سياسة صحف وآراء

عين على فلسطين (3): الحالة الفلسطينيّة… الضفة

* هشام دبسي

كان اسمها فلسطين

بعد الحرب العالمية الأولى، و بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو في نيسان عام 1920 تم الاعلان عن كيان جيو سياسي جديد في الشرق الأوسط اسمه دولة فلسطين، التي تشكّلت من سنجق القدس وسنجق نابلس وسنجق عكا، وفق التقسيم الاداري للامبراطورية العثمانية المهزومة فضلاً عن ضم بادية شرق الأردن.

وتم التوقيع على دستور دولة فلسطين في 10-8-1922، و أُنْجِزَ أيضاً التعداد السكاني يوم 23 \ اكتوبر من العام نفسه.

ولما كانت “عصبة الأمم”، القيّمة على الحضارة البشرية و ضمان رفاهها، قد أصدرت وثيقة تحدد شروطها على بريطانيا العظمى، الدولة المكلّفة بالانتداب على دولة فلسطين بحيث يبدأ سريان مفعوله في 29 أيلول \ سبتمبر 1923 على أن ينتهي في 15 ايار \ مايو من عام 1948.

ومن أجل حل اشكالية سنجق عكا الذي يمتدّ شمالاً الى جنوب ولاية بيروت، فقد جرى ترسيم للحدود بين السلطات الانتدابية الفرنسية والبريطانية و توصل الطرفان الى اتفاقية بولية – نيوكومب في 23/12/1920 الى ما نعرفه الآن بالحدود اللبنانية – الفلسطينية؛ التي صارت حدود لبنانية – اسرائيلية، مع خروج جيش الانجليز من فلسطين في موعد نهاية الانتداب في 15/5/1948 و اعلان استقلال دولة اسرائيل.

اما فلسطين الانتدابية، و قد تشكّلت حكومتها المعترف بها لكن برئاسة المندوب السامي البريطاني فقد رأت وزارة المستعمرات ضرورة فصل بادية شرق الأردن البالغ مساحتها 90 الف كم2.

وانشاء امارة، و ادارة مستقلة لها بعد سنتين من ضمّها لدولة فلسطين، و منحها للأمير عبد الله بن الحسين،  احد ابناء قائد الثورة العربية الكبرى.

بدورها تحوّلت هذه الامارة لاحقاً في ظل الانتداب البريطاني إلى المملكة الاردنية الهاشمية.

وكانت خطوة فصل امارة شرق الأردن من وجهة نظر بعض المؤرّخين، ضرورة بريطانية لرعاية الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بين النهر والبحر و رعاية نشأة “الوطن القومي للشعب اليهودي”، كما جاء في تصريح وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في 2 نوفمبر عام 1917.

في دولة فلسطين الانتدابية، تطوّر سوق العمل وشهدت البلاد نمواً اقتصادياً متسارعاً، وصارت القدس بمكانتها. العاصمة الثانية بعد القاهرة، بينما تصدّر ميناء حيفا موانئ شرق المتوسط. وازدهرت مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. و تشكّلت الاحزاب والجمعيات وغرف التجارة ودخلت بعض الزراعة في انماط انتاجية حداثية. و اتّسع سوق العمل لتلبية احتياجات الجيوش البريطانية التي اتّخذت من فلسطين مركزاً عملياتياً لادارة مستعمراتها.

وفي هذا السياق، تمّ افتتاح ثلاث قنصليات في القدس و حيفا و يافا، للجالية اللبنانية من أجل تلبية احتياجاتها و حضورها المميّز، التي بلغ تعدادها نحو مئة الف مقيم عاد معظمهم الى وطنهم إبان النكبة.

