سياسة

نكبة جديدة تتجاوز فلسطين لتشمل المنطقـة العربية: الشرق الأوسـط الجديد إسرائيلي بـ”يونيفورم” أميركي

د. زهير هواري

بيروت 27 آب 2025 ـ بيروت الحرية

منذ أن استعاد الجيش الإسرائيلي زمام المبادرة في أعقاب هجوم 7 تشرين الأول / أكتوبر من العام 2023 يدأب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمناسبة ومن دونها على القول إنه يعمل على رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط وهو شرق أوسط إسرائيلي بامتياز. المرات القليلة التي أظهر فيها الخريطة تبين منها أنها تشمل معظم مصر والعراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين والكويت كاملين وأجزاء من المملكة العربية السعودية. وقد عرض مثل هذه الخريطة المذكورة في الأمم المتحدة، ولم يصدقها العرب الذين شاهدوها، إذ اعتبروها مجرد مبالغة عسكرية في زمن يخوض فيها نتنياهو حربا مفتوحة ليس ضد الفلسطينيين فقط، بل ضد أعدائه في الداخل الذين يتربصون بحكمه شرا. ثم عاد وكرر رغبته في تحقيق الوعد التوراتي مؤخرا بإقامة دولة إسرائيل الكبرى. وقد أثار إعلانه عن “رغبةً تاريخيةً وروحية في رؤية إسرائيل الكبرى” قلقاً في جميع أنحاء المنطقة والعالم. قبل هذا وذاك، أي في العام 1990 كان القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد عرض أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قطعة عملة معدنية إسرائيلية من فئة 10 أغورات على أحد وجهيها جغرافية إسرائيل الكبرى التي تشمل الدول والمناطق السابقة، أي من الفرات إلى النيل وما بعده.

وتكرار الحديث عن إسرائيل الكبرى معناه الوحيد أن الموضوع جدي ويستحق أن يحسب حسابه. خصوصا وأن ما يعتبر اليوم من بنات الخيال التلمودي يصبح غدا قابلا للتحقق متى أنجز الجيش الإسرائيلي المزيد من التقدم الميداني على الجبهات السبعة التي يتحدث عنها نتنياهو وهي: قطاع غزة، الضفة الغربية، سوريا، لبنان، الأردن، مصر وايران. لكن نتنياهو يقدم هجومه على أن هدفه تجريد حماس من سلاحها واستعادة الاسرى الأحياء والقتلى، وفرض الأمر الواقع على القطاع في اليوم التالي بما هو الاحتلال المتجدد، واجلاء ما لا يقل عن مليون فلسطيني من الشريط الرملي المسمى قطاع غزة. ولا ما نع من استعمال الأدوات والوسائل اللازمة كافة، من الحصار إلى التجويع والتعطيش وتدمير المستشفيات وسائر مرافق البنية التحتية من منازل وخيام وطرقات وجسور ومجاري ومناطق زراعية وغيرها. ولتحقيق مثل هذه الغاية يحشد المزيد من قوات الاحتياط والوحدات النظامية، تعبيرا عن إصراره على استكمال الحلقة الثانية من خطة ” عربات جلعاد”، التي تحظى بموافقة أميركية، يعبر عنها الصمت على المجزرة المتواصلة التي يتعرض لها المواطنون الغزيون من خلال حرب التجويع، والإبادة المشرعة الأبواب منذ قرابة 23 شهرا بالتمام والكمال. وفي المقابل تسجل منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية انتصارات سياسية متلاحقة. والمفارقة أن يكون 80% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، خلال اجتماعات المنظّمة المقبلة، في وارد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مع أربعة أخماس الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن أيضاً، في حين أن الدولة الفلسطينية في الأرض تتآكل يومياً من خلال سياسة الإبادة والتطهير العرقي والتوسّع والاستيطان. ويُكشف توسيع المستوطنات وتدشين 17 مستوطنة مؤخرا، ولا سيما في الممرّ E1 الحسّاس شرقي القدس، نيّة إسرائيل في ترسيخ سيطرتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة. كما أن إعلان سموتريتش البدء ببناء 3400 وحدة سكنية جديدة، على الرغم من الاعتراضات المتكرّرة من الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة، الذي يقطع التواصل بين شمالي الضفة الغربية وجنوبيها، يحول عملياً دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. فيما تستمرّ يومياً هجمات المستوطنين المدعومين من قوات الاحتلال وتفاقم الأزمة وتمر دون أدنى محاسبة أو مساءلة.

