سياسة مجتمع

من مقاومة الاحتلال إلى معضلة إنقاذ الوطن وبناء الكيان

زكـي طـه

بيروت الاول من نيسان 2026 ـ بيروت الحرية

في خضم السجال اللبناني المفتوح حول سبل إنقاذ البلاد واستعادة سيادتها، يتكرّر استحضار تجربة عام 1982 بوصفها نموذجاً يُحتذى، وكأن التاريخ يعيد نفسه، أو كأن ما كان صالحاً في تلك اللحظة، يمكن استعادته اليوم بالآليات ذاتها والشعارات نفسها.

 بين الحنين والتبسيط

غير أنّ هذا القياس، على ما ينطوي عليه من حنين مشروع إلى لحظة وطنية جامعة، يخفي قدراً كبيراً من التبسيط، بل وربما الكثير من التضليل، إذا لم يُقرأ في ضوء التحوّلات العميقة التي أصابت لبنان والمنطقة خلال العقود الأربعة الماضية.

في صيف 1982، واجه لبنان احتلالاً إسرائيلياً مباشراً، بلغ ذروته مع حصار بيروت قبل اقتحامها والسيطرة عليها. كان العدو واضحاً في أهدافه، وفي مقدّمها إنهاء الوجود السياسي والعسكري لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، في محاولة منه لتبديد دورها السياسي وتصفية قضيتها.

وقد شكّل الحضور المسلّح الفلسطيني، في سياق تداخل الساحات العربية، عاملاً أساسياً في تعقيد الوضع الداخلي اللبناني، كما استُخدم ذريعة رئيسية لتبرير العدوان الإسرائيلي على لبنان، في إطار سعي إسرائيل لإعادة رسم التوازنات الإقليمية بما يخدم مشروعها.

وفي ذلك السياق، كان الاحتلال قوة خارجية واضحة المعالم، تحتل الأرض اللبنانية وتسعى إلى فرض أهدافها بالقوة، عبر محاولة فرض تسويات سياسية على السلطة القائمة.

إطلاق المقاومة الوطنية

في مواجهة الاحتلال، ومع طيّ صفحة رهن لبنان للنضال الفلسطيني المسلّح، جاء النداء الذي أطلقه القائدان جورج حاوي ومحسن إبراهيم بوصفه لحظة مفصلية في إعادة تعريف موقع ودور لبنان في الصراع مع العدو الاسرائيلي. لم يكن النداء مجرّد دعوة إلى القتال، بل كان دعوة إلى إعادة الاعتبار للوطنية اللبنانية، عبر تنظيم مقاومة وطنية جامعة تحت راية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

استهدفت الدعوة توحيد اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم حول هدف محدد: تحرير الأرض واستعادة السيادة الوطنية. ولم تكن مجرد تعبئة عسكرية، بل تعبيراً عن مشروع وطني متكامل، يرى في المقاومة أداة ً للتحرير، وطريقاً لتوحيد اللبنانيين وبناء الدولة على أسس ديمقراطية.

لقد استندت الدعوة في تلك اللحظة إلى فكرة مركزية: أن مواجهة الاحتلال تقتضي تجاوز الانقسامات الداخلية، لا تعميقها، وأن استعادة السيادة تمر عبر إعادة الاعتبار للدولة، لا عبر استبدالها. وتحوّلت صفحة مجيدة في تاريخ البلد لأن شروطاً أساسية توفرت لها:

أولاً، وضوح العدو بوصفه قوة احتلال خارجية مباشرة، على النحو الذي يتيح الإمكانية لتوحيد المجتمع حول هدف التحرير.
ثانياً، وجود حدّ أدنى من التماسك الوطني يسمح بقيام فعل مقاوم جامع، يشكل خروجاً على مسار الحرب الأهلية العبثية.
ثالثاً، بقاء فكرة الدولة كمرجعية نهائية، حتى وإن كانت ضعيفة أو متصدعة.

ولأنها شكلت خروجاً على مسارات الحرب الأهلية، تعرضت قواها للمحاصرة في  اعقاب إجبار العدو على الانسحاب إلى الشريط الحدودي. وفي هذا السياق كانت محاولات التدجين والتوظيف خلافاً لأهدافها، من قبل أجهزة سلطة الوصاية السورية، في المقابل تعمدت قوى الامر الواقع الطائفي تهميش دورها والتشكيك بأهدافها وصولاً إلى اعتقال مجموعاتها ومصادرة اسلحهتا، الامر الذي أجبر قواها على الانكفاء.

اختلاف جذري

من المؤكد أن اللحظة الراهنة، مختلفة جذرياً في بنيتها ومعطياتها، إلى درجة تجعل القياس على عام 1982 غير ممكن، بل مضللاً في كثير من الأحيان.

فلبنان اليوم لا يواجه احتلالاً تقليدياً فحسب، بل يتعرض لحرب تدميرية متعددة الأهداف: عسكرية، أمنية، ديموغرافية واقتصادية، تستهدف وجوده وتفكيك بنيته المجتمعية، وتهجير سكانه، عبر إعادة تشكيل الوقائع على الأرض.

ويواكب ذلك تفوّق إسرائيلي شبه مطلق على المستويات الجوية والتكنولوجية والاستخبارية، ما يحدّ إلى حد كبير من إمكان نشوء مقاومة شعبية تقليدية على غرار ما جرى في الثمانينيات.