فضلاً عن عدد مثيل من الجاليات السعودية و العراقية و السورية الى حين لحظة نهاية الانتداب البريطاني لدولة فلسطين، اللحظة التي أرّخت لولادة دولة اسرائيل، بعد هزيمة جيوش مصر و الأردن و السعودية و العراق و سوريا و لبنان. جيوش حشدت ما يقارب 25 الف جندي فضلاً عن جيش الانقاذ، وقوامه ثلاثة آلاف متطوع بقيادة الضابط اللبناني فوزي القاوقجي. بينما استطاعت الحركات الصهيونية المسلّحة انشاء جيش اكثر حداثة بدأ القتال بعديد 30 الف جندي، سرعان ما وصلت حركة التجنيد الميداني الى نحو 115 الف جندي خلال سنة.

هكذا حُسِمت المعركة على قاعدة التفوق الاسرائيلي الكمّي و النوعي. بينما استقرّ تموضع الجيوش العربية خلف و بعيداً عن خطوط التقسيم التي أقرّتها الأمم المتّحدة.

ماذا جرى في أريحا ؟؟

أريحا الأرض التي شهدت ولادة أول تجمّع بشري يسعى الى الاستقرار والبناء والانتاج قبل 13 الف سنة من وقتنا الحالي اي في العصر الحجري الحديث. هناك بدأ يتشكّل مفهوم المجتمع و مفهوم المدينة بالشكل الجنيني للبشرية، قبل أن يظهر مكتملاً في الحضارة السومرية.

لقد بناها الشعب الكنعاني و سكنها البابليون و مرّ  فيها الرومان و استقرت أخيراً للعرب الفلسطينيين.

أريحا مدينة الدفء في عز البرد، وهي بجوار البحر المالح الغائر لأربعمائة متر تحت سطح المتوسط هناك يستريح ماء العمادة النازل من جبل حرمون، انها سمفونية التاريخ والجغرافيا و الانسان، بكل أبعاد فرادتها الاستثنائية.

هناك في اريحا انتهت حرب فلسطين وبقي جزء من المدن والاراضي تحت سيطرة الجيش الاردني بقيادة الجنرال الانجليزي غلوب باشا- هناك عُقِد مؤتمر على عدة مراحل لجمع وجهاء فلسطين من أجل مبايعة الملك عبد الله بن الحسين ملكاً على كامل الاراضي الفلسطينية و اعلان وحدة كل فلسطين مع امارة شرق الاردن.

انها اول وحدة عربية!! في العصر الحديث.

هكذا تحوّلت إمارة شرق الأردن إلى المملكة الأردنية الهاشمية و عاصمتها عَمّان و ليس القدس الشرقية.

وفي مطلع عام 1949 صدر قانون اَرْدَنَة الفلسطيني ليمنع أي حامل جواز فلسطيني، من حقوق المواطنية الاردنية!! بهذا الاجراء، تحوّلت أراضي فلسطين غرب النهر إلى مسمّى “الضفة الغربية”، هكذا نُسِبَت البلاد إلى النهر و ليس إلى شعبها !!

عندما اُبْرِمَت أول اتفاقيات الهدنة مع اسرائيل في 12/12/1949 حضرت المفاوضات مصر و الأردن و سوريا و لبنان و مُنِعَ رئيس دولة فلسطين المنفي في القاهرة الحاج أمين الحسيني ورئيس وزراءه أحمد حلمي عبد الباقي من تمثيل شعب فلسطين على الرغم من اعتراف جامعة الدول العربية بحكومة عموم فلسطين التي انبثقت من المجلس الوطني المنعقد في غزة في 30 ايلول \ سبتمبر من عام 1948 هكذا فاز الجنرال غلوب باشا!! بينما فشل الرئيس الفلسطيني و صارت فلسطين إما اسرائيل او الاردن.

صار اسمها فلسطين

مضى العقد الاول على النكبة في اعادة بناء مجتمعات اللجوء في الضفة الغربية و قطاع غزة و الشتات وما يسمى بلغة ذاك العصر بدول الطوق ( مصر، الاردن، سوريا، لبنان).

