سياسة صحف وآراء

لبنان في نظرية اللعبة(1): حين يصبح الخطأ نظاماً

* شهيد نكد  

في لبنان، لا يحتاج المرء إلى كثير من التنظير كي يفهم معنى “اللعبة”. نحن نعرفها ونمارسها قبل أن نقرأ عنها ونسمّيها. نعرفها حين يُنظر إلى من يلتزم القانون كأنهساذج، وإلى من يرفض الواسطة كأنه لا يفهم كيف تسير الأمور، وإلى من يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة كأنه يغامر وحده في مجتمع لا يكافئ هذا النوع من السلوك. في هذا البلد، لا يستمرّ الخطأ لأن الناس تجهل أنه خطأ، بل لأن كثيرين يعرفون ذلك جيداً، ومع ذلك يواصلون الانخراط فيه، خوفاً من أن يكونوا وحدهم من يخرج من اللعبة. هكذا لا تعود المشكلة مجرد ضعف في ثقافة القانون أو خلل أخلاقي بسيط، بل تصبح بنية سلوك عامة: يعرف فيها الفرد الصواب، لكنه يتردد في اختياره منفرداً لأن محيطه كله يتحرك في الاتجاه المعاكس.

الخطأ كنظام

وهذا ما نراه في تفاصيل الحياة اليومية كما في القضايا الكبرى. ففي السلطة المحلية مثلاً، تغلب المصلحة الصغيرة على المصلحة العامة، لا لأن الناس تجهل الضرر، بل لأنها تخشى أن تتحمل وحدها كلفة الخروج من هذا المنطق. من يقرر أن يطبق القانون على الجميع، أو يرفض المحاباة، أو يضع الصالح العام فوق الاعتبارات الضيّقة، يشعر غالباً أنه يواجه بيئة كاملة من المصالح المتشابكة. عندها لا يعود السؤال: ما الصحيح؟ بل: من يتحمّل وحده كلفة الصحيح؟

من هنا، لا تعود أزمات لبنان مجرد أعطال واضحة الحلّ. فنحن نتعامل مع ملفات مثل الفساد أو القضاء أو الزبائنية وكأنها تحتاج فقط إلى القرار الصحيح، فيما ما يكشفه لبنان هو العكس: الجميع يعرف أين تكمن العلّة، ومع ذلك تستمرّ، لأن كلفة الخروج منها منفرداً تبدو أعلى من كلفة البقاء فيها.

بهذا المعنى، لا تبدأ المشكلة اللبنانية من أعلى الهرم فقط، بل من منطق اجتماعي يصعد من اليومي إلى السياسي. لكنّ الطبقة السياسية ليست ضحية هذا المنطق، بل أحد أكبر المستفيدين منه. فهي تعرف أن النظام استنفد نفسه، لكنها تخشى أن تكون أول من يتخلّى عن أدواته. والطوائف تعرف أن العيش داخل الهواجس استُهلك، لكنها لا تثق بأن الآخرين سيتخلّون عنها في الوقت نفسه. وهكذا يصبح التعطيل والتمترس أكثر أماناً من المبادرة والمجازفة، ويتحوّل الشلل إلى شكل من أشكال الاستقرار.

وهذا المنطق يكشفه التاريخ اللبناني بوضوح. الطائف في العام 1989 لم يُنهِ الحرب لأن اللاعبين آمنوا بالدولة، بل لأن كلفة الاستمرار في القتال أصبحت أعلى من كلفة التوقف. وفي 2005 حين انسحبت سوريا، سارع اللاعبون إلى تقاسم الفراغ لا إلى ملئه بدولة. وفي الدوحة في العام 2008، جلس الجميع على طاولة واحدة لا للاتّفاق، بل للهروب من كلفة الاشتباك المفتوح. في كل محطة، لم يكن ثمة تأسيس جديد، بل إعادة ضبط للتوازن السيء نفسه. اللعبة لم تنتهِ، بل تجدّدت.

