سياسة صحف وآراء

انتصار الجماعات وهزيمة الدول: دخلت إيران بعد هذه الحرب في نفق لبنان الذي دخله بعد حرب 2006

* بلال خبيز  

الإنجاز الأهم، ويمكن اعتباره الإنجاز الوحيد الذي حققته المقاومات المسلحة، سواء كانت دولاً هامشية أو ذات مدى إقليمي، كإيران، أو منظمات مسلحة تسيطر على أجزاء من دول ضعيفة، كما هي الحال في لبنان، يكمن -أي الإنجاز- في التحول الجذري لمعنى الحروب وتمييع نتائجها. فبعد كل نصر عسكري، بحسابات الربح والخسارة، والقدرة على السيطرة الميدانية، تعود المقاومات بصيغ أخرى ووفق تكتيكات جديدة لتجعل مما ظنه العدو نصراً، باباً لافتتاح مشكلة أكثر تعقيداً.

قد يكون اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 أكثر هذه الدروس دلالة. وينسب إلى أرييل شارون في تلك الحرب قوله، إثر تفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، إنه لا يملك تفسيراً لما جرى. فبعد إعلانه عن نجاح قواته في تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لم يشأ شارون يومذاك أن يعترف بأن العملية التي جرت ليست نتيجة انفجار “جرار غاز” في المبنى. واستمرت إسرائيل في نفي أي صلة للمقاومة بالعملية حتى العام 2024، عندما أقرت لجنة تحقيق رسمية بأن ما جرى كان عملية استشهادية نفذها أحمد قصير.

استذكار هذه الواقعة يتوخى الإضاءة على التغيير الحاسم في مفهوم النصر في الحروب الأخيرة. وهذا تغيير فرضته المقاومات، إنما بثمن باهظ، ويكاد يكون غير قابل للاحتمال. وهذا ما حاولت عبارة جون أبي زيد الشهيرة الإضاءة عليه إثر حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، حين قال، وفق ما هو متداول: إذا كان هذا ما يعتبره حزب الله نصراً، فكم نصراً يمكنه أن يتحمل؟

ما أغفلته عبارة أبي زيد يومها، وربما لم يكن واضحاً مثلما بات واضحاً اليوم، يتعلق بهوية المنتصر في هذه الحرب. لقد هزم لبنان في هذه الحرب، وفشلت إسرائيل في تحقيق هدفها، وانتصر حزب الله. كل هذه النتائج لا تتعارض مع بعضها وفق منطق اليوم. إسرائيل خاضت حربها لإنهاء حزب الله أو إضعافه إلى الحد الذي لا يعود معه قادراً على الأذية، ولم تنجح في تحقيق ذلك.

لبنان تعرض لهذه الحرب وهو يقيم في حال من الأمل المتلجلج بالازدهار الاقتصادي والاجتماعي، أو على الأقل، استئناف مساره، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، الذي لا شك في اعتباره الأب الروحي لهذا المشروع. وكان أن انتهت الحرب بسقوط مريع لمبررات بقاء لبنان اقتصادياً، ودفن مشروع الحريري  نهائياً، وتضاؤل الأمل في عودة البلد إلى التسلح بالأمل.

هذا بالضبط ما تراكمت آثاره وتداعياته إلى الحد الذي أوصل البلاد إلى عجز مستدام على المستوى الاقتصادي والمعيشي، لم يعد بعده قادراً على الاستمرار من دون دعم خارجي، أصبح اليوم متعذراً. في الأثناء، كان حزب الله المقاوم يزيد من قوته وقدرته على الصمود والبقاء على كافة المستويات، إلى حد يمكن القول معه، إننا بعد عقدين من تلك الحرب، أصبح لبنان بقايا بلد كان موجوداً، فيما تحول حزب الله إلى تنظيم يملك بنية راسخة على المستويات كافة، أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها أكبر من لبنان وأقدر من حكوماته على الصمود أمام الأعاصير.