مأزق حماس والسلطة معا

رغم التنازلات التي قدمتها حركة حماس خلال المفاوضات الأخيرة المتعثرة، والتي تنصل من الموافقة عليها نتنياهو، بعد أن بدت قبلا كما ذكر أحد المعلقين أنها تتصرف وكأنها المنتصرة في المواجهة، وتريد فرض شروطها على إسرائيل، فالواقع أن حماس فقدت زخمها القتالي والنفسي بين سكان القطاع ، الذين بات أقصى طموح لهم هو تأمين رغيف الخبز والضروريات المطلوبة للبقاء على قيد الحياة، خصوصا وأن العمال والمياومين والموظفين مقطوعون عن ممارسة العمل منذ حوالي العامين ( ثمن كيس الطحين 100 دولار وكذلك علبة الحليب والدواء مفقود. أما الخضار والفواكه واللحوم فممنوعة بقرار الحصار الإسرائيلي من العبور. وكلفة الانتقال على العربات التي تجرها الحيوانات من شمال القطاع إلى جنوبه تصل إلى قرابة الـ 900 دولار). بالطبع لا طاقة لمن تبقى من مقاتلي حماس وباقي الفصائل على صد الهجمات التي تتعرض لها المدن والمخيمات. ما يجعل الاندفاعة الصهيونية محققة. هذا باستثناء مناوشات محدودة النتائج والفاعلية لا تلجم آلة الحرب الإسرائيلية.

ما ينطبق على حماس أشد انطباقا على السلطة الفلسطينية التي تعاني من وضع بالغ السوء. بعد أن أقدمت حكومة اليمين الاسرائيلي المتطرّفة بقيادة الثلاثي نتنياهو، ووزيريه (المال) بتسلئيل سموتريتش و(الأمن القومي) إيتمار بن غفير، على فرض حصار أمني أولا ثم مالي ثانياعلى المؤسّسات الفلسطينية بشكل منهجي. ما مكن إسرائيل من أن تحتفظ بمبلغ يقارب الملياري دولار من أموال المقاصة التي قررتها اتفاقات أوسلو كضرائب ورسوم جمركية تجبيها إسرائيل على بضائع وسلع تدخل إلى الضفة، وهي أموال كان من المفترض أن تتسلمها السلطة لتنفقها على الخدمات العامة الفلسطينية. وقد اقتطعت إسرائيل بداية أجزاءً منها لمنع السلطة من متابعة دفع رواتب شهرية لعائلات الأسرى والشهداء. ومع أن السلطة حاولت علاج الموضوع، إلا أن سموتريتش رفض تحويل أيّ أموالٍ إلى الخزانة الفلسطينية في رام الله. وقد أدّى هذا القرار فعلياً إلى شلل النظام المصرفي الفلسطيني، وتآكل الإطار المالي الوحيد المسموح به تحت الإشراف الإسرائيلي. في غضون ذلك، دأب نتنياهو على رفض أيّ دور للسلطة الفلسطينية في المفاوضات المتعلّقة بغزّة راهنا وفي اليوم التالي، متجاهلاً مقترحاً عربياً لتنسيق الوضع في غزّة ما بعد الحرب… العواقب الإنسانية وخيمة هي الأخرى. يجب أن ننظر إلى حالة الحصار التي تعانيها السلطة من جانب إسرائيل من جهة وحماس من جهة ثانية، التي ترى أن وضع القطاع يخصها وحدها دون أي علاقة لمنظمة التحرير والسلطة بمصيره. وهكذا تعاني السلطة وحماس من مأزق لا علاج له.

مصر والأردن ونذر التوسع الآتي

راهن نتنياهو ومعه الإدارة الاميركية منذ أن بدأ الهجوم على القطاع أن توافق مصر والأردن على فتح حدوديهما أمام قوافل اللاجئين الفلسطينيين، لتدبير أماكن إقامة لهم في سيناء أو في أنحاء الضفة الشرقية. وهو ما لم يحدث رغم مساعي الرئيس السابق جو بايدن ووزير خارجيته انطوني بلينكن، أما الرئيس ترامب فبعدما وجد الأبواب موصدة أمام خيار التهجير نحو البلدين العربيين المجاورين، اتجه نحو البحث عن مكان استيطان بعيد في اندونيسيا وماليزيا وليبيا، وكل من هو على استعداد لاستقبال هؤلاء المهجرين. الذين لا يمكن للقطاع أن يصبح ريفييرا على شاطيء المتوسط، جاهزا لاستجلاب الرساميل والمتمولين والطامحين لتجميع الثروات، مع بقاء هذه الكتلة السكانية في ديارها.