كما تبدّل حال الفلسطينيّين في الضفة الغربية، بأن تحوّلت تسمية مؤسساتهم من غرف التجارة الفلسطينية إلى غرف التجارة الأردنية و هذا أيضاً تعمّم على الجمعيات و النوادي و الصحف و كل لافتة كُتِب عليها اسم فلسطين تحوّلت إلى الأردن و بات لنا ملك و تاج و دولة و جيش لكن من دون مصطلح فلسطين.

ولما كان الملك الاردني مَحْمي بالتاج البريطاني و  بالرضا الامريكي توجهت عقول جيل النكبة الفلسطينية الى قائد (الثورة – الانقلاب) المصري جمال عبد الناصر، حتى رأوا صورته بالقمر. بينما عقول أخرى حمله راية البعث العربي الاشتراكي و لا فرق إذ كانت التبعية لدمشق أو بغداد. و في سياق الصراع بين “اليمين – الرجعي العربي” و “القوى القومية التقدمية” إنحازت غالبية فلسطينية إلى التيارات القومية و اليسارية المعاصرة لذاك الزمان. في رحم هذا المناخ و مع بداية العقد الثاني للنكبة، التقت مصالح الزعامة الناصرية في صراعها مع الرجعية العربية (السعودية+ الأردن) مع الهوى الفلسطيني و الشغف باستعادة فلسطين. وهذا ما كان في مؤتمر القمة العربية عام 1964 حيث تم اعلان كيان سياسي باسم منظمة التحرير الفلسطينية يتبعها جيش منظّم هو جيش التحرير الفلسطيني. لكن بادارة الأركان المصرية للواء عين جالوت. و الاركان السورية للواء اليرموك. و الاركان العراقية للواء القادسية. وكذلك الاركان الاردنية للواء قوات بدر.

من هنا، بدأت مسيرة الكيانية الفلسطينية المعاصرة التي احتضنت عدة تيارات قومية ويسارية. لكنها اعتمدت في جوهرها على حركة فتح بصفتها التيار المركزي الذي رسم مساراً مستقلاً عن العواصم العربية، و اتّسم بالمحافظة والاعتدال والتحالف والصدام عند الضرورة.

بين حربين

بين هزيمة  الجيوش العربية المُذِلّة في حرب الخامس من حزيران عام 1967 و بين حرب تشرين عام 1973 حرب عبور قناة السويس نشأت حاجة مُلِحّة للقيادات العربية بالسماح للتنظيمات الفلسطينية أن تشعل حرائق في محيط اسرائيل حسب تعبير الزعيم المصري جمال عبد الناصر.

وكانت قيادة البعث اليسارية في دمشق نُزايد على الزعيم المصري بأن طالبت بحرب “التحرير الشعبية الطويلة الأمد” ، بينما قادة البعث في العراق ينظرون باستعلاء شديد و فوقية لم يستطع الجنرال حافظ الأسد تحمّلها.

هكذا تم استدعاء الكفاح المسلح الفلسطيني من الشعب التوّاق للقتال من أجل وطنه و هويته و مستقبله السياسي، و على هذا الايقاع، تم بناء رحلة استعادة فلسطين إلى الخريطة السياسية مهما كلّف الأمر.

حقاً لقد كلف الأمر كثيراً من الدم و الدمار و المعارك ليس في مواجهة اسرائيل فقط كما يريد الفلسطيني البسيط، و إنما في كل مرة تصطدم مصالح اي دولة عربية مع المشروع المسلح الفلسطيني تأتي النتائج وبالاً على الجميع كما جرى في الأردن و لبنان، فإذا استطاع النظام الأردني خلال ثلاث سنوات من الصراع انهاء الوجود المسلح الفلسطيني هناك، فإن النظام اللبناني شَهِد مساراً مختلفاً عند لحظة توقيع “اتفاق القاهرة” عام 1969. الذي تم بموجبه تنازل الدولة اللبنانية عن سيادتها على جزء من أراضيها سواءً كانت في الجنوب أو في مخيمات اللجوء.

