإذا قبلت الحكومة التفاوض تحت النار، تكون قد استسلمت لإسرائيل، ومنحت إيران في المقابل، فرصة أنّها هي التي انتزعت وقف إطلاق النار للبنان. فتكون الدولة قد قدّمت هديّة مجانية للطرفين: لإسرائيل في التوقيت، ولإيران في المعنى.
اليوم، هناك فرصة متاحة، وبالرّغم من أنّها ليست كبيرة، إلّا أنّها حقيقيّة. طبعاً، لن يتمكّن لبنان من أن يربح الكثير، لكنه قادر على ألا يخسر كلّ شيء. فإذا نجحت الحكومة في فرض وقف إطلاق النار قبل التفاوض، تكون قد سحبت من يد الآخرين حقّ التحدّث بإسم لبنان، وأعادت إلى الدولة الحدّ الأدنى من معناها: حماية أبنائها، كلّ أبنائها، لا بالقوّة التي تملكها، بل بالديبلوماسية التي طالما تمّ الاستخفاف بها.
* نشرت بتاريخ 11 نيسان 2026 على موقع المدن