والواقع أن الأردن ومصر حافظا على مواقفهما الرافضة دون طموح لمواجهة أعلى وتيرة. ولكن في المقابل تابع المسؤولون الإسرائيليون في الحكم اليميني التلويح بالعصا العسكرية ما اعتبرا معه أن موضوع إسرائيل الكبرى هو جدي وقابل للتنفيذ. لذلك فهاتين الدولتين اللتين ترتبطان بمعاهدتين مع إسرائيل ( كامب ديفيد ووادي عربة ) بادرتا لاتخاذ إجراءات عسكرية بمحاذاة نهر الأردن في الضفة الشرقية للأغوار للاولى، وللثانية في سيناء ومنطقة رفح. أكثر من ذلك عمد الأردن للمرّة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلى إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية عبر القرعة على ما مجموعه حوالي 6 آلاف شاب لمدة ثلاثة شهور. أما مصر فقد تجاهلت ما تنص عليه اتفاقية كامب ديفيد لجهة عديد وعدة الجيش المصري ودفعت بقواتها إلى شمال شبه جزيرة سيناء لدرء احتمال المباشرة بعملية تطهير عرقي إسرائيلي للفلسطينيين في غزّة. وتفيد معلومات أنه بات هناك حوالي 40 ألف جندي في شمال سيناء، أي ضعف العدد المنصوص عليه في الاتفاقات الموقعة بين الطرفين عام 1979. وتخشى مصر أن تترافق خطة القضاء على حركة حماس مع تشريد جماعي لحوالي مليون من الفلسطينيين. كلا العاصمتين القاهرة وعمان تشعران بقلق مضاعف بفعل سياسات التوسع الإسرائيلي في كل من قطاع غزة والضفة الغربية خصوصا. ما يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على زلزال أين منه نكبة العام 1948 وما تخللها من قيام الكيان الصهيوني وتهجير قرابة 800 ألف فلسطيني. أما آلان فتوسيع نطاق المستوطنات في الضفة وتدمير ما تبقى من القطاع، إن كان يعني من أمر فهو يعني منحى هجوميا متجددا بايديولوجية توراتية وغطاء أميركي سافر من جانب الرئيس ترامب وفريق حكمه المتصهين.  يجب أن نعطف ذلك على التوسع الإسرائيلي في كل من لبنان (المواقع الخمسة الحاكمة في الجنوب والاحتلال الجوي للبلاد) وسوريا التي فقدت الجولان منذ العام 1967 الذي ضمته إسرائيل رسميا منذ العام 1981، باتت الآن عاصمتها تحت مرمى أسلحة الجيش الإسرائيلي التقليدية، بعد السيطرة على مرتفعات جبل الشيخ وإقامة مواقع عسكرية إسرائيلية في انحاء الجنوب بعد تدمير ما كان تبقى من أسلحة الجيش السوري.

دون المزيد من التطويل والشرح يمكن القول إن دخول خارطة إسرائيل الكبرى حيز التنفيذ كما نشهد الآن تفاصيلها، يرتبط بما آل إليه الوضع العربي في غضون العقود المنصرمة. فقد تهاوى الأمن القومي العربي الذي كانت تمثله جامعة الدول العربية ومجلس الدفاع العربي المشترك على نحو كلي، وانهارت معه مؤسسات الدول الوطنية بما فيه الجيش والقوات المسلحة التي باتت مرتهنة لـ” المساعدات العسكرية الأميركية”. وهكذا استفردت آلة حربها بخط الدفاع الأول ممثلا بالنبض الفلسطيني في كل من قطاع غزة والضفة الغربية اللذين يقاتلان باللحم الحي دفاعا عن وجودهم المادي والرمزي، ولذا وجدت إسرائيل الطريق أمامها ممهدا للتدخل في المنطقة تارة لحماية هذه الأقلية أو تلك كما يحدث في سوريا، أو لضمان أمن دولتها و”حدودها”، التي لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي. كل هذا دون أن يلمس أحد موقفا سياسيا عربيا يتماشى مع خطورة هذا الطور من الهجوم الإسرائيلي المسعور في فلسطين و”دول الطوق” المتهتك. أما أولئك الذين زعموا كثيرا أنهم يعملون على إعداد العدة من أجل تحرير فلسطين وفي القلب منها القدس، فقد ساهموا بدورهم في تفكيك المنطقة العربية وباتت طموحاهم حماية أنظمتهم المأزومة من خلال سياساتهم المركزية وأدواتهم الطائفية الفئوية.