باختصار أثبتت وقائع العقدين الأخيرين أن لبنان انتهى، وقامت دولة حزب الله على ركامه. وإذا أردنا تعريف الانتصار الذي يتحدث عنه حزب الله إثر كل حرب، وتتحدث عنه إيران اليوم، فيمكن تلخيصه بعبارة واحدة: الإنجاز الحقيقي للمقاومات ليس تمييع النصر، إنما استبدال منطق الدول بمنطق الجماعات، وهذا ليس تقدماً بقدر ما هو عودة إلى ما قبل وستفاليا. وإذا استمر هذا المنطق، فالمنتصر الوحيد هو الفوضى، والخاسر الأكبر هو الإنسان العادي.

اليوم، حين يتحدث الجميع عن ضرورة أن تمسك الدولة بمفاصل القرارات المصيرية، فإنهم يغفلون هذه النتيجة، ويحمّلون مكونات البلد المتداعية أصلاً، ما لا طاقة لها على حمله. ولا يشذ عن هذا التطلب حليف أو عدو. فإسرائيل نفسها التي اختبرت هذه الحروب بالدم والنار، تطالب الحكومة اللبنانية والجيش بنزع سلاح حزب الله، وهي أكثر الأطراف دراية ومعرفة بأن حزب الله، حتى من دون صواريخه البعيدة المدى، هو القوة شبه الوحيدة التي تقيم على التراب اللبناني، وكل القوى الأخرى إما ملحقة به، أو هي في طور التشكل البدائي، أو في طور الانحلال التدريجي والخروج عن وظيفتها خروجاً لا عودة عنه.

ما تقدم ليس أكثر من محاولة لفهم مآلات الحرب الأخيرة التي جُمدت بوقف إطلاق نار مؤقت. وقف إطلاق نار يقول بوضوح من الجهة الأميركية إن النظام الإيراني انتهى، وما حل محله هو نظام “مقاوم”. وأن هذا النظام الجديد هو الذي يرفض الاستسلام. وفي هذا الإعلان تحاول الولايات المتحدة اليوم أن تقرأ مسار هذا النظام المقاوم المستقبلي، وتضع له حدوداً صارمة لمنعه من تجاوزها. باختصار، لا تهتم أميركا بمن يحكم إيران وكيف يحكمها، ما تهتم له الآن هو بالضبط تعطيل نشاط هذا النظام المقاوم من دون المساس بسلطته المطلقة.

من جهتها، ترى إيران أنها انتصرت في هذه الحرب، بدليل أنها لم توافق على الاشتراطات الأميركية لإنهاء الحرب. تعلم طهران أن كلفة إعادة الحياة إلى ما كانت عليه قبل هذه الحرب باهظة جداً. لكن نظامها يعرف أن الخيارات المتاحة أمام الإيرانيين معدومة، وأن الخطوة المقبلة التي قد يفكر فيها أي طرف لتغيير ما هو قائم، ليست أقل من حرب أهلية غير مضمونة النتائج، حتى لو كان النصر العسكري فيها مضموناً.

دخلت إيران بعد هذه الحرب في نفق لبنان الذي دخله بعد حرب 2006، ولم يعد ثمة في الأفق الإيراني أي خيار سوى حروب أهلية لا تبقي ولا تذر. والأرجح أن العالم كله سيرعى هدوءاً حذراً في الداخل الإيراني، ويغض نظره عن الكثير مما يجري إلى أن تنفجر الحروب مرة أخرى.

أثناء ذلك، يبدو لبنان كما لو أنه ينتظر انتهاء الحرب الإسرائيلية عليه ليبدأ حربه الداخلية. ولا يبدو هذا الانتظار خياراً، بقدر ما هو ممر لا بديل له. جل ما يأمل به اللبنانيون اليوم، ألا تكون الحرب التي تتنظره ساخنة على النحو الذي اختبره في العامين الماضيين. لكن برودة الحرب المقبلة لن تضعه في منأى من اختبار الخسارات على نحو أشد وطأة مما اختبره ويختبره منذ سنوات.

  * نشرت  بتاريخ 10 نيسان 2026 على موقع المدن