صحف وآراء مجتمع

مقدّسات الماضي والتسلّق فوق الجديد

* د. راشد الشاشاني

دور الشباب، دور المرأة، الإصلاح،  محاربة الفساد.. الخ. هذه أدوات اليوم لإعتلاء مواقع السيطرة، غالبا ما تكون عدّة من هم خارج هذه الفئات، حتى عندما يكونوا من ضمنها؛ فإنّهم ليسوا سوى أدوات بيد أولئك .

على الدوام؛ كانت أكبر عثرات الناس هي عقائدهم، هي ذاتها أداة ما انتهوا إليه؛ بعد أن ساروا قانعين – غير متشكّكين – بأي تفصيل من تفاصيل خطّة السير هذه، ليس أمراً جللا هذا؛ طالما بقي ضمن حدّ تجاربٍ؛ تمنح صانعها قوة المسير؛ التي تلزمها مهارة تغيير هذا المسير؛ كلّما بانَت وعورة الطريق .

غير أنّ الجماعات اعتادت صناعة قوانينها من داخل معتقداتها، يبدو عاديّا وطبيعيّا هذا النهج، لكنّ المشكلة تقف خلف ذلك، علينا أن نعمّق النظر؛ كي نرى مجموعة المصالح التي ألّفَت رأي مجموعة للسير باتجاه ما في مسألة ما، باختصار، إنّها: المصالح. تلك المصالح التي اعتلت فكرةً بدأت بفرد، ثم تلاقت حولها مصالح أخرى مشارِكة؛ شكّلت في مجموعها عقيدة، مبدأ، أو مذهباً… الخ، بُنيت فوق مجموع المصالح الأوّل مجموعة تالية – ربّما تكون أكثر من ثانية – هي القوانين، القواعد، الإتّفاق أو التفاهم …الخ .

إذاً مُركّب المصالح هذا سار في اتجاه “يخدم” فكرته الأولى وفقا لظنّ المجموع؛ لكنّه ابتعد كثيراً عن أساس نشأة الفكرة الحرّة ـ إذا ما اقتصرنا حديثنا عن الفكرة البريئة متجاهلين الخبيث منها ـ هذه المسافة بين المنشأ والمآل وَلّدَت بحكم الطبيعة نقاط ارتكازٍ؛ استندت إليها مسيرة التنقّل بين الأزمان والأماكن؛ بحيث بات من الصعب أحياناً، ومن المستحيل أحياناً اخرى؛ محاولة الإقتراب من واحدة أو أكثر من نقاط الإرتكاز هذه؛ بفعل اتّساع الرقعة أو ابتعاد الزمن، أو حتّى تعدّد النقاط؛ وإن اتّحدت في البقاع والزمن .

بات مع ذلك: السير باتجاه مصلحة ما – هذا يشمل شؤون الحياة اليوميّة وما زاد عنها – رهناً بالسير فوق هذه النقاط؛ بمعنى: الاتفاق معها، هذا يقضي  بحكم اللزوم؛ أنّ مخالفةً ولو بسيطة، أو حتّى محاولة لفهم جدوى، صدق، فاعليّة، حيثيّات، أو إلزاميّة…الخ هذه “الأوابد” تعني بالضرورة؛ خروجاً عن الجماعة؛ أو ما اعتادته؛ وهو بهذا يعني ايضاً: صداماً معها .

بالعودة إلى طبيعة تشكيل نقاط الإرتكاز هذه؛ التي اعتمدت نموذج التمجيد من جهة، و الذم من جهة ثانية، لم يكن الأمر مقتصرا على صناعة نماذج شخصيّة إنسانيّة ركزّت صورتها سطوة القوّة، بل امتدت مساحة الإرتكاز  إلى الأماكن والأحداث والمواقيت والظواهر الطبيعيّة، ربّما شكّلت هذه المشاهد الأولى عند ولادتها مؤشّراً موجّها لشخصها الأوّل، قد يكون ذلك صحيحا، لكنّه بكل الأحوال شأنه الخاص الذي يدير في شؤون حياته .

حاجة المصالح إلى قدرة خاصّة من هذا النوع؛ تسمح لها بالتفوّق على كل منافس، أجْبرَتْها على الإستثمار في مشهد “الشخص الأوّل”، هكذا سارت المصالح؛ حين اجتمعت في مواجهة المجموع أو الشخص “التضليل”، وهكذا سارت المصالح داخل مجموعاتها ذاتها “الانقلاب” نذكّر هنا بأنّنا استبعدنا “الشخص الأوّل” باعتباره بريئاً، وقد لا يكون كذلك .