والعنصر الأكثر خطورة في الاختلاف يتعلق بأوضاع وحالة الداخل اللبناني. ففي عام 1982، وبعد انكفاء العامل الفلسطيني المسلّح، وعلى الرغم من الانقسام الأهلي، لم يكن قرار الحرب والسلم مصادَراً بالكامل من قبل قوة داخلية واحدة. أما اليوم، فقد بات هذا القرار ومنذ عقود طويلة محتجزاً خارج مؤسسات الدولة، على النحو الذي أوصلها إلى حد العجز شبه الكامل.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: في عام 1982، كانت المقاومة جزءاً من مشروع استعادة الدولة، أما اليوم، فإن القتال يجري خارج إطارها، على النحو الذي يعمّق أزمتها ويقوّض دورها.

 مقاومة في أي سياق

لقد تغيّر مفهوم المقاومة نفسه بشكل جذري. فالدعوة التي أطلقها حاوي وإبراهيم كانت موجّهة إلى اللبنانيين كافة، بغضّ النظر عن انتماءاتهم، لأنها كانت مشروع مقاومة وطنية جامعة، والتأسيس لمسار معاكس لمسارات الحرب الأهلية العبثية.

في المقابل، وبعد إنجاز التحرير وإجبار العدو على الانسحاب غير المشروط عام 2000، اتخذت المقاومة طابعاً طائفياً ـ فئوياً، ارتبط بمحور إقليمي، واصبحت قواها ممثلة بحزب الله أسيرة حساباته واستراتيجياته. وهذا التحوّل لم يقتصر على البعد الأيديولوجي، بل طال وظيفة المقاومة نفسها، التي انتقلت من أداة تحرير وطني إلى أداة اشتباك في الصراعات الداخلية على السلطة، كما في الصراع الإقليمي الأوسع، بصرف النظر عمّا يظلل دورها وومارساتها من شعارات مضللة.

حصل ذلك في ظل تغيّر السياق الإقليمي والدولي. ففي عام 1982، كان الصراع يجري ضمن توازنات الحرب الباردة، وفي إطار الصراع العربي ـ الاسرائيلي،  الأمر الذي أتاح لقوى المقاومة هامشاً من الحركة. أما اليوم، فإن لبنان يقع في قلب صراع مفتوح على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، حيث تتداخل الحرب الإسرائيلية مع المواجهة التي تخوضها إيران، ومع الحسابات الأميركية في المنطقة.

هذا التداخل حوّل لبنان إلى ساحة، لا إلى طرف، وجعل أي فعل مقاوم محكوماً بشبكة معقّدة من المصالح المتعارضة. وفي هذا السياق، باتت المشاركة في الحرب، تحت عناوين المساندة أو دعم الحلفاء، ذريعة تستغلها اسرائيل لتنفيذ تهديداتها وتوسيع عدوانهاعلى لبنان.

وهنا، لا يعود السؤال متعلقاً بشرعية مواجهة إسرائيل، بل بشرعية الزجّ بلبنان في صراعات تتجاوز قدرته، وفي ظل غياب قرار وطني جامع.

وقد ترافق كل ذلك مع تفكك داخلي متسارع، نتج عنه انقسام سياسي حاد، احتقان طائفي متزايد، انهيار اقتصادي غير مسبوق، ودولة عاجزة عن فرض سلطتها أو حماية مواطنيها. وفي ظل هذه المعطيات. ومع تبادل مواقف التحريض والتخوين، واطلاق التهديدات من المواقع الطائفية والفئوية، اصبح خطر الانفجار الداخلي موازياً ومتداخلاً مع خطر العدوان الاسرائيلي المرعي والمدعوم اميركياً.

تحديات مختلفة

إن استحضار تجربة 1982 كنموذج جاهز للتكرار يُغفل حقيقة أساسية: تلك التجربة كانت ممكنة لأن شرطها الوطني كان قائماً، ولو بحدوده الدنيا. أما اليوم، فإن هذا الشرط نفسه هو موضع أزمة عميقة.

وعليه فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون في صلب السجال اللبناني الآن  ليس: كيف نعيد إطلاق مقاومة على غرار 1982؟ بل: كيف نعيد بناء الدولة والمجتمع على أسس تسمح باستعادة القرار الوطني، مدخلاً لإنقاذ البلد من مخاطر الاحتلال والتفكك والانفجار كي يبقى موحداً على نحو يجعل المقاومة ممكنة وذات معنى؟

إن استعادة السيادة لا تختزل في مواجهة الاحتلال الخارجي، على أهميتها، بل تبدأ من الداخل: من خلال استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، وعبر إعادة تعريف المقاومة ضمن إطار وطني جامع، وصولاً إلى فكّ ارتباط لبنان بصراعات المحاور.

 إنقاذ الوطن

لقد كانت لحظة 1982 لحظة صعود لفكرة المقاومة الوطنية بوصفها أداة تحرير وتوحيد وبناء دولة. أما اللحظة الراهنة، فهي لحظة خطر وجودي، يتقدّم فيها سؤال  حول امكانية بقاء الكيان والمجتمع على أي سؤال آخر.

وبين اللحظتين، يتحدد التحدي الحقيقي: ليس في استعادة الماضي، بل في القدرة على إنتاج مشروع وطني انقاذي توحيدي وتحرري في آن، بعيداً عن انتظار الخارج عبر الاستقواء به أو الارتهان له، وكلا الخيارين لا يقلان خطورة عن الاحتلال الاسرائيلي.