حزب الله وصيغة الدولة المعلّقة

في هذا السياق، لا تبدو معضلة حزب الله غريبة عن سائر معضلات لبنان، بل أكثرها حدّة وخطورة. فالحرب التي اختار خوضها فرضت على البلد كلفة لا قدرة له على احتمالها ولا على الخروج منها منفرداً، وولّدت سخطاً مشروعاً. لكنّ الاكتفاء بهذا السخط لا يشرح المعضلة كلها. فحزب الله ليس استثناءً، بل أحد التعبيرات القصوى عن دولة ضعيفة تسمح ببقاء الاستثناءات داخلها. وإذا كانت الزبائنية والطائفية والفساد تفتك بالدولة ببطء، فإنّ هذه المُعضلة تفعل ذلك دفعة واحدة، ثم تضيف إليه الحرب.

وحتّى لو لم يكن لبنان بمنأى عن احتمال شنّ حرب إسرائيلية عليه، فإن مبادرة حزب الله الى الانخراط في الحرب ربطت البلد أكثر فأكثر باللعبة الإقليمية. ثبّت الحزب موقعه كفاعل يحدّد تموضع البلد ضمن صراع أكبر منه. المُعضلة إذاً، ليست في قرار آني، بل في الصيغة السياسية التي فرضها السلاح على لبنان طوال سنوات. فالحزب نظّم الحياة السياسية اللبنانية كلّها حوله: إمّا إجماع عليه، كما في مراحل سابقة، وضمن ترتيبات إقليمية تُبقي الدولة معلّقة؛ وإمّا انقسام حوله، كما في مراحل لاحقة واليوم، يُعمّق الاستقطاب ويُبقي الدولة معلّقة. في الحالتين، لم يكن لبنان خارج اللعبة، بل يتنقّل بين نسختيها. ولم تكن الطبقة السياسية خارج اللعبة، بل داخلها: مرّة تحت سقف التوافق الإقليمي، ومرّة تحت سقف الانقسام الإقليمي. واليوم تحت ضغط الانفجار الإقليمي.

لبنان في اللعبة الاقليمية

لذلك لا يمكن فهم ما يجري اليوم كحادث طارئ. فالحرب الراهنة لا تضرب بلداً مستقراً، بل بلداً أُعيد تشكيله، على مدى عقود، كساحة مفتوحة للتعطيل والاختراق وانعكاس الصراعات الإقليمية. لبنان لا يدخل كلّ جولة من الصراع من نقطة الصفر، بل يدخلها مثقلاً بمسار تراكمي عمّق هشاشته، وأضعف دولته، وضيّق بدائله.

وما يزيد هذا التوازن قسوة أنّ لبنان لا يدخل اللعبة مثل سائر اللاعبين. فإسرائيل تقيس مكاسبها بالأمن والردع، وإيران بالنفوذ، والولايات المتحدة بإدارة التوازنات. أما لبنان-الدولة فلا يدخل بمنطق المكاسب بل بمنطق النجاة. أقصى ما يملكه ليس تحقيق هدف، بل تفادي الانهيار الكامل. وحين يكون هدف طرف ما هو البقاء، فيما أهداف الآخرين هي الردع والضغط والتفاوض، فهو لا يكون لاعباً كاملاً، بل الساحة التي تُلعب عليها الاستراتيجيات.

ويزداد هذا التوازن رسوخاً لأن الجهة التي كان يفترض أن تنظّم اللعبة غائبة. فالدولة اللبنانية ليست الحكم بين المتنازعين، ولا المرجع النهائي في قرار الحرب والسلم، بل طرف ضعيف داخل معادلة أقوى منها. لذلك لا تنتج اللعبة حلاً عادلاً، بل توازناً رديئاً: ثابتاً بما يكفي ليستمرّ، ومكلفاً بما يكفي لينهك الجميع.

لذلك لا يكفي في لبنان خطاب الإدانة، ولا خطاب الإصلاح الميكانيكي. فالمشكلة ليست فقط في رداءة اللاعبين، بل في قواعد اللعبة نفسها، وفي البنية التي تجعل الخروج منها منفرداً أعلى كلفة من البقاء فيها. وهذا ما يجعل نظرية الألعاب أكثر من استعارة: إنها مدخل لفهم بلد لم تعد أزماته مجرد أعطال، بل صارت توازنات قابلة للاستمرار. وإذا كان هذا هو وجه اللعبة في الداخل اللبناني، فإن السؤال التالي يصبح أكبر: ماذا يحدث حين تدخل هذه اللعبة نفسها في المستوى الإقليمي؟

*نشرت بتاريخ 27 آذار 2026 على موقع المدن