في كلتا صورتي تمرير المصالح “التضليل و الانقلاب” كان درع الحماية ضدّ هجوم المصالح المضادّة من جهة، وهجوم الخاضعين لسطوة هذه المصالح، هو: الماضي .

الماضي؛ الذي بات فكرة مسلّماً بها، لا لشيء سوى أنّها ” ماتت” بمعنى ليست ماثلة أمام حواسّنا، لا يمكننا فحصها وفحص حقيقة ما عرفناها به، حقيقة نواياها، بل وما إذا كان خاصّا بها أم بغيرها، وما زاد فيها وعنها، فوق كلّ ذلك، وعلى فرض صدق كلّ ما سبق؛ ما شأننا بها؟! لماذا علينا اتباع تعاليمها؟!

مع هذا المفهوم، ينبغي أن يتوسّع نطاق فكرة الموت إلى كل ما لا يُمكننا إدراكه، لكنّ هذا الإدراك ليس خاصّاً بالحواس فقط، وليس واحداً بين جميع الناس كذلك، مع رفضنا لربط فكرة الحياة والموت بمجموعة آلية ملموسة لا مجال لشرحها. انعدام قدرة الفحص هذه والخوف من السؤال عنها؛ باعتبار العقاب – بغض النظر عن ماهيّته ـ الذي سيحلّ بالسائل؛ وخوف الإنسان من الإنعزال وحيداً عندما يجري تجربة هذه، وما يتبع هذه العناصر، صنعت “القداسة” في رباط بين هذه الأخيرة، وخوف التجديد والتغيير، والميل نحو المضمون والآمن؛ وفقاً لفهم خاطيء ومعكوسٍ لمقدارِ التكاليف  .

إذاً؛ مفهوم القداسة وما يحويه من “عدم القدرة على الفحص ومفهوم الموت” أودى بالمجموع إلى حاجة تحديد إطار القداسة هذا،  هنا ظهرت الحاجة إلى الرموز التي تشكّل مرجعاً يرسم حدودها، هذه الرموز تداولت أدوار “الكُفر، أو الخروج عن المجموعة” في زمانها ، إلى دور” البطولة ” وامتلاك الحق؛ بما يعنيه امتلاك الحق من سلطة التوجيه والقيادة عند هؤلاء، في دهاليز هذه الاحتيالات نشأت فكرة “الميت المقدّس ” .

بالعودة إلى فكرتَي: “التضليل والانقلاب” اتّخذت فكرة قداسة “الميّت” طابعاً مرنا؛ بحكم خدمتها للمصالح، بقي الميت ثابتاً وتغيّرت معه سلطة صيانة موته هذا، هذه السلطة الأخيرة؛ كانت على الدوام بحاجة  إلى حشد التأييد الحاضر؛ بمعنى: أنّ حاجة التضليل للبقاء وحاجة الانقلاب للنجاح؛ فرضَت لنفسها أن تُؤسَّس فوقَ ثباتِ “المخدوعين” خشية تحرّكٍ ما؛ يُفضي إلى كشف التضليل وسقوط  الإنقلاب، فكان أحد النواتج؛ ما يعرف ب: “بالوعي الجمعي” نترك تفصيله إلى موقع آخر، ونكتفي بالصورة التي يصنعها ويستغلّها “الإنقلابيّون” في تثبيت وضعهم عند شعورهم بتهديد مصالحهم من قبل مجموعتهم ذاتها؛ في شكل “الفساد والفاسدين” ، والصورة المقابلة: حين تتهدّد مصالح المجموعة أمام الخاضعين “المضلَّلين” في صورة الشرعيّة واللّا شرعيّة .

قبل أنْ نُنهي: نعود بإطلالة على فكرة سيطرة القوّة التي تحدّثنا عنها، لنؤكّد أنّ مصدر هذه القوّة ليس دائما غلبة المعارك، بل قد تزيد عنها قوّة الكذب، غير أنّنا لا نقرّ للكذب بقوّة ما، لكنّنا نريد إدارة الإنتباه إلى ضخامة أثر ضعف من يُصَدّق، هذا الضعف الذي يُترجمه الضعفاء قبل الكاذبين والمخادعين على أنّه قوّة لدى آسريهم، لِذا؛ عليكم أنْ تصنعوا قوّتكم بأنفسكم، مبدأ صناعتها هذه؛ هو كشف زيفها أمام أنفسكم أوّلاً؛ ما يعني جرأتكم على مناقشة كل شيء مهما علا شأنه، تذكّروا أنّنا نقول: من يكذب خبيث؛ والخبيث لا يكون ذكيّاً، الخبيث غبيٌّ على الدوام، فإن كان ماهراً في الكذب فلا تكن أنت أمهر منه في التصديق .

* كاتب مستقل