لذا ما إن انتهت حرب تشرين حتى علق لبنان و من فيه و الفلسطينيون معه بالنتائج الكارثية التي اسفرت عنها المفاوضات العربية – الاسرائيلية تحت عنوان “السلام” ؟!! و هذا موضوع آخر.

اما رحلة استعادة الهوية الوطنية الفلسطينية لم تكتمل الا باعلان المملكة الأردنية الهاشمية قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية و الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً.

هكذا حصلت المنظمة على الاعتراف الرسمي الاردني لكنها لم تحصل على الضفة العربية حتى اتفاق اوسلو عام 1992، بعد ثورة “انتفاضة الحجارة”.

يهودا و السامرة

عندما شنّ الاسلام السياسي السُّنّي “حماس” حربه على “اتفاقية اوسلو”، لم يطرح اي شعار له علاقة بالهوية الوطنية،  او بمستقبل الانسان الفلسطيني.

لقد استخدمت حماس المسجد الاقصى بوصلة تتجه نحوه العمليات العسكرية و السياسية و نقطة الاستقطاب الشعبي. و المهمة المركزية الفضفاضة ( تحرير المسجد الاقصى) ، وهذه ليست مسألة عفوية بل توّجتها بعملية 7 اكتوبر، التي اراد من خلالها قادة القسام الوصول الى هذا الهدف او الموت دونه وفق تصريحاتهم.

إنّ “عملية طوفان الاقصى” هي نموذج للفكر الديني المتشدّد، والاكثر تطرُّفاً في تعديل مسار النضال الوطني التحرّري الى مسار الصراع الدين الاسلامي- اليهودي.

إنه المسار نفسه الذي انتهجه التطرف الاسرائيلي المعاصر على خلفية الصهيونية – الدينية.

هنا، اعتقد ان الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني ضحية تقاطع ارهاب التطرف الديني الذي يتبادل الخدمات، و يغذي بعضه البعض على الجانبين – ارهاب فكري / سياسي/ ثقافي يستخدم العنف والمزيد من العنف، من أجل صراع لا نهاية له سوى تدمير المجتمعات من داخلها. وهي نتيجة ظهرت سريعاً في الحالة الفلسطينية، وتظهر في الحالة الاسرائيلية ، بمعدلات بطيئة لكنها شديدة الوضوح.

ومثالنا على هذا، بأن أول ما بدأت به حكومة اسرائيل هو تغيير اسم الاراضي الفلسطينية المعتمدة في القانون الدولي عند ترسيم اتفاق اوسلو في الامم المتحدة إلى الاسم التوراتي “يهودا و السامرة”.

وكما الغت “حماس” التعريف الوطني العلماني للصراع ممّا أدّى إلى الغاء فلسطين مجدداً، و العودة الى مصطلح “يهودا و السامرة”.

حتى الآن منذ عملية طوفان الاقصى جرى ضم وتهويد 44% من مساحة الاراضي الفلسطينية في الضفة وتم الاستيلاء على ٩٠ الف دونم تحت مسمى املاك دولة بينما استولى جيش الاحتلال على 27% من الاراضي باعتبارها مناطق عسكرية وتضاعف عدد المستوطنين ثلاثة اضعاف و جرى اقتلاع معظم مضارب البدو و قُراهم في المشاعات والاغوار هذا فضلاً عن حصار المدن وتدمير ثلاثة مخيمات عبر 1900 اعتداء مسلح و تدمير 1022 منشأة سكنية و زراعية و صناعية، و اخطار 1167 مبنى بالهدم و اخيراً اعتقال 11 الف مواطن وقتل 835 انسان و اصابة 6450 بين رجل و امرأة و طفل.

هذه حصيلة تقاطع تطرّفين حتى الآن في الأراضي الفلسطينية، التي فقدت اسمها و استعادته و تتعرض للفقد مجدداً كان اسمها فلسطين، صار اسمها فلسطين لكنهم يريدونها الآن يهودا و السامرة.

* كاتب وباحث فلسطيني

 *نشرت بتاريخ 23 آذار 2026 على موقع    Levant Time